; اليمن: إلغاء المعاهد العلمية.. ذروة الأزمة بين المؤتمر والإصلاح | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: إلغاء المعاهد العلمية.. ذروة الأزمة بين المؤتمر والإصلاح

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 47

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 36

السبت 19-مايو-2001

*لم يجد الحزب الحاكم مبررًا لتفسير هبوط شعبيته في الانتخابات الأخيرة سوى اتهام الإصلاح باستغلال المعاهد.

أكثر من شهرين مرا على إجراء الانتخابات المحلية في اليمن (۲۰) فبراير ۲۰۰۱م، ومع ذلك، فلا تزال أحداث تلك الانتخابات تولد أزمة تلو أزمة في مرحلة عصيبة من مراحل العلاقة بين الحزبين الكبيرين، وقد بدأت تلك المرحلة بخلافات شديدة، ومواجهات مسلحة خلال العملية الانتخابية، وانتهت بأزمة حادة بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم، وحليفه السابق حزب «التجمع اليمني للإصلاح»، وذلك إثر إعلان الحكومة الجديدة عزمها إلغاء أكثر من (٤٠٠) من المعاهد العلمية «الدينية» تحت شعار تطبيق قانون التعليم العام وإلغاء الازدواجية في نظام التعليم. ومنذ ذلك الإعلان بدأت سحب أزمة حادة تفرض نفسها على العلاقة بين الحزبين الكبيرين في اليمن، وتلقي بظلال التوتر في الوسطين السياسي والإعلامي، فيما تشهد صحافة الطرفين حملات متبادلة، ويتبادل رموز الحزبين الإدلاء بتصريحات هجومية أعادت أجواء الأزمات السياسية التي ظل اليمن يواجهها منذ قيام الوحدة عام ١٩٩٠م. 

