العنوان الوحدة بَين المغرب وليبيَا بين التناقض الواقعي والخيال السياسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 48
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
في نهاية زيارة قصيرة قام بها العقيد الليبي إلى المغرب، أعلن يوم ١٤ أغسطس أن الحسن الثاني ومعمر القذافي قد وقعا على اتفاق يقضي بالوحدة بين دولة المملكة المغربية ودولة الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، على ألا تصبح المعاهدة نافذة المفعول إلا بعد أن يوافق عليها شعبا البلدين حسبما تقتضيه الإجراءات المعمول بها في كل من الدولتين.
وتصدر الخبر برقيات وكالات الأنباء وعناوين الصحف. واجتهد المحللون السياسيون في البحث عن دواعي هذا الاتفاق وخلفياته، ذلك أن الحدث كان مفاجئًا ومريعًا، فماذا جرى في وحدة؟ وما هي حسابات كل من الطرفين؟
- زيارة العقيد إلى المغرب:
زيارة العقيد القذافي يوم الاثنين (۱۳) أغسطس لم تكن مفاجئة، فقد كانت زيارة القذافي إلى المغرب في (۳۰) يونيو من العام الماضي تحولًا مهمًا في العلاقة بين البلدين، انطلقت على إثرها الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين وتوقيع اتفاقيات تعاون مشترك.
إلا أن هذه العلاقات كانت دون حجم اتفاق الوحدة الأخير بكثير. فقد جاء في نص الاتفاق أن (الملك الحسن الثاني والعقيد معمر القذافي يهدفان بهذا الاتحاد إلى توثيق الروابط المتينة. التي تجمع بين البلدين وإلى القيام بمبادرة تكون لبنة أساسية لوحدة المغرب العربي وبالتالي خطوة تاريخية في سبيل تحقيق وحدة الأمة العربية وهو ما من شأنه درء الأخطار التي تستهدف الأمة العربية والعالم الإسلامي وفي مقدمتها فلسطين والقدس الشريف».
وقرر الطرفان المغربي والليبي إلغاء التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وسيتم تعيين وزير مفوض من كل طرف لدى الآخر لنقل وجهات نظره وللإشراف على تطور الاتحاد، كما أعلن في الصحافة المغربية أنه سيقع تعيين رئيس للوحدة من أحد البلدين بالتناوب مرة كل سنتين كما ستعقد اجتماعات مشتركة بين الحكومتين ،وذكرت صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية أن الاتحاد يضمن سيادة كل من الدولتين، وسيتم إحداث أمانة عامة للاتحاد كما ذكرت أن اتفاق الاتحاد قابل للتطور من حيث الشكل، ويمكن لأطراف أخرى من دول المغرب العربي أن تنضم إليه، وأن الاستفتاء قد ينظم قبل نهاية أغسطس. في حين تذهب مصادر أخرى إلى أنه لن يتم قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجري يوم (١٥) سبتمبر «أيلول» الحالي.. ويستعد الطرفان ليقدما التفاصيل الكاملة عن الاتحاد في الذكرى الخامسة عشرة لما يسمى بثورة الفاتح من سبتمبر. لذلك، لا يخفي العقيد الليبي حرصه على عقد قمة مغربية بهذه المناسبة. وقد استدعى بعض زعماء تونس والجزائر. وكانت وكالات الأنباء قد تناقلت خبرًا مفاده أنه كان من المنتظر أن ينضم الرئيس الجزائري الشاذلي من جديد إلى اجتماع القذافي والحسن الثاني بوجدة، وأكد هذا الاحتمال توقف الرائد عبد السلام جلود بالجزائر قبل الإعلان عن الاتفاقية، كما لاحظ الصحافيون الموجودون بوجدة وجود حزام أمني مكثف على امتداد الطريق الرابطة بين وجدة والحدود الجزائرية، وهو حزام شبيه بالحزام الأمني الذي أقيم بمناسبة لقاء الملك الحسن الثاني والرئيس بن جديد في فبراير ۱۹۸۳.
- أسباب الاتفاق:
أما عن الأسباب المباشرة لعقد هذا الاتفاق فتذكر المصادر أن العقيد القذافي كان قد توجه منذ مدة برسالة إلى رؤساء الدول المغربية فاتحهم فيها برغبته في العمل بأفضل السبل لتدعيم التعاون بين هذه البلدان للوصول بها إلى الوحدة، إلا أن رد الملك الحسن الثاني فاق ما كان متوقعًا واقترح الوحدة بين المغرب والجماهيرية. وذكرت مصادر وثيقة الاطلاع أن ابن عم العقيد معمر القذافي أحمد قاذف الدم والذي يحتفظ بصداقات جيدة في المغرب وبعض دول الخليج قد سهل كثيرًا الوصول إلى اتفاق الوحدة. وذكرت مصادر مطلعة أيضًا أن المغرب هو الذي وضع إجراءات وتفاصيل هذه الوحدة بشكل أساسي.
وإثر توقيع الاتفاق انطلقت الاتصالات حثيثة بين أقطار المغرب العربي، فتحول العقيد القذافي إلى الجزائر حيث التقى بالرئيس الشاذلي بن جديد، ثم تحول إلى تونس صحبة أحمد رضا غديرة مستشار الملك الحسن الثاني.
وقد شرح العقيد إلى المسؤولين في كل من الجزائر وتونس دوافع الوحدة المغربية - الليبية وأكد أن الجماهيرية كانت تسعى لتوحيد الوطن العربي والوحدة بين ليبيا وأي بلد عربي يرغب في ذلك. ولاحظ أن المشروع الليبي المغربي ليس موجهًا ضد أحد وأنه يرغب في انضمام الأقطار المغربية إليه، وأن القضايا المغربية المزمنة مثل قضية الصحراء الغربية تجد حلها الكامل بالوحدة.
وقد لاحظ الرئيس الجزائري خلال لقائه مع القذافي أن اتفاقية الإخاء والصداقة التي كانت وقعتها الجزائر وتونس في (۱۹) مارس الماضي ثم انضمت إليهما موريتانيا فيما بعد، تعد خطوة جادة نحو التعاون والوحدة بين أقطار المغرب العربي.
أما الجانب التونسي، فقد اكتفى السيد محمد مزالي ومعاونوه بالاستماع إلى العرض الليبي مع إبراز بعض التساؤلات والملاحظات، ووعد بأن تونس ستدرس ما يعرض عليها بتأن، ولاحظ أن معاهدة الإخاء والوفاق التي وقعتها تونس مع الجزائر وموريتانيا توفر الإطار الملائم للتعاون بين أقطار المغرب العربي وتؤهلها للارتقاء بخطى ثابتة نحو الوحدة.
- سابع محاولة وحدوية:
وجدير بالذكر أن اتفاق الوحدة الذي أعلن بين ليبيا والمغرب هو المشروع الوحدوي السابع من نوعه الذي توقعه الجماهيرية الليبية مع إحدى الدول العربية أو الإفريقية.
- فقد كانت المحاولة الأولى في ديسمبر ١٩٦٩ مع السودان ومصر انضمت إليها سوريا في ٢٧ نوفمبر من السنة الموالية إثر مجيء حافظ الأسد إلى السلطة. وبقي في مستوى المشروع.
- وكانت المحاولة الثانية مع مصر وسوريا في أبريل سنة ۱۹۷۱ عندما أعلن عن «اتحاد الجمهوريات العربية لم يتجاوز الأمر الإعلان الإخباري.
- وفي الثاني من أغسطس سنة ۱۹۷۲ اتفق العقيد القذافي وأنور السادات على الدخول ببلديهما في وحدة اندماجية ثم جاءت حرب أكتوبر ليقطع البلدان علاقاتهما في غرة ديسمبر من السنة نفسها.
- وفي الثاني عشر من يناير ١٩٧٤ كانت المحاولة الرابعة مع تونس، وكان بيان جربة ولم يتجاوز الأمر الأسبوع الواحد.
- أما المحاولة الخامسة فقد أعلنت مرة أخرى مع سوريا في العاشر من سبتمبر سنة ١٩٨٠.
- وكانت المحاولة السادسة مع تشاد في السادس من يناير سنة ۱۹۸۱.
- وتحدثت الأخبار عن محاولتين أخريين الأولى مع مالطا والثانية مع إيران، غير أنهما لم تريا النور حتى على أمواج الأثير أو صفحات الصحف، وها نحن اليوم بصدد الحديث عن المحاولة الوحدوية السابعة ولسنا ندري كم ستعمر.
- ماذا وراء هذا الحدث؟
لقد كان الحدث مفاجئًا إلى حد كبير، لذلك لم يخف الملاحظون السياسيون استغرابهم، ذلك أن العلاقات بين ليبيا والمغرب وإن كانت سجلت بعض التحسن خلال هذه السنة إلا أن اختلاف النظامين السياسيين وتباين مواقفهما من مختلف الأحداث والقضايا جعل من الصعب استساغة هذه الوحدة دون البحث عن الدواعي التي دفعت كلا من الطرفين ليوقع على الاتفاقية.
ورغم بعض الاختلاف فيما بين المحللين لهذا الحدث إلا أن هناك إجماعًا في أن الظروف الاقتصادية الصعبة جدًا التي يشعر بها المغرب كانت من أهم العوامل التي شجعت الملك المغربي على اقتراح الوحدة. فالديون المخلدة بذمة المغرب تبعث على الفزع. ورغم التجاء الحكومة المغربية إلى التداين من جديد لتدفع بها ديونًا سابقة وتقدمها للمرة الثانية في ظرف ثلاثة أشهر بطلب إعادة جدولة الديون، ورغم بعض الإجراءات التقشفية، والزيادة في أسعار بعض المواد للتخفيف على صندوق التعويض، فإن الحمل يظل ثقيلًا جدًا ويدفع إلى القلق على مستقبل البلاد خصوصًا وأن البلاد متورطة في حرب الصحراء المغربية التي تكلفها ملايين الدولارات يوميًا. لذلك فإن المراقبين لا يستبعدون رغبة الحسن الثاني في فتح الخزانتين الليبية والمغربية على بعضهما.
أما الدافع الثاني - وهو أساسي أيضًا - الذي دفع الملك المغربي إلى طلب الوحدة مع ليبيا فهو قضية الصحراء الغربية، فرغم الجدارات الأمنية الثلاثة التي أقامها المغرب في حدوده الجنوبية لعرقلة تحرك البوليساريو ضده، فإن الجبهة الجنوبية ما زالت ساخنة والعلاقات مع الجار الموريتاني تزداد توترًا خصوصًا بعد تصاعد هجمات البوليساريو التي وجدت في الأراضي الموريتانية خير مكان لشن الهجومات. لذلك فإن الدعم الذي ستقدمه ليبيا للمغرب - بموجب هذه الاتفاقية - سيكون ذا تأثير كبير، خصوصًا إذا علمنا أن ليبيا كانت قد كونت عددًا مهمًّا من كوادر البوليساريو العسكرية.
كما أن الحسن الثاني سيستفيد كثيرًا من العقيد القذافي على المستوى السياسي للتأثير على الأقطار الإفريقية وتقسيم صف البلدان المساندة للجمهورية الصحراوية داخل منظمة الوحدة الأفريقية، وبالتالي منع جبهة البوليساريو من الدخول إلى المنظمة، خصوصًا وأن القمة الأفريقية ستعقد خلال شهر نوفمبر المقبل.
ويجب ألا ننسى أيضًا الوضع السياسي المتأزم الذي يمر به المغرب منذ مدة. فلقد مر هذا البلد في يناير الماضي بأحداث عنيفة جدًا نتيجة قرار الحكومة رفع أسعار الخبز ومختلف مشتقات الحبوب. هذه الأحداث ما زال المغرب لم يتخلص بعد من آثارها الثقيلة، بل إن أكدت خطورة الوضع الاقتصادي والسياسي، فالأزمة الاقتصادية زادت استفحالًا والتفاوت الطبقي استشرى أكثرمن ذي قبل، والمحاكمات السياسية مسحت أغلب التيارات وخصوصًا ذات التوجه الإسلامي، فإذا أضفنا إلى هذا المؤتمر اليهودي الذي عقد بحضور بعض رموز السلطة الحاكمة اتضحت لنا ملامح العزلة الداخلية والعربية الإسلامية- وخصوصًا على المستوى الشعبي - التي يعيشها الحكم المغربي خصوصًا بعد صدور (۱۳) حكمًا بالإعدام على إسلاميين كانوا قد اعتقلوا إثر انتفاضة يناير الماضي، لذلك فإن الوحدة مع ليبيا مهما كانت مدتها فإنها تفيد السلطة المغربية بدرجة كبيرة.
