; الولايات المتحدة: تركيا نموذج إسلامي ممتاز ! | مجلة المجتمع

العنوان الولايات المتحدة: تركيا نموذج إسلامي ممتاز !

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1487

نشر في الصفحة 28

السبت 02-فبراير-2002

حظيت الزيارة التي قام بها مؤخرًا رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد للولايات المتحدة باهتمام من الدوائر السياسية والإعلامية خاصة بعد إعلانه أنه سيحاول إقناع واشنطن بعدم شن حملة عسكرية ضد العراق في إطار «مكافحتها للإرهاب الدولي».

وقد وطدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر من التحالف التركي الأمريكي «الدولة الإسلامية الوحيدة في حلف الأطلسي» كون تركيا تعد من وجهة نظر واشنطن نموذجًا للدولة الإسلامية الممتازة، وذلك واضح من تصريحات كونداليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي إذ تقول: «تركيا نموذج ممتاز كبديل للإسلام المتعصب»، وذلك في إشارة منها إلى تشدد الدستور التركي في الفصل بين العلمانية والإسلام، وكذلك تأكيدها أهمية استقرار تركيا وتحسين أوضاعها باعتبارها نموذجًا للإسلام الحديث!

الاحتياجات الاقتصادية

لكن تركيا لا تزال ترزح تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بها في العام الماضي، وهي تعتمد بشكل كبير على القروض التي تصلها من واشنطن والدائنين الدوليين؛ لتصحيح موازناتها الاقتصادية. وفي هذا الإطار، فقد سأل أجاويد رايس عن وسائل ضمان استمرار تمويل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتركيا، فكان جوابها: «الإصلاحات يجب أن تستمر.. ودعم صندوق النقد والبنك الدولي سيتواصل طالما الإصلاحات مستمرة».

كان صندوق النقد قد أقر منح قروض لتركيا بقيمة ١٩ مليار دولار؛ لتحسين اقتصادها، ومن المتوقع أن يدعمها في وقت لاحق من هذا العام بقروض جديدة تصل قيمتها إلى ١٠ مليارات دولار.

أجاويد طلب أيضًا امتيازات تجارية مقترنة بشطب ديون تركيا العسكرية بقيمة خمس مليارات دولار، إلا أن الولايات المتحدة رفضت ذلك بدعوى أنها تبذل ما بوسعها لمساعدة تركيا من خلال إقناع الصندوق والبنك الدوليين بمواصلة المساعدات، وأنه يجب عدم توقع أكثر مما فعلته، ولا سيما أن شطب الديون التركية ليس بيد الرئيس بوش, بل هو بحاجة إلى قرار من الكونجرس.

قبرص وسياسة الأمن الأوروبي

المسالة القبرصية تصدرت جدول أعمال رئيس الوزراء التركي في واشنطن فضلًا عن العلاقات التركية اليونانية، والمفاوضات التي ولدت حديثًا في الجزيرة القبرصية المنقسمة. تركيا من جانبها تريد تأييدًا أمريكيًّا فقط لهذه المفاوضات لا يتجاوز إلى تدخل طرف ثالث, بينما تصر واشنطن على وضع ثقلها كاملًا في المفاوضات.

وكان من بين القضايا التي تم بحثها منح تركيا القيادة الدولية لقوات حفظ السلام في أفغانستان، لا سيما أن واشنطن, وبعض الدول التي تساهم في هذه القوة بادرت إلى عرض هذا الاقتراح، رغم وجود بعض الاعتراضات, وقد أعطت واشنطن الضوء الأخضر للقوات المسلحة التركية؛ لتسلك الموقع القيادي في أفغانستان، مؤكدة أنها ستدعم تركيا في هذه القضية حتى النهاية.

بين صدام والنظام القادم

 هناك سؤالان مهمان: أولهما عن المنافع التركية من الوضع الراهن في ظل بقاء صدام حسين في الحكم، والأسباب التي تستدعي قلقها في مثل هذه الحالة.

والثاني: إذا استطاعت الولايات المتحدة قلب نظام صدام حسين, فما النتائج المحتملة على تركيا؟

أولًا: تنظر تركيا إلى استقلال كردي في شمال العراق على أنه مضر بوحدتها الوطنية, ولهذا فإن انحشار الأكراد العراقيين في الزاوية بين تركيا وسوريا وإيران والعراق يواتيها بالدرجة الأولى- كما هو معلوم- أن الأكراد العراقيين سيحتاجون إلى دعم الولايات المتحدة؛ لتفادي انتهاكات قوات صدام حسين لأراضيهم، لكن واشنطن جبرًا للخاطر التركي- على الأقل في المدى القريب- لن تقدم هذا الدعم نظرًا لحاجتها الإستراتيجية الماسة لتركيا.

ثانيًا: التوتر الراهن بين إيران والعراق هو بحد ذاته لصالح تركيا؛ إذ إنه يحول دون أي تحالف فعال ضدها. كما أن قلة الثقة بين النظامين العراقي والسوري مفيد لتركيا أيضًا, فهو يمنع تعاونهما في النزاع علي مياه الفرات.

ما فوائد ومضار تغيير النظام في بغداد من وجهة النظر التركية؟

التهديد الأكبر الذي يواجه المصالح التركية في مثل هذه الحالة، هو احتمال تفكك العراق, فالعراق مكتظ بفسيفساء من المجموعات العشائرية والدينية والعرقية، وإذا حدثت فوضى فيه، وتلاشى الجيش والحرس الجمهوري، فهذا يمكن أن يشعل نار الحرب الأهلية, وفي مثل هذا الحالة، فإن أكراد العراق سيكونون المستفيد الأول إذ سيمكنهم إعلان استقلالهم.

زيارة أجاويد الأخيرة لواشنطن ربما تكون قد رفعت من أهمية تركيا.. لكنها لم تحصل إلا على بعض القروض.

وقد يؤدي هذا التفكك إلى انشقاق أجزاء أخرى من العراق على طول الخطوط المختلفة: الإقليمي والديني أو حتى العشائري. وهناك احتمال كبير أن تحاول سورية التأثير على شمال العراق، بينما تحاول إيران توسيع سيطرتها على جنوبه، وهو ما سيضر بالمصالح التركية بشكل كبير.

واجهت العلاقات التركية- الأمريكية بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة تغيرات مهمة، وقد عاشت تركيا والبلدان الأخرى التي هي في مواقع مماثلة لها فترة قلق؛ بسبب الشعور بتضاؤل أهميتها الإستراتيجية وبأنها ستهمش. ووسط فترة الحيرة هذه، قدمت تركيا دعمها للعمليات الدولية التي قامت بها الولايات المتحدة في الخارج مثل حرب الخليج, وتجاهلت كل المخاطر التي يمكن أن تنعكس عليها سلبيًّا، وذلك في محاولة مستميتة لاستعادة موقعها المهم.

وفي الفترة الأخيرة أدرك صناع السياسة الخارجية في تركيا أن هجمات 11 سبتمبر يمكن أن تكون فرصة ثمينة؛ لتحقيق التقارب التركي الأمريكي بشكل أكبر، ولهذا فإن تركيا اليوم تجاهد لشغر مكان ضمن هذا النظام العالمي الجديد، ولن تتردد في تحمل المخاطر ثانية مهما كانت أبعادها في سبيل تحقيق هذا الهدف. 

وعند هذه النقطة فإن تركيا تواجه معضلة فيما يتعلق بعامل العراق في العلاقات التركية- الأمريكية, ولا شك أن قضية العراق كانت الأكثر صعوبة في الملف الذي ناقشه أجاويد في الولايات المتحدة, وذلك ضمن محاولته شرح الموقف التركي من السلبيات المحتملة على تركيا في حالة استهداف العراق.

لكن الواضح أن السياسة الخارجية التركية التي تفتقر إلى التأثير على صياغة الأحداث، لن تكون قادرة على القيام بدور ذي مغزى في اليوم الذي تقرر فيه الولايات المتحدة الشروع بعملية ضد العراق.

كونداليزا رايس أكدت أن واشنطن لم تتخذ قرارًا نهائيًّا بعد بصدد العراق رغم أنها ترى في صدام حسين تهديدًا على استقرار المنطقة والبلدان المجاورة, وقالت: «الرئيس لم يتلق أي نصائح بصدد ضرب العراق, العراق كان مشكلة بالنسبة لنا قبل ١١ سبتمبر ولا يزال كما هو يمثل تهديد على جيرانه وشعبه».

القلق التركي نابع من أن يؤدي أي هجوم عسكري ضد بغداد إلى إتلاف جهود أنقرة في التغلب على الأزمة الاقتصادية، فضلًا عن إمكانية تشكيل دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

وفي الختام فإن زيارة أجاويد لواشنطن ربما تكون قد رفعت من أهمية تركيا من حيث مبدأ التحدث عن مثل هذه القضايا مع الإدارة الأمريكية، فضلًا عن رفع معنويات الاقتصاد التركي، اسمًا دون أن يكون فعلًا وما عدا ذلك, فإن تركيا لم تأخذ أكثر من بعض القروض المؤخّرة ووعود بدعم صندوق النقد الدولي.

الرابط المختصر :