العنوان الوعظ بـ«التلفزة» في مساجد المغرب.. تجربة فريدة وعثرات عديدة
الكاتب حسن الأشرف
تاريخ النشر السبت 19-يونيو-2010
مشاهدات 63
نشر في العدد 1907
نشر في الصفحة 36
السبت 19-يونيو-2010
بعد مرور أربع سنوات كاملة على انطلاقها...
مؤيدون: تجربة مفيدة تتيح تلقي الدروس الدينية في بيوت الله التي تمتلئ عادة بالأجواء الروحية العالية.
معارضون: مبادرة غير لائقة بالمساجد لأن الصلاة تتطلب الهدوء والخشوع والسكينة بعيدًا عن الضوضاء.
د. رشيد مقتدر: أنت في سياق إعادة هيكلة الحقل الديني إصلاحه كخطوة إجرائية ضمن خطوات استراتيجية.
أحد الوعاظ: الدروس لا يتابعها سوى القليلين الأسباب عديدة منها انشغال الناس بوظائفهم وحياتهم اليومية.
في التاسع عشر من شهر يونيو ٢٠٠٦م، شهد المغرب تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي، ترمي إلي تقديم دروس ومحاضرات في الوعظ والإرشاد الديني، وحصص في تفسير القرآن الكريم، والحديث النبوي، وجانب السلوك والعبادات بواسطة أجهزة «التلفاز» داخل بيوت الله تعالي.. وقد لاقت التجربة حينها استحسان البعض وانتقاد البعض الآخر، لكنها عرفت التطبيق تدريجيًا من خلال مرحلة أولي شملت ٢٠٠٠ مسجد في ربوع في المملكة المغربية، سواء في الحواضر والنوادي، بالإضافة إلي نحو ٣٠ سجنًا استفادت أيضًا من هذه التجربة.
ويرى باحثون مختصون في الشأن الديني أن التجربة شهدت عددًا من السلبيات جعلتها تتعثر بشكل واضح، رغم الإيجابيات التي حاول القائمون على تدبير الحقل الديني بالمغرب تطبيقها في مجال الوعظ والإرشاد.
مضامين البرنامج
ويشتمل البرنامج اليومي على حصص تعليمية مبسطة وقصيرة المدد في تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث النبوي الشريف، وإبراز السلوكيات المبنية على الكتاب والسنة، ومجال العبادات أيضًا.. ويتم التركيز علي شرح أحد الأحاديث النبوية من کتاب «الموطأ» للإمام مالك بن أنس؛ حيث المذهب المالكي هو المذهب الرسمي المعتمد في المغرب منذ قرون خلت.
وتركز حصص برنامج الوعظ بالتلفاز في المساجد على بث السلوك الطيب وإشاعة الخصال الحميدة في نفوس المصلين المشاهدين والمستمعين؛ من خلال تقريب المواقف التي تحث على هذه الأهداف التربوية السليمة عبر تصفح سيرة النبي ﷺ وصحابته الكرام.
أما جانب العبادات، فقد خصص حيز أساسي، لما للعبادات من حضور وأهمية بالغة في حياة الفرد المسلم، فاعتمدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشرفة على البرنامج مع القناة السادسة للقرآن الكريم، على تعليم جمهور المصلين المشاهدين مبادئ العبادات نظريًا وتطبيقيًا أيضًا.
«ترقية» الوعظ
وقد حرص القائمون بهذه التجربة على وضع أهداف وغايات محددة بعناية، خصصوا لها ميزانية مالية كبيرة، مع مراعاة معيار التدرج في نشر وتعميم البرنامج على سائر مساجد البلاد بقية ما أسماه وزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق «ترقية» الوعظ في المساجد، وتوسيع قاعدته، ومزج الطرق التقليدية بالطرق الحديثة التي تعتمد على الأجهزة التقنية والاستفادة منها.
وحاول المسؤولون عن الشؤون الدينية بالمغرب حين انطلقت هذه التجربة أن يجعلوا منها مناسبة لإنتاج خطاب ديني ذي مضمون رصين وجذاب، وهي المسؤولية التي اضطلعت بها المجالس العلمية المحلية في مدن وأقاليم البلاد، غير أنه من خلال الواقع وبمتابعة أصداء التجربة في شتى المساجد، ظلت جاذبية البرنامج طموحًا لم يتحقق بعد.
وتسعى السياسة الدينية للمغرب أيضًا من خلال تطبيق هذا البرنامج إلى تلبية حاجة المغاربة لخطاب ديني مندمج يوفر للمجتمع وسائل الطمأنينة الروحية في تناغم وانسجام مع متطلبات عيشهم اليومي ومشكلاتهم وتطلعاتهم الحياتية، بهدف «محاربة» الخطاب الذي يقول المسؤولون عن الحقل الديني بالبلاد: إنه خطاب «منحرف أو متطرف».
وبحسب مهتمين بهذا المجال، فإن المسؤولين عن تسيير الشأن الديني أرادوا بهذا البرنامج الرسمي- الذي يسير وفق ضوابط وشروط يشرف عليها مندوبون من الوزارة وجهات رسمية أخرى- أرادوا التضييق على من تراهم أئمة أو دعاة لا يتصفون بالاعتدال أو خطباء من حركات إسلامية معينة ممن يحلو لهم التطرق إلى مواضيع لا تفضلها الوزارة، وتجد فيها نوعًا من «بث الفتنة وسط الناس».
لذا، كان الحرص شديدًا على انتقاء ما يصلح لخطاب ديني يعتبره المسؤولون صحيحًا ومعتدلًا يرمي إلى التواصل مع أكبر عدد ممكن من المغاربة داخل المدن والبوادي والأرياف، وإلى تقريب العلماء إعلاميًا من جمهورهم الذي لا يعرف عنهم وعن اجتهاداتهم ودروسهم الشيء الكثير.
تأييد ومعارضة
وتتباين آراء الشريحة المستفيدة من هذا البرنامج بشكل لافت؛ حيث يؤكد عدد من الجمهور أهمية التجربة لكونها فريدة من نوعها، وتتيح تلقي الدروس في رحاب بيوت الله التي تمتلئ عادة بالأجواء الروحية العالية.
وفي المقابل انتقد البعض وضع أجهزة تلفزة داخل المساجد، ورأوا فيه مبادرة غير لائقة ببيوت الله التي تتطلب الهدوء والخشوع والسكينة بعيدًا عن الضوضاء التي قد يحدثها بث البرامج والدروس عبر شاشات التلفاز، واحتمال عدم حضور القلب والتركيز حينها.
«عبدالله بليزيد» أحد المصلين الذين تابعوا التجربة منذ انطلاقها، يرى أنها تستحق الإشادة بها؛ لأنها تتضمن تقريب المادة العلمية بلغة بسيطة وباللهجة الدارجة المحلية لكل الناس، خاصة للبسطاء والأميين الذين لا يتواصلون مع الخطاب اللغوي عالي المستوى الكثير من العلماء.
ويقول «بليزيد»: إن هذه التجربة جعلت العديدين يغيرون من ارتباطهم بالفضائيات الدينية التي تبث من المشرق العربي، وصار المغاربة يتابعون دروس علماء هذه الفضائيات وفتاواهم أكثر من متابعتهم العلماء البلاد، فكانت التجربة بمثابة عودة الدفء في العلاقة بين جمهور الناس وبين شريحة العلماء والدعاة والخطباء المغاربة.
وبخلاف الرأي السابق، يوضح أحد الوعاظ بمساجد الرباط أن التجربة كانت طموحة في شقها النظري، لكن عند التطبيق العملي ظهرت محدوديتها وضعف إشعاعها؛ حيث لا يحضر الدروس التي تقام عادة بين صلاتي العصر والمغرب سوى القليلين الأسباب عديدة، منها انشغال الناس بوظائفهم وحياتهم اليومية.
وبرر عدم الإقبال الكبير بسقوط البرنامج الطموح شكلًا فيما وصفه بالروتين والملل الذي كاد يقضي على التجربة، بل حكم عليها بالتعثر والفشل في الكثير من المساجد، مشيرًا إلى أن الجاذبية التي كان يتوقعها المسؤولون عن الشأن الديني بالبلاد لم تتوافر بتاتًا في الدروس والحصص التعليمية التي يلقيها ثلة من العلماء والأئمة بطريقة تسجيلية على جمهور المصلين المتابعين.
إيجابيات وسلبيات
ولتسليط الضوء أكثر على هذه التجربة التي أنهت عامها الرابع، ومعرفة سياقاتها التي جاءت فيها وملامسة جوانبها الإيجابية والسلبية معًا، يقول «د. رشيد مقتدر»، الباحث المتخصص في الشؤون الدينية بالمغرب، ل«المجتمع»: إن تجربة الوعظ والإرشاد في المساجد عبر التلفاز أنت في سياق إعادة هيكلة الحقل الديني وإصلاحه، كخطوة إجرائية ضمن خطوات استراتيجية، من قبيل توسيع هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى وباقي المجالس العلمية المحلية، وتحويل رابطة علماء المغرب إلى الرابطة المحمدية للعلماء، وإصلاح دار الحديث الحسنية، وإحداث قناة وإذاعة «محمد السادس للقرآن الكريم» وغيرهما.
وأشار إلى أن موضوع الوعظ والإرشاد في المساجد أتى في هذا السياق، وخصصت له ميزانية معتبرة من خلال وضع تلفاز ووسائل تقنية للربط في نحو ألفي مسجد في ربوع المملكة.
وأوضح أن مضمون هذا البرنامج يتمثل في إعداد دروس دينية في الوعظ والإرشاد يتم تسجيلها وبثها في المساجد قبل الصلوات أو بعدها؛ حتى تعم الفائدة ويستفيد الجميع، مشيرًا إلى أن مسألة وضع أجهزة تلفزة في المساجد أثارت نوعًا من الجدل والنقاش حول شرعية المبادرة من عدمها.
وقال د. مقتدر: إن هذه التجربة تعرف في الفترة الحالية نوعًا من التعثر في عملية التنفيذ، إن لم نقل إن المبادرة حاليًا شبه متوقفة لأسباب عديدة، وبالتالي فمعظم البرامج التي كانت ثبت في المساجد ثبت حاليًا في القناة «السادسة للقرآن الكريم».
ويرى الباحث المغربي أن من إيجابيات التجربة أنها سعت إلى دعم التأطير التقليدي بوسائل عصرية حديثة، وأعطت دفعة إعلامية لمشاريع الوزارة والمجالس العلمية، كما أنها أعادت الاعتبار لفئة العلماء والوعاظ والمرشدين بتقديمهم الجمهور أكثر اتساعًا.
وخلص «د. مقتدر» إلى أن المستقبل هو الذي سيحدد أسباب الخلل في برنامج الوعظ والإرشاد بالتلفاز في المساجد، وهل سيتوقف نهائيًا أم أنه مجرد مرحلة مؤقتة تنتظر إقلاعًا ثانيًا للإعلام الديني بالمغرب؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل