; اليمن: "الحوثي" وخيارات مُرة.. بين الحل السياسي والاستمرار في المواجهة العسكرية | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: "الحوثي" وخيارات مُرة.. بين الحل السياسي والاستمرار في المواجهة العسكرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-2015

مشاهدات 53

نشر في العدد 2090

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 01-ديسمبر-2015

 

خلال الشهر الماضي تمكن صالح والحوثيون من السيطرة على "المسراخ" في تعز وإشعال الحرب في منطقة "المَضَارِبَة" على الحدود بين محافظتي تعز ولحج

تعز والجوف الجبهتان الرئيستان اللتان يعوَّل عليهما في تنفيذ الحسم العسكري النهائي لا تزالان تنتظران القرار السياسي

الحكومة اليمنية أبدت حماساً لحضور "جنيف 2" بإعلانها المبكر عن ممثليها في الحوار ومطالبتها للحوثيين بتشكيل وفدهم

أنباء صحفية تؤكد رفض دولة الإمارات مغادرة العميد أحمد علي عبدالله صالح أراضيها إلى جيبوتي وقد فتح طلبه التكهنات حول توقيت الطلب

صنعاء: عبدالملك شمسان

يتجدد نشاط الحرب المستعرة في عدد من المحافظات اليمنية الوسطى، وتعود الحركة السياسية الخارجية النشطة في إطار الترتيب لحوار "جنيف 2" بين السلطة الشرعية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته والأطراف اليمنية المؤيدة للشرعية، وسلطات الانقلاب المسلح الذي نفذه الحوثيون وحليفهم علي عبدالله صالح، ويعود معهما الجدل بشأن الحسم، وما إذا كان سيحسم في ميدان السياسة أم في ميدان الحرب في ظل انعدام الرؤية تحت كثافة الغبار في كلتا الساحتين.

انتعش الحوثيون على الميدان خلال الشهر الماضي (نوفمبر)، وعادوا يستهدفون بصواريخ "الكاتيوشا" مدينة مأرب شرقي البلاد، ويحاولون تعزيز تواجدهم في بعض منطقة "صِرْوَاح" بالتقدم إليها عبر "بني ضبيان" التي هي أحد بطون قبيلة "خولان"، ويخوضون هناك مع القبائل حروباً شرسة.

الوضع الميداني

خلال الشهر الماضي، تمكن صالح والحوثيون من السيطرة على "المسراخ" في محافظة تعز، وبالتزامن مع ذلك تمكنوا من إشعال الحرب في منطقة "المَضَارِبَة" على الحدود بين محافظتي تعز ولحج، وهي الحدود التي تفصل الشمال والجنوب حسب تقسيم ما قبل وحدة شطري اليمن، وبدا أنهم يدقون بهذا أبواب الجنوب المحرر من جهة الغرب، كما يدقونها من أبواب الوسط بعد تمكنهم من العودة إلى مديرية "دِمْت" التابعة لمحافظة الضالع والقريبة من صنعاء، فضلاً عن أن المعارك ما تزال تحتدم في عدد من المناطق التابعة لمحافظة شبوة الجنوبية الشرقية، وتنتعش معنوياتهم، وتزداد الحيرة على وجوه المؤيدين للشرعية في الطرف الآخر.

في المقابل، خرج قائد في المقاومة الشعبية في محافظة الجوف شرق البلاد مؤكداً الاستعداد التام لدى المقاومة والجيش الوطني المسنودين بقوات التحالف لتطهير المحافظة، تاركاً التساؤل عما إذا كانت كل تلك الإمكانات التي وصلت إلى مأرب والتحم جزء كبير منها بمحافظة الجوف ما تزال مجرد استعدادات، وما الذي يمنع القرار السياسي من أن يطلق لها صافرة البدء؟!

