; فيما البلد مهدد بالتشظي ورئيسه محاصر في منزله.. اليمن.. انتكاس التسوية السياسية يؤخر انتصار الثورة | مجلة المجتمع

العنوان فيما البلد مهدد بالتشظي ورئيسه محاصر في منزله.. اليمن.. انتكاس التسوية السياسية يؤخر انتصار الثورة

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2011

نشر في الصفحة 32

السبت 14-يوليو-2012

  • الرئيس «عبد الله هادي» لا يستطيع حتى اليوم إدارة أعماله من دار الرئاسة ومنزله مازال يتعرض للرصاص بشكل شبه يومي. 
  • الأمانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني : بقايا النظام بدأت تجميع فلولها استعدادا للانقضاض على عملية التغيير. 
  • عبد الملك المخلافي: من يمثلون النظام البديل ( المشترك ) مازالوا يعيشون بنفس إدارة النظام القديم.

على الرغم من أن ثمة رئيسًا جديدًا « منتخبًا» لليمن، وحكومة جديدة جاءا نتيجة ثورة شعبية أطاحت بالرئيس السابق علي «عبد الله صالح»، فإن هذا الأخير لا يزال يلقي بظلاله الكئيبة على المشهد اليمني برمته.. فهو يأبى اعتزال العمل السياسي كرئيس لحزب المؤتمر الشريك في حكومة الوفاق الوطني، والممسك فعليا بزمام السلطة، كما أنه يقاوم بشراسة أي تدابير من شأنها إزاحة أفراد عائلته من المؤسسة الأمنية والعسكرية في الوقت الذي لا يزال يفرض سطوته على مؤسسات الدولة عبر شبكة محسوبيته من أعضاء حزبه والموالين له.

وإذا كانت عائلة الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك» تتوسل للرئيس الجديد «محمد مرسي» السماح لها بمغادرة الأراضي المصرية مقابل التنازل عن كل ممتلكاتها، فإن عائلة «صالح» تُبدي ممانعة كبيرة ليس حيال مغادرتها البلد، وإنما حيال مطالب الشعب والمجتمع الدولي بترك مناصبها فقط لقاء ما حصلت عليه من حصانة وامتيازات!! للأسف الشديد، فإن «المبادرة الخليجية» والتسوية السياسية في اليمن، والتي لم تأت إلا استجابة لثورة الشباب المطالبين بالتغيير بحسب المبعوث الدولي لليمن جمال بن عمر - لم تؤد إلى نقل السلطة على النحو المؤمل، ولم تعمل على استعادة استقرار البلد .

انتكاسة التسوية

أحزاب المعارضة المنخرطة في تسوية سياسية برعاية خارجية، اكتشفت مؤخرًاً أن التسوية التي فرضتها «المبادرة الخليجية» وآليتها التنفيذية لم تعمل حتى الآن على نقل السلطة كما يجب، لذا شرعت في الشكوى والتذمر، وإطلاق تحذيراتها من أن الوضع ينذر بالخطر الداهم ويهدد بتقويض العملية السياسة ذاتها، وبحرف الثورة بعيداً عن أهدافها .. السياسيون الذين كانوا يتهامسون سراً حول حقيقة الوضع المزري الذي آلت إليه تسويتهم السياسية، لم يجدوا بداً، في نهاية المطاف من الإفصاح عن حقيقة الوضع المتفاقم، ومكاشفة بعضهم بما باتوا يرونه من انتكاسة للمبادرة، وانحدارها صوب طريق مسدود . 

بيد أن الرئيس «هادي» كان الأكثر صراحة في جلاء الحقيقة، حينما قال: إن ما تم إنجازه وتحقيقه إلى الآن لا يتسق وتطلعات الشعب اليمني نحو تحسين أوضاعه في شتى المجالات، وأن الوضع ما زال صعباً ومعقداً، وأن الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية كفيلة بالتأثير السلبي الكبير، بل ربما الانهيار والوقوع في مزالق الحرب الأهلية. 

وبلغت صراحة الرئيس حد التأكيد الشركاء التسوية السياسية أنه لا يستطيع حتى اليوم إدارة أعماله من دار الرئاسة، وأن منزله مازال يتعرض للرصاص بشكل شبه يومي !! والواقع أن شركاء التسوية السياسية من أحزاب المشترك» باتوا يشعرون بالغين وخيبة الأمل، نتيجة ما تحصلوا عليه من ثمن بخس كافأتهم به التسوية، ثمن لا يلبيالحد الأدنى من تطلعات الثوار الذين قبلوا على مضض تهدئة الساحات وعدم التصعيد استجابة لشروط تلك التسوية التي فرضتها عليهم المعارضة.

التفاف على الأهداف

ويبدو أن قناعة هذه الأخيرة تعززت بأن المبادرة جرى الالتفاف عليها، وأن ما تحقق منها لم يكن ليستحق أن يجمد لأجله المسار الثوري، إذ أكدت تنفيذية المجلس الوطني لقوى الثورة ضرورة المضي قدمًا باتجاه إنفاذ إجراءات المرحلة الانتقالية كما وردت في مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية وقرارات مجلس الأمن (٢٠١٤) و (٢٠٥١) الهادفة إلى تحقيق التغيير المنشود بالتجسيد العملي لأهداف الثورة الشبابية الشعبية، وأهم تلك الإجراءات تسليم السلطة، وحذرت في بيان صادر عنها من مغبة الالتفاف على أهداف التغيير من بقايا أركان النظام السابق التي قالت: إنها مازالت تستقوي بامتلاكها للمقومات المالية والإعلامية المغتصبة والمنهوبة من أموال وممتلكات الشعب، واستمرار إدارة بعض أفراد عائلتها لتشكيلات عسكرية وأمنية تهدد بها الإنجازات النسبية التي تحققت خلال هذه المرحلة. 

فيما دعت الأمانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني كافة القوى الشريكة في العملية السياسية إلى رفع يقظتها في مواجهة الأخطار التي لاتزال تتربص بالبلد جراء تمسك بقايا النظام العائلي بأحلام العودة إلى الاستئثار بكامل السلطة.. وقالت في بيان لها : إن بقايا النظام بدأت تجميع فلولها استعدادا للانقضاض على عملية التغيير، وإدخال البلد في دوامة العنف والفوضى.

من جهته عبر د. ياسين سعيد نعمان عن قلق الحزب الاشتراكي اليمني من أخطار تهدد سير واستمرارية عملية التسوية السياسية في اليمن، محذرًا من أن تقود هذه الأخطار العملية إلى أفق مسدود، ونبه نعمان من خطورة المرحلة الراهنة التي يمر بها اليمن، داعيا الأمم المتحدة إلى بذل المزيد من الجهود التي تساعد البلاد على الخروج من مآزقها المتعددة، وتضع حداً لمعاناة اليمنيين الكبيرة في سبيل تحقيق تطلعاتهم إلى دولة مدنية قائمة على أسس الحرية والعدالة والمساواة.

إلى ذلك، اتهمت اللجنة التنظيمية للثورة الشبابية بعض أعضاء اللجنة الرئاسية المكلفة بالتواصل مع الشباب بالسعي إلى تفكيك الفعل الثوري، بالتنسيق مع مفوضية الاتحاد الأوروبي، من أجل إعادة إنتاج الواقع بمراكزه وآلياته في صورة مشوهة لا علاقة لها بالتغيير المنشود للشعب اليمني المتطلع للحرية والكرامة. من جهته، قال القيادي الناصري عبدالملك المخلافي، الأمين العام الحالي للمؤتمر القومي الإسلامي، في توصيفه للحالة اليمنية الراهنة المسألة ليست فقط أن النظام القديم يريد البقاء ويسعى لذلك، ولكن المشكلة أن من يمثلون النظام البديل يقصد «المشترك» مازالوا يعيشون بنفس إدارة النظام القديم، وبالتالي كل ما يفعلونه يصب في مصلحة النظام السابق.

تداعيات التسوية

من المعلوم أن التسوية السياسية سارت بالأساس وفق أجندة رعاة المبادرة في الخارج، وهذه الأطراف عملت وفق مصالحها الخاصة، وسعت جاهدة للإمساك بخيوط اللعبة، لتخرج الثورة الشعبية بأقل المكاسب وقد نجحت بالفعل عبر التسوية السياسية في تحويل الثورة الشعبية إلى أزمة سياسية عملت بدورها على تحييد الثوار وتهميش دورهم، وجعلت من فعلهم الثوري تاليا عديم القيمة، في الوقت الذي تحايلت على مسألة التنحي ونقل السلطة.. أضف إلى ذلك، فالتسوية السياسية رهنت القرار الوطني للخارج، واحتفظت بـ«صالح» وعائلته كورقة «خارجية» لمناورة قوى الثورة وابتزازها فيما بعد، والأدهى منه، أن التسوية السياسية، التي فرضتها الأطراف الخارجية عنوة، احتفظت بالنظام القديم كشريك جديد في السلطة بحيث بات على الثوار تقبل الشراكة مع من خرجوا يطالبون برحيلهم ومحاكمتهم !

وإذا كانت ثورتا مصر وتونس قد نجحتا في حل كل من الحزبين الحاكمين «الوطني» و«الدستوري» كاستحقاق أصيل للثورتين وقدمتا بعض رموز الدولتين للمحاكمة ک «مبارك» و«بن علي»، فإن حكومة الثورة في اليمن دخلت في شراكة سياسية مع حزب المؤتمر، وتكفلت بنفقات علاج «صالح» في الخارج دون أن تطالبه بقرش واحد من أموال الشعب المنهوبة طيلة ٣٣ عامًا! وما يتعين قوله: إن شباب الثورة حين خرجوا إلى الشارع كان لهم أجندتهم وأهدافهم الواضحة، التي كانت في البداية هي ذاتها أجندة المعارضة، لكن عندما قبلت هذه الأخيرة للأجندة الخارجية أن تسبق أجندتها أجندة الثورة، وتغدو أولوية على أولويات الثوار، كانت النتيجة خروج الوضع من تحت سيطرتها ، وحدوث انتكاسة للتسوية ذاتها، بل وتحولها إلى خطر يتهدد الثورة. 

فمن جهة أخفقت التسوية في نقل السلطة وإزاحة عائلة «صالح» وإنهاء دورها السياسي والعسكري، ومن جهة ثانية فالقضايا الأخرى العالقة، كملف «صعدة» والجنوب وهيكلة الجيش التي حملتها معها لمعالجتها في الفترة الانتقالية، غدت وكأنها ألغام مزروعة في طريق الثورة للحيلولة دون تقدمها وبلوغ غاياتها .

كما برزت مؤخرا مشكلة خطيرة أخرى كأحد تداعيات حرب الإرهاب في الجنوب وهي مشكلة اللجان الشعبية التي آزرت الجيش في دحر عناصر «القاعدة»، وتريد اليوم أن تحل محلها في المناطق المحررة وإلى الآن الدولة لا تزال مختطفة، والقرار السياسي مرتهن للخارج، فيما بقايا العائلة تلقي بظلالها على المشهد، في حين «صعدة» والجنوب يتجهان بشكل جدي للخروج من تحت سيطرة الدولة المركزية، أما التسوية فيبدو أنها سوّت وضع «صالح» وعائلته فقط وتركت الثورة المصيرها المجهول ..

الرابط المختصر :