من التحالف إلى المواجهة

 ظل الإسلاميون في اليمن طوال تاريخهم حريصين على تجنب الوقوع في مصيدة الصدام مع السلطة الحاكمة، حيث كان خصوم الحركة الإسلامية يتبنون دوريًّا افتعال أسباب الخصومة وتخويف «السلطة» من تنامي قوة الإسلاميين وانتشار نفوذهم، لكن السلطة كانت لديها في الحقيقة أولويات في مواجهة الأخطار التي تتهددها، ولم يكن الإسلاميون من بينها على الإطلاق لما عرف عنهم من الابتعاد عن العنف وعدم التورط في الانقلابات العسكرية أو أعمال التخريب والإضرار المادي بالدولة، وكان لاشتداد المد الشيوعي في السبعينيات دور في توفير نقاط الالتقاء بين الإسلاميين والسلطة الحاكمة لمواجهة هذا المد المسلح، ووصل التنسيق ذروته عندما قاد الإسلاميون نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات حركة شعبية ضد الفصائل الشيوعية المقاتلة التي عجزت الدولة عن مواجهتها، بل واضطرت إلى التفاوض معها والاتفاق المبدئي معها على المشاركة في الحكم، لكن الإسلاميين اعترضوا حينها على ذلك. وطالبوا الدولة بمدهم بالسلاح لمواجهة التمرد الشيوعي، وهو ما حدث بالفعل وأدى إلى هزيمة الشيوعيين وإلقائهم للسلاح، ووفر للدولة فرصة بسط نفوذها في مناطق شاسعة كانت محرمة على القوات الحكومية لسنوات طويلة، وانعكس كل ذلك على تنامي شعبية الحركة الإسلامية باطراد، وتحسن علاقتها مع السلطة في عهد الرئيس علي عبد الله صالح. وعلى الرغم من مظاهر تحسن العلاقات بين الإسلاميين والسلطة، إلا أن وجود الإسلاميين في أجهزة السلطة ظل محدودًا إلى حد كبير واعتبر الإسلاميون -حينها- أن أهم مكاسبهم عملية دحر التمرد الشيوعي هو إعلان الدولة تمسكها بالإسلام كعقيدة وشريعة، وضمان حرية نسبية في نشاطاتهم الإسلامية ثم ازدهار «المعاهد العلمية» التي أنشأها عدد من العلماء بداية السبعينيات وتطورت حتى صارت مؤسسة منتشرة في جميع مناطق اليمن الشمالي «سابقًا»، وتهتم بتقديم نوع من التعليم المكثف في العلوم الشرعية واللغوية بالإضافة إلى منهج التعليم العام المعروف. لكن خصوم هذه المعاهد ظلوا يثيرون العواصف ضدها بين فترة وأخرى بتهمة تحويلها إلى مراكز قوة للحركة الإسلامية مطالبين بإغلاقها تحت مبرر توحيد التعليم. وبرز في جبهة خصوم المعاهد عدد من كبار المسؤولين مثل د. عبد الكريم الإرياني -رئيس الوزراء السابق- ورموز الأحزاب البعثية والماركسية والناصرية، وعدد من فقهاء المذهب الزيدي الذين رأوا في مناهج المعاهد -التي تعتمد على مؤلفات أئمة السنة كالشوكاني وابن الأمير الصنعاني وأمثالهم- خطرًا يهدد نفوذهم التقليدي، وخاصة بعد أن نجحت «المعاهد» في تغيير البيئة المذهبية المتعصبة في مناطق كثيرة من اليمن. وغني عن القول أن الحركة الإسلامية نجحت في المحافظة على استمرارية رسالة «المعاهد» قوية وفشلت كل محاولات الجبهة العلمانية - اليسارية في استعداء السلطة عليها، ولا سيما أن فترة الثمانينيات لها حساباتها الخاصة بفعل وجود النظام الشيوعي في «عدن». ثم تغيرت الأحوال بعد قيام دولة الوحدة والتي صار «الشيوعيون» فيها حلفاء للرئيس علي عبد الله صالح في حكم البلاد، وتبنوا حينها طرح موضوع إلغاء المعاهد العلمية وقادوا جبهة عريضة من الأحزاب اليسارية والقومية والشيعية فرضت قانونًا للتعليم تم إعداده من قبلها، واستبعاد مشروع القانون المتفق عليه مع حزب المؤتمر الشعبي لأنه لا يتعرض لقضية الإلغاء. وثارت حينها أزمة كبرى حول القانون بين الحزب الاشتراكي وحلفائه من جانب وبين الإسلاميين من جانب آخر، ووقف حزب المؤتمر الشعبي صامتًا حينها مراعاة لالتزاماته مع شريكة الحزب الاشتراكي، ومراعاة كذلك للإسلاميين الذين كانوا يعلمون أنه سيحتاج إليهم عاجلًا أو آجلًا. وتمكن الاشتراكيون من فرض القانون وإقراره، لكن الإسلاميين رفضوا القانون ولجأوا إلى المحكمة الدستورية التي جمدت الموضوع بإيحاء من حزب المؤتمر الشعبي العام. ودخل اليمن بعد ذلك في أزمات أمنية واقتصادية وسياسية متلاحقة، ونجح الإسلاميون في انتخابات ۱۹۹۳م في إثبات وجودهم السياسي القوي بعد حصولهم على المركز الثاني، متخطين الحزب الاشتراكي الحاكم نفسه، وتناسى الجميع قانون التعليم والمعاهد العلمية بعد تشكيل ائتلاف حكومي بين الإسلاميين والمؤتمريين والاشتراكيين، ثم اندلعت الأزمة السياسية الشهيرة والحرب الأهلية التي انتهت بهزيمة الحزب الاشتراكي وفقدانه مصادر قوته العسكرية والسلطوية. وقد شكلت الحرب الأهلية (١٩٩٤م) واقعًا جديدًا ازداد فيه نفوذ الإسلاميين الذين صاروا شريكًا في الائتلاف الحاكم، بل ونجحوا في زيادة تعداد المعاهد العلمية ومدها إلى المحافظات الجنوبية والشرقية بعد زوال سيطرة الحزب الاشتراكي، لكن ظهور خلافات أساسية بين الإسلاميين وحزب الرئيس علي صالح كان يدفع الطرف الثاني إلى التلويح بورقة «المعاهد العلمية» كورقة ضغط كلما احتدم الخلاف بين شريكي الائتلاف، وتركزت أسباب الخلافات بين «الإصلاح» و «المؤتمر» حول القضايا التالية:

أ - البرنامج الاقتصادي للإصلاحات الذي كان الإسلاميون يعترضون على اقتصاره على رفع الأسعار وزيادة الضرائب وإلغاء الدعم دون القيام بإصلاحات إدارية حقيقية ومكافحة الفساد المالي والإداري المستشري.

ب - إصرار حزب المؤتمر الشعبي على الاستحواذ على الأغلبية البرلمانية الكاسحة في الانتخابات التالية وتسخير أجهزة الدولة المدنية والعسكرية لتحقيق ذلك، مما فجر خلافات حادة مع «الإصلاح» الذي أيقن أنه هو المستهدف من ذلك، وذلك ما جعله يلجأ للتنسيق مع أحزاب المعارضة بقيادة الحزب الاشتراكي لمواجهة عمليات التزوير الواسعة في مرحلة الإعداد للانتخابات، وهو الأمر الذي أحنق حزب المؤتمر بقوة.

ج - ظهور خلافات بين الإسلاميين وحزب المؤتمر الشعبي حول الموقف من عملية التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني ومشروعات التطبيع الاقتصادي كما تمثل في قبول حزب المؤتمر المشاركة في المؤتمرات الاقتصادية مع الكيان الصهيوني.

تلك كانت أهم أسباب الخلاف بين الإسلاميين وحزب الرئيس علي صالح، وفي كل مرة كان حزب المؤتمر الشعبي يلجأ إلى إثارة موضوع إلغاء المعاهد العلمية تحت مبرر «توحيد التعليم».

واتخذ حزب الرئيس علي صالح منذ عام ١٩٩٦م خطوات في الضغط على شريكه في الائتلاف الحاكم في موضوع «المعاهد»، بدأت بدمج موازنتها نظريًّا مع موازنة وزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى تجميد الأوضاع الإدارية للمعاهد وعدم تعيين مسؤولين عنها، ومضايقة العاملين فيها ماليًّا وإداريًّا، حتى كانت الخطوة الخطيرة التي اتخذها الحزب الحاكم بالإعلان عن عزمه صراحة بإلغاء «المعاهد العلمية»

ودمجها نهائيًّا في التعليم العام. 

ومنذ إعلان تشكيل حكومة أ. عبد القادر باجمال الجديدة التي خلفت حكومة د. الإرياني، أعلن الرئيس علي عبد الله صالح في أول لقاء له معها ضرورة إلغاء المعاهد العلمية وتوحيد التعليم؛ بحجة إنهاء الازدواجية في اليمن وتجنيب البلاد شرور الفرقة والانقسام. وضمنت الحكومة تلك المطالب في برنامجها الذي قدمته إلى البرلمان اليمني لنيل الثقة. وبدأ الإعلام الرسمي اليمني -الخاضع لسيطرة حزب المؤتمر الشعبي والإعلام الحزبي التابع له- في شن حملة صحفية مركزه للترويج لشعار توحيد التعليم وإنهاء الازدواجية، وأضافوا إليها تطهير «المعاهد العلمية» من الفساد المالي والإداري. وفي المقابل فإن الإسلاميين يردون على هذه الاتهامات بنفي وجود ازدواجية في المناهج التعليمية لأنها اعتمدت على نفس الأسس والمنطلقات والأهداف العامة للتعليم، كما أن وجود تعليم تخصصي يهتم بالمواد الدينية والعربية هو نمط شائع ومعروف في البلاد الإسلامية. ويؤكدون في المقابل على أن إصرار الحزب الحاكم على إلغاء المعاهد العلمية يعود لدوافع سياسية وحزبية أملتها نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة التي واجه فيها الحزب الحاكم بكل آلته الضخمة مواقف صعبة جدًّا، وفشل في تحقيق النتائج التي خطط لها، بينما برز الإسلاميون كطرف سياسي قوي يمتلك شعبية حقيقية، واستطاعوا تحقيق نتائج مفاجئة في مناطق كان الحزب الحاكم يعتبرها مقصورة عليه، مما يعني أن الأغلبية المريحة التي يتمتع بها الحزب في البرلمان صارت معرضة للخطر في الانتخابات النيابية القادمة. ولم يجد الحزب الحاكم مبررًا لتفسير ما حدث وتبرير هبوط شعبيته إلا اتهام «الإصلاح» باستغلال المعاهد العلمية لمصلحته الحزبية متجاهلًا -أي الحزب الحاكم- حالة الاستياء الشعبي التي تعم المواطنين جراء ارتفاع الأسعار والاختلالات الأمنية وزيادة نسبة الفقر والبطالة والركود الاقتصادي الذي أضر بقطاعات واسعة من المواطنين.

شرخ سياسي

ولا شك أن إصرار حزب المؤتمر الشعبي الحاكم على المضي في خططه إلغاء «المعاهد العلمية» سوف يحدث شروخًا خطيرة في علاقة الإسلاميين بالرئيس علي صالح نفسه، ويتوقع مراقبون محليون أن ذلك يعني اشتداد حدة المنافسة بين الحزبين الكبيرين، كما أنه سوف يدفع «الإصلاح» إلى تغيير عدد من ركائز سياساته التحالفية وعلاقاته مع الأحزاب الأخرى. وكل ذلك يعني أن جبهة المعارضة التي كانت تتسم بالضعف سوف تشهد انضمام قوة سياسية متعاظمة قادرة على قيادة الشارع اليمني وممارسة نوع من المعارضة الفعالة المؤثرة. ويبدو أن الحياة السياسية في اليمن تشهد بدء مرحلة جديدة نوعيًّا من العلاقات بين أطرافها الفاعلين، وترجح صحف يمنية معارضة أن الثمن السياسي المطلوب من الإسلاميين لإيقاف إلغاء المعاهد العلمية سيكون باهظًا يفرض عليهم السكوت عما يعتبرونه اختلالات وعدم تصعيد معارضتهم وتخفيض سقفها، لكن تحليلات أخرى ترى أن حزب المؤتمر سوف ينفذ خطة تحجيم الإسلاميين وتجفيف منابع قوتهم الشعبية خوفًا من حدوث مفاجآت مستقبلية. وعلى الجانب الآخر، فإن الإسلاميين أعلنوا أنهم سوف يعارضون قرار الحكومة حتى النهاية، وأن الدستور والقانون يسمح لهم بالتعبير عن مواقفهم بحرية وبأكثر من وسيلة طالما أنها التزمت الإطار السلمي للتعبير. 

ويدعم الإسلاميين في موقفهم هذا كثيرون من أبناء المناطق القبلية والريفية الذين يتعاطفون مع المعاهد العلمية منذ سنوات طويلة، ولا يقبلون مبررات الحكومة لإلغائها بأي حال من الأحوال.

الرابط المختصر :