مسالة أخرى مهمة لا يمكن إغفالها ونحن نتحدث عن مشروع الوحدة بين بلدين مغربيين. إنها معاهدة الإخاء والوفاق التي وقعتها تونس والجزائر يوم (۱۹) مارس من السنة الماضية ثم انضمت إليها موريتانيا. هذه الاتفاقية التي تتعهد بموجبها كل دولة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الأخرى ومنع أي شكل من أشكال العمل المناهض للدولة الأخرى فيها، وتكثيف التعاون المشترك. في مختلف المجالات. فقد دُعي الملك المغربي إلى الجزائر للانضمام إلى الاتفاقية إلا أن خلافاته مع الجزائر منعته من ذلك. ولعل الملك المغربي فهم أن المعاهدة قد شكلت محورًا ضد سیاسته في الصحراء الغربية خصوصًا بعد توقيع الرئيس الموريتاني خونا ولد هيد الله على المعاهدة. وقد أكد هذه المخاوف الاحتراز الذي أبداه الطرفان الجزائري والتونسي عندما طلبت ليبيا الانضمام إلى الاتفاقية. والحقيقة أن لهذا الاحتراز شيئًا من المعقولية. فللعقيد خلافات ذات بال مع البلدين، فهو يدرب بعض التونسيين في معسكراته يسميهم «جيش تحرير تونس»، وللسلطة التونسية معلومات أخرى مهمة أقل ما يقال فيها إنها «تؤكد نية القذافي التدخل في شؤون تونس الداخلية»، وقد تم في بداية هذا العام إعدام جاسوسين يعملان لصالح ليبيا وقدما لها معلومات خطيرة عن تونس. كما أن قضية الجرف القاري الحدودية لم تطو صفحاتها بعد، ولعل آخر ما سجل في هذا الملف الضخم التفجير الذي تعرض له أنبوب الغاز الجزائري في الجنوب التونسي، وغير البعيد عن الحدود الليبية والذي اتهمت فيه ليبيا. وفي الجانب. الآخر، فإن بين ليبيا والجزائر خلافًا حدوديًا ما زال ينتظر التسوية. هذه المواقف والوقائع اجتمعت وتراكمت لتعزل ليبيا والمغرب عن المجموعة المغربية، وتدفعهما إلى البحث عن صياغة سياسية يسجلان بها حضورهما السياسي ويثبتان بها استعدادهما للعمل المشترك.
أما العقيد القذافي فيبدو أن تحمسه للوحدة العربية وعقدة العجز عن تحقيق أي خطوة فيها، والصدمات السياسية العنيفة التي تعرض لها في تجاربه الوحدوية السابقة كانت الدافع الأول، ثم إن يأسه من السلطة الحاكمة في كل من مصر والسودان والمشرق العربي عموما جعلته يولي وجهه قبل المغرب العربي، والمغرب الأقصى بالذات، ثم إن تنامي معارضيه - رغم الضربات القاسية التي وجهها لهم - قد دفعته إلى البحث عن صديق عربي خصوصًا وأن هذا الصديق قد ساعده سياسيًا في قضية تشاد.
هذه هي العوامل المهمة التي انتهت بإعلان الوحدة بين ليبيا والمغرب. فهل هي كافية لبناء عمل من هذا النوع؟ وهل أن الاتفاق في مخالفة الطرف الآخر يعني الاتفاق في رسم معالم المستقبل؟ أيهما يا ترى سيتخلى عن نفسه ليحولها إلى الآخر؟ هل سيفتح المغرب معسكرات التدريب للمعارضين العرب ويدخل مرحلة جديدة يبشر فيها بعصر الجماهير؟ أم أن ليبيا ستفتح أبوابها لمؤتمرات اليهود وخبراء أمريكا؟ الأسئلة المطروحة كثيرة والإجابة عنها أصعب من فهم خلفيات هذه الوحدة. ولأن الاتفاق في إعدام الإسلاميين لا يكفي لبناء الدولة الوحدوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل