العنوان الوكيل الإقليمي للإمبريالية الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976
مشاهدات 42
نشر في العدد 311
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 03-أغسطس-1976
في عامين متتابعين «74- 75» أغرقت المنطقة العربية بحملة إعلامية- تعبر بالضرورة من خطة سياسية مقصودة، وكانت هذه الحملة تنذر بغزو خارجي يستولي على منابع النفط عنوة في سبيل حماية الاحتكارات الرأسمالية العالمية.
وكان منظمو الحملة ومنفذوها يبتغون «إرهاب» الأنظمة وتهديد الشعوب بعودة الاحتلال الأجنبي المباشر.
فلما لم يقع الغزو، اطمأنت أنظمة، وابتهجت أخرى!
ولكنها طمأنينة الوهم، وبهجة تخدير الذات.
فالذين أزمعوا غزو ديارنا لم يتخلوا عن أطماعهم وتدعيم احتكاراتهم.
أنهم غيروا الأسلوب فحسب وهو تغيير شكلي في أسلوب الاستعمار القديم
«الاحتلال العسكري والسياسي والإداري المباشر».
فما هي الاستراتيجية البديلة إذن؟
الاستراتيجية البديلة هي: تعيين أو انتداب «وكلاء إقليميين» ينوبون عن الامبريالية الأمريكية في التدخل والاجتياح.
وإذا كان أهل هذه المنطقة «الخليج العربي» يريدون الانتفاع بما حدث لغيرهم فليفتحوا عيونهم- بكامل قوة أبصارها- على تجربتين تمثلان قمة النيابة الإقليمية عن الغزو الدولي القادم من بعيد.
نعم.. ليفتحوا عيونهم بكامل قوة أبصارها على:
- تدخل النظام السوري في لبنان «ومهما حدث من تطورات في المستقبل فإن ذلك لا يلغي التجربة المثيرة في التدخل الإقليمي».
- تدخل النظام المصري في السودان «ومهما تذرع هذا التدخل أو احتمى باتفاقيات صورية للدفاع المشترك فإن هذه الاتفاقية تبرير بعدي للتدخل أو غطاء سياسي للمهمة الجديدة لبعض الجيوش العربية، مهمة إدارة المعارك داخل البلاد العربية، «لا مع العدو الصهيوني»، والخذلان لأماني الأمة واضح في التدخلين.
فتدخل النظام السوري في لبنان- حتى لو تم انسحاب جزئي أو كامل- يظل رمزا على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في إبادة الشعب الفلسطيني وقمع مسلمي لبنان بواسطة جيش إقليمي مجاور.
وتدخل النظام المصري في السودان إساءة طويلة المدى للشعبين المصري والسوداني فقد أوشك السودانيون أو الأجيال الجديدة منهم أن تودع الحساسيات المريرة التي ولدها في نفوسهم «الحكم الثنائي» أي الحكم المصري الإنجليزي المشترك للسودان، فجاء هذا التدخل الجديد ففجر- من جديد- تلك الحساسيات، وزادها حدة ومرارة.
ومن المعروف أن من أهم سياسات كيسنجر في العالم العربي زرع الشقاق بين أبنائه وإضعاف بنيانه. وهدم كل الاحتمالات الحسنة التي من شأنها أن تنشئ تنسيقا كريما حرا شريفا في مختلف المجالات بين الأقطار العربية.
وهناك تماثل بين التهديد باحتلال منابع النفط وبين «بروفات» التدخل الإقليمي في السودان.
فالسودان بلد طاقة- إن صح التعبير- وإن كانت من نوع آخر، ومما لا شك فيه أن الاحتكارات الرأسمالية الأمريكية تنصب أعينها في هذه السنين على المساحات الزراعية الضخمة في السودان وتريد أن تظفر بامتيازات مشابهة للامتيازات التي ظفرت بها في دنيا النفط في وقت مبكر.
إنها تريد أن تتحكم في مصادرنا الغذائية كما تحكمت دهرا في بترولنا.
وهي لا تستطيع- نظرا لاعتبارات متعددة- أن تحقق أطماعها بجيش أمريكي سافر ومن ثم كان البديل جيوشا إقليمية تضطلع بنفس المهمة.
والأسباب التي تعتمد عليها الاستراتيجية الأمريكية في التوكيلات الإقليمية هي:
- اجتناب صراع دولي ذري «يقود إليه بالطبع الغزو الأمريكي الصريح».
- تفادي النقمة الشعبية داخل أمريكا «انظر مثلا ضغوط حرب فيتنام على أكثر من انتخاب رئاسي في أمريكا».
- تغيير مفهوم القواعد العسكرية «مجموعة صواريخ يقوم بتشغيلها عدد من الفنيين لا يتسم بالتضخم أو محطات إلكترونية أو جيش محلي، ولقد استخدم الأمريكان النمطين الأخيرين في منطقتنا بالذات».
هذه هي التطبيقات فما هي النظرية؟
ذلك أجزاء من تطبيقات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.. فما هي النظرية الأساسية؟
يقول كيسنجر- وهو مصمم الاستراتيجية الأمريكية ومنفذها-:
«لا بد من ابتكار نظام دولي تقوم فيه دول صغيرة بشن الحروب الإقليمية بالنيابة عن الولايات المتحدة»
ويقول:
«إنه يجب حل هذه المشكلة الديموغرافية- يعتقد كيسنجر أن الوضع الجغرافي للاتحاد السوفياتي أفضل من وضع أمريكا- يجب حلها عن طريق خلق جيوش إقليمية تمولها الولايات المتحدة وتقوم بالتدخل نيابة عنها».
ويطلق كيسنجر على هذه السياسة مصطلحات أو شعارات خادعة فيسميها مرة: «إثارة المواهب الخلاقة في عالم متعدد الأجناس».
ويسميها مرة أخرى:
«استراتيجية الدفاع المحلي والتعاون الإقليمي ولا ينفرد كيسنجر بتبني هذه السياسة فقد وصف الجنرال وستمورلاند- رئيس سابق لأركان حرب القوات الأمريكية المشتركة- على هذه الاستراتيجية بأنها: «تغيير ألوان الجثث».
وهو تعبير بشع يعني أن يموت أناس غير أمريكيين في سبيل هدف أمريكي فيكون الذي تغير هو ألوان الجثث فحسب.
لون فيتنامي أو مصري أو سوري أو.. أو».
العبرة
والعبرة في كل ذلك أن استراتيجية التدخلات الإقليمية قد بدأ تطبيقها فعلا، وأن الدول الحريصة على استقلالها ينبغي أن ترفع صوتها بالاحتجاج والاستنكار وأن تقرن هذا الاحتجاج بوعي كامل يبصرها بما ينبغي أن يكون.
خاصة الدول ذات الوزن غير الكبير، فإنه يتعين عليها أن تحترس تماما وأن تأخذ حذرها من الذين يحولون مدنهم وقراهم إلى ترسانات سلاح ويشحنون أنفسهم بأطماع إقليمية مرتبطة- سرا وعلانية- بأطماع الإمبريالية الأمريكية.