; اليمن.. والانحناء لعاصفة الضغوط.. تغيير بعض المناهج الدراسية وإغلاق المدارس الدينية | مجلة المجتمع

العنوان اليمن.. والانحناء لعاصفة الضغوط.. تغيير بعض المناهج الدراسية وإغلاق المدارس الدينية

الكاتب نبيل البكيري

تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1652

نشر في الصفحة 38

السبت 21-مايو-2005

  • بحث أوضاع 4000 مدرسة ومركز ديني وإغلاق نحو 1400 منها

  • توحيد التعليم ودمج المعاهد.. أسخن المعارك التي جرت ضد الإسلاميين منذ عام 1992 بهدف تحجيمهم

 

لا يمكن النظر إلى التهديد الأخير الذي لوحت به الحكومة اليمنية بإغلاق أكثر من ٤٠٠٠ مدرسة ومركز ومؤسسة دينية بمعزل عن التطورات الدولية الراهنة في ظل ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وكذا التطورات الداخلية على الساحة اليمنية ممثلة في التمرد الذي قاده حسين بدر الدين الحوثي والذي انتهى بمصرعه.

ویرى المراقبون أن هذه المواجهات لم تكن إلا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فشرعت الحكومة اليمنية على إثرها في اتخاذ العديد من الإجراءات العملية الرامية إلى إخضاع المؤسسات العلمية الدينية لرقابة وإشراف الحكومة والتي بدورها شكلت لجنة من وزارتي التربية والتعليم والأوقاف والإرشاد وأوكل لهذه اللجنة حصر المدارس والمراكز الدينية التي تعمل خارج إطار القانون.

إغلاق المدارس

وقد تمكنت هذه اللجنة من حصر أكثر من 4000 مدرسة ومركز ديني -وإن كان هذا العدد مبالغًا فيه جدًا- تابعة لمختلف الجماعات الإسلامية في أكثر من عشر محافظات، بحسب تصريح صحفي لوكيل وزارة الأوقاف والإرشاد الشيخ يحيى النجار والذي قال فيه إن لجنة حكومية بحثت أوضاع نحو ٤٠٠٠ مدرسة ومركز ديني، وخلصت إلى أن 65% منها يخالف القانون العام للتعليم الصادر في ۱۹۹۲م، مشيرًا إلى أن السلطات أغلقت نحو ١٤٠٠ مدرسة ومعهد على مدى الشهرين الماضيين وأنها بصدد إغلاق المزيد.

كما يرى المراقبون للشأن اليمني أيضًا أنه لا يمكن فهم مقدمات وتداعيات ونتائج هذا القرار بمعزل عن عاملين اثنين:

أولهما: في ظل التطورات الدولية الراهنة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحت اسم الحرب على الإرهاب ضد كل ما هو إسلامي، كان التعليم الديني في مقدمة تلك المستهدفات الأمريكية خاصة أن التعليم الديني هو المنبع الرئيس للثقافة الإسلامية التي تحث على التضحية والفداء والجهاد «التطرف والعنف والإرهاب - حسب القاموس الأمريكي».

- وثانيهما: استراتيجية التوازنات السياسية التي انتهجها بعض الرؤساء اليمنيين على الخريطة السياسية والدينية لليمن في إطار لعبة التوازنات والتحالفات السياسية.

التوازنات السياسية

مثل تيار الحركة الإسلامية «الإخوان المسلمون» لاعبًا رئيسًا على الساحة السياسية اليمنية منذ فترة مبكرة قبل قيام ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م في الشمال وثورة ١٤ من أكتوبر ١٩٦٣م في الجنوب، خاصة أن هذا التيار كان قد بدأ أول مشروع للتغيير في اليمن من خلال قيامه بثورة ١٩٤٨م التي ولدت في مهدها.

وظل هذا التيار محل اهتمام واستقطاب من قبل الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة في اليمن منذ قيام الثورة وحتى الآن، نظراً لقوته ودقة تنظيمه واعتداله فكريًا.

ولقد شكل تحالف الإسلاميين مع الرئيس اليمني السابق إبراهيم محمد الحمدي (١٩٧٤- ۱۹۷۷م) نقلة نوعية في هذا الاتجاه من خلال سيطرة الإسلاميين على مفاصل مؤسسات التعليم والإرشاد الحكومتين ثم صدور قرار بإنشاء المعاهد العلمية التي سلمت إدارتها للإسلاميين في حينها. وكان هدف الرئيس الحمدي من ذلك التحالف هو ضرب خصومه السياسيين من اليساريين والبعثيين بالتيار الإسلامي واحتواء هذا الأخير من خلال دمجه ضمن مؤسسات الدولة ليظل تحت السيطرة والمراقبة.

وبتولي الرئيس علي عبد الله صالح السلطة في ۱۹۷۸م وقدومه إلى مشهد سياسي معقد لم يجد غير الإسلاميين حليفًا قويًا له فسار على نهج الرئيس الحمدي بل عمد إلى توثيق صلته بهذا التيار إلى درجة التحالف الاستراتيجي خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها الناصريون ضده بعد فترة قليلة من توليه السلطة.

وفي هذه الأثناء ظهر تيار الجبهة الوطنية الذي شن حربًا أهلية على نظام الرئيس صالح في الشمال بدعم من النظام اليساري في الجنوب فأدى ذلك بالرئيس صالح إلى تقوية تحالفه -لمواجهة هذا الخطر الداهم- مع الإسلاميين الذين مثلوا الصلاح الأقوى لحسم هذه المعركة فكريًا وعسكريًا أيضًا، فانتشرت معاهدهم العلمية الممولة حكوميًا في كل ربوع اليمن بموجب قرار جمهوري صدر عام ١٩٨٢م المواجهة تيار الجبهة الوطنية الماركسية التي خسرت المعركة أمام الإسلاميين على كل الأصعدة.

ویرى المحللون هنا أنه بجانب هذا الدور الذي لعبته المعاهد العلمية في مواجهة التيارات اليسارية المختلفة، فقد عملت على توحيد الرؤى والأفكار لجيل كامل من الشباب الذين يؤدون اليوم دورًا بارزًا على الساحة اليمنية إضافة إلى قضائه على فكر الخرافة الذي كان منتشرًا بين الناس وإزالة كل رواسب التعصب المذهبي المقيت الذي عانت اليمن منه كثيرًا طوال عهود الأئمة الذين ظلوا يحكمون شمال اليمن ما يقارب سبعة قرون من الزمن في حكم مقيت.

صياغة الدستور

في ٢٢ من مايو ١٩٩٠م أعلنت الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الشمالي الذي كان يحكمه حزب أوحد هو المؤتمر الشعبي العام، والشطر الجنوبي الذي كان يحكمه الحزب الاشتراكي اليمني فدخلت بذلك اليمن مرحلة جديدة. وكان من مرتكزات قيام هذه الوحدة صياغة دستور ديمقراطي يسمح بتعددية سياسية لمختلف القوى والتيارات السياسية من خلال تشكيل أحزاب في إطار تعددية سياسية ونظام ديمقراطي برلماني وحرية النشر والتعبير.

شكل الإسلاميون حزبًا سياسيًا تحت اسم «التجمع اليمني للإصلاح» في سبتمبر ١٩٩٠م وأصبحوا بذلك وجهًا لوجه مع خصومهم الايديولوجيين في الحزب الاشتراكي اليمني فدخل الطرفان في معارك جدلية ساخنة حول الدستور فتوحيد التعليم ودمج المعاهد العلمية.

مثلت قضية توحيد التعليم ودمج المعاهد أسخن هذه المعارك كلها والتي توجها الاشتراكيون بوقوفهم بقوه وراء قانون التعليم العام الصادر في ۱۹۹۲م الذي صادق عليه البرلمان حينها والذي كان يهدف الاشتراكيون من ورائه إلى تحجيم خصومهم الإسلاميين باعتبار أن هذه المعاهد كانت تمثل أقوى حصونهم ومصدر شعبيتهم.