وفي الأثناء، ينفي الناطق باسم قيادة قوات التحالف العميد أحمد عسيري تأخر التحالف عن تحرير تعز، معتبراً أن التأخير أو التقديم مرتبط بموعد زمني، فيما لم يصدر موعد بتحرير هذه المحافظة حتى يمكن الحكم بناء عليه بالتقدم أو التأخر، مفيداً أن تحرير تعز ما يزال قراراً مؤجلاً كما هي الحال في الجوف، وأن هاتين الجبهتين الرئيستين اللتين يعوَّل عليهما في تنفيذ الحسم العسكري النهائي ما تزالان تنتظران القرار السياسي المثير باحتجابه لجدل شعبي واسع وتناول إعلامي شبه يومي.

توغَّل صالح والحوثيون في هذه الجبهات، وبدؤوا يتسللون إلى مناطق أبعد ويستعدون للتوسع، وشدّوا قبضتهم بالحصار على مدينة تعز، ليهتز الطرف الآخر محركاً القوات من عدن إلى تعز، وتبدأ معاركها في منطقة "الشُّرَيْجة" على بعد 30 كيلومتراً من تعز من الجهة الشرقية، ثم تتقدم منها نحو "الراهِدَة"، وتتجه مجاميع من قوات المقاومة الشعبية الجنوبية لتستعيد في تعز منطقة "الوازِعِيَّة" القريبة من باب المندب، فضلاً عن تعزيز المقاومة في منطقة المضاربةِ، واستمرار القصف الجوي على مواقع الحوثيين في داخل مدينة تعز وخارجها.

تغيرت المعادلة، وانتعشت المقاومة ومؤيدوها، وانفتح باب الأمل بتحرير تعز، وأطلق قائد المنطقة العسكرية الرابعة تصريحاً عن انطلاق معركة تحرير تعز، واشتعلت وسائل الإعلام، إلا أن ذلك التحرك العسكري لم يكن لتحرير تعز، ولم يهدف لأكثر من فك الحصار عن المدينة وصدّ التقدم المتزايد للحوثيين، ولا تزال القوة التي تحركت من عدن تخوض معاركها بعيداً عن مدينة تعز.

الخيارات السياسية

يحتجب القرار السياسي الذي تنتظره قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية المستعدة لتحرير الوسط الممتد من تعز إلى المَخَا على باب المندب، وصولاً إلى ميناء الحُدَيدة على البحر الأحمر، ويحتجب – أيضاً - عن القوات الهائلة المرابطة في الشرق على الحدود مع السعودية (مأرب -الجوف – صعدة وحرف سفيان)، مثيراً باحتجابه لجدل شعبي واسع يبحث عن الأسباب والمبررات، وهي المبررات الكامنة في ميدان السياسة الذي ما يزال من جهته أكثر غموضاً، وتظل الحرب ما بين كر وفر في ذات المربع.

فيما قام الأمين العام للأمم المتحدة بزيارة للرياض، وقد أكد  من هناك ضرورة التحول نحو الحل السياسي، ويعلن مبعوثه الخاص إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ الـ27 من نوفمبر موعداً لانطلاق الحوار السياسي في العاصمة السويسرية فيما يعرف بـ "جنيف 2" قبل أن يقوم بجولة إقليمية في الخليج يسبقها بزيارة غير معلنة إلى طهران، ويلتقي خلالها بوفد من الحوثيين في مسقط، وكانت الحكومة اليمنية قد بادرت مطلع الشهر إلى إعلان تشكيلة الوفد الممثل لها في الحوار، مبدية نشاطا نحو "جنيف 2" على عكس حالها في "جنيف 1"، ويتلكأ الحوثي من جانبه.

مصادر مطلعة تؤكد لـ "المجتمع" أن الحوثيين طلبوا قبل أسبوع من موعد انطلاق "جنيف 2" مهلة لمدة أسبوعين ليتدارسوا رؤيتهم للحوار، الأمر الذي استدعى من الأمم المتحدة تأجيل الموعد إلى أجل غير مسمى من الشهر الجاري (ديسمبر).

وفي 22 نوفمبر، نشر محمد عبدالسلام، الناطق الرسمي باسم زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" منشوراً يتحدث فيه عن توجههم إلى مسقط بعد تلقيهم – كما قال - ملاحظات إيجابية على النقاط التي طرحوها بشأن الحوار السياسي، مضيفاً أنهم تلقوا دعوة من عدة أطراف أوروبية لزيارتهم وإطلاعهم على رؤيتهم للحوار عن كثب، وهو ما قد يفسر بمحاولات الحوثيين للوصول إلى بعض الأطراف الأوروبية بهدف استمالتهم إلى صفهم. 

 وقد أبدت الحكومة اليمنية حماساً لافتاً لحضور "جنيف 2"، بإعلانها المبكر عن ممثليها لها في الحوار، ومطالبتها للحوثيين بتشكيل وفدهم، وموافقتها على مواعد 27 نوفمبر (الماضي) موعداً للحوار، وربما أن في ذلك مؤشرات على استعداداتها للحوار بشيء ما، والأكثر لفتاً للنظر هو سماحها للحوثيين بالتقدم في أكثر من منطقة، وكأنها بذلك تلعب على وتر تشجيع الحوثي للقبول بالحوار واتخاذ خطوات عملية بذلك، تبعاً لكونه يعتقد أن تقدمه في هذه المناطق من شأنه أن يعزز موقفه في الحوار ويرجح كسبه لجولاته، فيكون تقدمه الميداني بمثابة حبل يجرجره إلى حوار جنيف الذي ينطلق أثناءه القرار السياسي من دول التحالف لكل من جبهة "تعز - المخا – الحديدة"، وجبهة "مأرب – الجوف – صعدة وحرف سفيان"، وينحصر حوار جنيف حينها في كيفية تسليم واستلام صنعاء.

وهذا يفسر – ربما - تلكؤ صالح والحوثيين رغم أنهم الطرف الذي يبحث عن مخرج سياسي، ورغم ذلك فقد يوفر لهم حوار جنيف أحد أمرين؛ إما أن يعزز موقفهم، خاصة وأن هناك أطرافاً دولية كبرى – شرقية وغربية - تساندهم من طرف خفي، ويحققوا بالتالي مكاسب سياسية تقل أو تكثر، وإما أن يوفر لصالح وبعض قيادات الحوثيين ضمانة لحياتهم الشخصية وخروجاً آمناً من البلاد مقابل تسليم صنعاء، فتبدو صنعاء - إذا صح هذا - كناقلة ركاب كبيرة مختطفة من قبل مجموعة إرهابيين يساومون بحياة جميع الركاب مقابل حياتهم، وهو ما يحملهم على الاستمرار في القتال حتى آخر لحظة، وكأن هذا أحد أسباب مبالغتهم في الاستعداد لمعركة صنعاء، أي حتى يرسخوا لدى الأطراف الخارجية ودول التحالف أن الحسم العسكري في صنعاء باهظ الكلفة، وهي القناعة التي سبق للولايات المتحدة والأمم المتحدة أن عبرتا عنها بصراحة.

مؤشرات المعركة القادمة

رغم توقف المقاومة والجيش الوطني وقوات التحالف عن التقدم صوب صنعاء، والاقتصار على صد التقدم الحوثي هنا وهناك أو تطهير بعض البؤر المتبقية في المحافظات المحررة، فإن الاستعدادات مستمرة لمعركة كبرى قادمة.

في هذا السياق، وصلت إلى مأرب (18 نوفمبر) أربع كتائب من اليمنيين الذين تلقوا تدريبات في المملكة السعودية، مدججين بقوة من السلاح الشخصي والتجهيزات الفردية لم يسبق مشاهدتها في الدفعات السابقة، ومعززين بعشرات الدبابات والآليات العسكرية وكاسحات الألغام الحديثة.

وفي 17 نوفمبر الماضي، وصل الرئيس عبدربه منصور هادي إلى عدن قادماً من الرياض، وعلى تعدد الرسائل الإيجابية لهذه العودة من قبيل إثبات سيطرة الدولة على عدن بعكس ما يروجه الإعلام الحوثي والموالي له من مبالغات بشأن سيطرة التنظيمات الإرهابية.. على هذا وغيره، فإن ما يمكن الوقوف عليه هو تلك التصريحات التي أدلى بها مسؤول بالرئاسة لوكالة "رويترز" متحدثاً عن اعتزامه الإشراف على حملة تحرير تعز.

وفي 21 نوفمبر الماضي، وصل نائبه رئيس الوزراء د. "خالد بحاح إلى مأرب قادماً من الرياض مروراً بالإمارات.

وفيما ذهب البعض إلى تفسير افتراقهما بأنه ناشئ من الخلاف الشائع بينهما، إلا أن الخلاف لا يبدو تفسيراً مقنعاً، خاصة وأنهما كانا مقيمين سوياً في الرياض، والأقرب أن الأمر يشير إلى صحة تلك التصريحات، وإذا صحت فإن د. خالد بحاح سيتولى الإشراف المباشر على جبهة المحور الشرقي "مأرب، الجوف، حرف سفيان وصعدة"؛ أي مقابل إشراف الرئيس على جبهة المحور الغربي الممتد من تعز في الوسط مروراً بالمخا (تتبع تعز أيضاً من جهة باب المندب) والمنتهية بالحديدة وميناء ميدي على ساحل البحر الأحمر غرباً.

وأطلقت الحكومة "إذاعة صنعاء" من مدينة عدن وبتردد بديل للسابق الذي كانت تعتمد عليه الإذاعة عند سقوطها في يد الحوثيين، وأكدت الحكومة أن المحطة الإذاعية تغطي جميع محافظات الجمهورية، وهو ما يمكن اعتباره إشارة إلى أن هذه الإذاعة ستكون موجهة بدرجة أساسية إلى المحافظات الشمالية التي يسيطر عليها الحوثيون أثناء المعركة.

وقامت قبائل "بني ضبيان" في محافظة صنعاء باعتراض قوات صالح والحوثيين وخاضت معهم اشتباكات عنيفة لمنع مرور تعزيزاتهم العسكرية نحو مأرب، وهي المرة الأولى التي تتجرأ فيها قبيلة في هذه المنطقة بمواجهة الحوثيين من غير القبائل المعروفة بموقفها المبكر ضد انقلاب صالح والحوثيين.

ويتزامن ذلك مع تركيز مستمر من طيران التحالف على قصف مواقع تابعة لصالح والحوثيين في صنعاء والمحافظات الشمالية المجاورة.

وأكدت أنباء صحفية رفض دولة الإمارات مغادرة العميد أحمد علي عبدالله صالح أراضيها إلى جيبوتي، ليطرح السؤال هنا: لماذا رفضت الإمارات السماح لأحمد علي بمغادرة أراضيها إلى جيبوتي؟ ولماذا أراد هو المغادرة أصلاً؟ والجزئية المهمة في الخبر تتعلق برغبة أحمد علي بمغادرة الإمارات في هذا التوقيت بالذات، أي قبيل المعركة الكبرى التي تشير إليها المعطيات السابقة، وأن أحمد علي قد قرر مع والده وحليفهما الحوثي خوض الحرب ضد الإمارات والتحالف إلى النهاية التي أصبحت على الأبواب، ويخشى أن تأتي النهاية بالحسم العسكري وهو بالإمارات، وربما أنه تأكد الآن أن الإمارات ودول التحالف قد قرروا المضي حتى النهاية على عكس ما كانت تصور له بعض الأطراف الداعمة، ويخشى أن تأتي هذه النهاية وهو على أراضيهم.

تتضافر هذه المعطيات لترجح أن انطلاق القرار السياسي بانطلاق العملية العسكرية الكبرى في المحورين المشار إليهما سابقا سيأتي مرتبطاً بانطلاق العملية السياسية المقررة في جنيف، مع الإشارة إلى أن المكان لم يحسم بعدُ بشكل نهائي.

 

الرابط المختصر :