; اليمن بين الخيار العسكري أو الخضوع لمطالب الاشتراكيين | مجلة المجتمع

العنوان اليمن بين الخيار العسكري أو الخضوع لمطالب الاشتراكيين

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 86

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 08-مارس-1994

الذين شاركوا في مراسم التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق اليمنية في العاصمة الأردنية عمان تيقنوا أن انفراج الوضع السياسي المتأزم في اليمن لا يزال بعيداً! وإن مجرد التوقيع لن يغير من الأمر شيئاً.

وقبل يوم التوقيع، كانت الأخبار الواردة من اليمن تشير إلى بدء مرحلة جديدة من التوتر، حيث أشارت الأخبار إلى عودة التحركات العسكرية المسلحة من مناطق إلى أخرى. والحقيقة أن الأوضاع في اليمن زادت تأزماً قبل أيام معدودات من الذهاب إلى الأردن، وتمثل ذلك فيما يلي:

أولاً: فرض حصار على قوات الأمن المركزي الموالية للسلطة المركزية في صنعاء، بحجة اكتشاف مؤامرة مزعومة لإسقاط طائرة لنائب الرئيس علي سالم البيض.

ثانياً: تعيين محافظ جديد لمحافظة (أبين) دون موافقة الرئيس، وهو ما أوحى بأن الاشتراكيين ماضون في ترتيب أوضاعهم الإدارية في المحافظات الجنوبية والشرقية، بما يكرس صيغة استقلالية واقعية.

فشل لقاء عمان! برغم الهالة الإعلامية التي صاحبت مراسم التوقيع على الوثيقة اليمنية، إلا أن فشل الزعامات السياسية الرئيسية في الخروج من عمان بطريقة موحدة الرؤى للمرحلة الجديدة، هذا الفشل زاد من حالة الإحباط النفسي عند اليمنيين، وأسهم في تعاظم التداعيات العسكرية!

وليس سراً أن الرئيس علي صالح وممثل التيار الإسلامي أصروا بقوة على ضرورة عودة القياديين الاشتراكيين إلى العاصمة لمباشرة أعمالهم! فيما أبدى الاشتراكيون عدم تحمسهم للعودة ولو بطريقة رمزية، كأن يعودوا إلى مدينة غير صنعاء.

وفيما عاد اليمنيون، كل إلى «الشطر» الذي كان يحكمه «سابقاً» طغت أخبار التداعيات العسكرية المتوالية على فرحة المواطنين بالتوقيع على الوثيقة، وعادت أجواء الأزمة ومظاهرها العسكرية والإعلامية بصورة أقوى، كما واصلت أسعار العملات الأجنبية ارتفاعها بعد انخفاض حاد عشية السفر إلى عمان.

وبرغم تضارب روايات طرفي الصراع في اليمن حول حقيقة ما حدث في «أبين»، إلا أن روايات القادمين من منطقة الصراع تشير إلى أن المصادمات المسلحة بدأت عندما رفض المواطنون في منطقة «مودية» دخول طلائع قوات لواء تابع للحزب الاشتراكي إلى منطقتهم خوفاً من الأضرار التي قد تصيب المنطقة في حالة اندلاع حرب أهلية.. بالإضافة إلى ذلك فإن مواطني المحافظة ما زالوا يحملون ذكريات مأساوية عن هذا اللواء أثناء المعارك الأهلية في يناير 1986م.

وعندما نجح المواطنون في إيقاف تقدم القوات القادمة إلى منطقتهم ومحاصرتها، أرسل القادة في «عدن» قوات عسكرية من اللواء الخامس لدعم رفاقهم المحاصرين.. لكن قوات الدعم هذه كان لا بد لها أن تمر في مناطق يسيطر عليها لواء «العمالقة» الموالي لصنعاء.. حيث سارعت قوات العمالقة بالانتشار في مناطق هامة، وتمكنت من الاستحواذ على الموقف، وأسر قوات الدعم القادمة من عدن.

ويبدو أن لواء «العمالقة» قد استشعر خطورة التحركات العسكرية لقوات الاشتراكيين وأنه هو المستهدف الأول، ولا سيما بعد استمرار حصار قوات الأمن المركزي في عدن (3 أسابيع حتى الآن).

وعلى الصعيد نفسه، حدثت تحركات مماثلة في أكثر من منطقة أخرى، كما استمرت عمليات الحشد العسكري إلى المناطق الحدودية الشطرية السابقة.. وتم رفع درجة الاستعداد في القوات المسلحة التابعة للطرفين.

الوضع لا يزال متوتراً، برغم الوساطة الأردنية السريعة التي قام بها «خالد الكركي» مستشار الملك حسين، وبرغم زيارة السفير الأمريكي للمسؤولين في «عدن»، وإن كانت جولات السفير الأمريكي قد أثمرت تشكيل لجنة عسكرية تضم في عضويتها كلاً من الملحق العسكري الأمريكي والملحق العسكري الفرنسي، حيث تم تفويض اللجنة من قبل الرئيس علي صالح ونائبه علي البيض، بإنهاء المواجهات المسلحة وإعادة الأوضاع العسكرية إلى طبيعتها في أغسطس الماضي.

ويبدو أن الأمريكيين قد استخدموا نفوذهم القوي لدى الطرفين لإقناع الجميع بوقف أي تصعيد عسكري.. كما يبدو أن الرئيس علي صالح قد اشترط عودة القوات لمواقعها عشية بدء الأزمة السياسية.. وهو ما يعد مكسباً له بدون شك.

وعلى أي حال، فإنه يمكن القول إن الأزمة السياسية في اليمن لا تزال تراوح مكانها، إن لم تكن قد دخلت طوراً أكثر التهاباً.. لأن أي تأخير في تنفيذ وثيقة الإصلاحات الجديدة يعني استمرار التدهور الاقتصادي والأمني في البلاد، وتكريس انفصال غير معلن يهدد النظام في صنعاء بالسقوط!

الرئيس علي صالح الآن أمام مفترق طرق.. فإما الاستسلام لحالة «اللاوحدة واللانفصال» التي يعيشها اليمن، بما يعنيه ذلك من انهيار بطيء للبلاد، وإما أن يبادر للضغط على الاشتراكيين لإجبارهم على العودة للعاصمة واستئناف النشاط العام للدولة.

أما الاشتراكيون فيبدو أنهم قد قرروا البقاء في عاصمتهم القديمة، بحيث يتحمل خصومهم في صنعاء مسؤولية التدهور العام في البلد، في ضوء عجزهم عن القيام بعمل ما، حيث يبدو الخيار العسكري هو الوحيد المتاح حالياً أو الخضوع لمطالب الاشتراكيين.

 

الرابط المختصر :