لكن لأسباب سياسية بحتة تم تجميد العمل بهذا القانون في ۱۹۹۲م من قبل الرئيس علي عبد الله صالح الذي يجمعه بالإسلاميين تحالف استراتيجي، ثم إن هذا القانون كان يهدد المصالح المشتركة للطرفين معاً: الرئيس والإسلاميين، لكن ما إن جاءت حرب صيف ١٩٩٤م وإنهاء توازن القوى بين الاشتراكي والمؤتمر باندحار الأول في معركة الانفصال وبروز الإصلاح كحزب منافس وقوي للمؤتمر بدأ الأخير يفكر في تحجيم قوة منافسه الجديد وحليف الأمس «التجمع اليمني للإصلاح» وبأي طريقة.

وما إن جاءت انتخابات ١٩٩٧م وما حدث بها من انتهاكات للعملية الديمقراطية كنتيجة طبيعية لاختلال التوازن السياسي والتي انتزع فيها حزب المؤتمر الشعبي الحاكم أغلبيته فيها بقوة الدولة والوظيفة ولم يجد حينها من وسيلة لتحجيم خصمه «الإصلاح» إلا التهديد بورقة المعاهد العلمية التي كانت حينها قد أفرغت من رسالتها وأدت دورها على أكمل وجه فصدر قرار الإلغاء في ۲۰۰۱م وقضى بضمها إلى وزارة التربية التعليم.

قرار الإلغاء

وعلى إثر ذلك رأي سياسيو حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم أن قرار إلغاء المعاهد العلمية لم يكن كافيًا لتحجيم شعبية الإسلاميين المتزايدة بسرعة كبيرة من خلال حجم الأصوات الانتخابية التي حصدها الإصلاحيون في الدورتين الانتخابيتين في كل من ۱۹۹۷م و ۲۰۰۳م رغم تراجع نسبة مقاعدهم البرلمانية من ٦٨ مقعدًا في أول انتخابات برلمانية في ۱۹۹۳م. بعد الوحدة والتي كانت من أنزه الانتخابات اليمنية و٥٦ مقعدًا في ۱۹۹۷م. إلى ٤٥ مقعدًا في انتخابات ۲۰۰۳م. فما كان من سياسيي المؤتمر الحاكم إلا ابتکار استراتيجية جديدة ومجدية للحد من هذه الشعبية المتزايدة للإسلاميين، فعمدوا إلى تشجيع كل المذاهب والفرق الدينية المختلفة وانتشالها من مقابرها كالصوفية والشيعة والجماعات السلفية وفتح الأربطة والمراكز والحوزات العلمية وإمدادها بكل شيء حتى المال بحسب تصريح الرئيس صالح نفسه أثناء اجتماعه بعدد من علماء الزيدية على خلفية المواجهات التي اشتعلت بين القوات الحكومية والمتمرد الشيعي حسين الحوثي العام الماضي.

الضغوط الخارجية

مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة فاصلة في سياسة الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا تجاه العالم الإسلامي وخروج هذه السياسة من طور الإستراتيجية السرية إلى الطور العلني.

 واليمن كجزء من العالم الإسلامي وقع تحت طائلة المساءلة الأمريكية، أضف إلى ذلك تلك العمليات التي نفذها تنظيم القاعدة ضد أهداف ومصالح غربية كتفجير المدمرة الأمريكية «يو إس إس كول» في ميناء عدن في ۲۰۰۱ م والناقلة الفرنسية ليمبرج في ۲۰۰۲م ثم حادثة مقتل الأطباء الأمريكان في المستشفى المعمداني في مدينة جبلة في ٢٠٠٣م.

كل هذه الأحداث مجتمعة عززت من قناعة الأمريكان بأن اليمن أرض خصبة للإرهاب. ومما زاد من هذه القناعة لديهم بعض تلك الوشايات التي كانت تحاك ضد اليمن من بعض الأنظمة التي أرادت أن تصفي حسابات قديمة لها مع اليمن.

 وقد كشفت الإدارة الأمريكية من ضغوطها على الحكومة اليمنية التي رأت أنه لا مفر من الانحناء لرياح هذه العاصفة الأمريكية، فعملت على تغيير بعض المناهج الدراسية وأغلقت المدارس الدينية وما تلا ذلك من سلسلة تنازلات لم تنته بعد.

المجتمع: إن تغيير المناهج الإسلامية يخدم المخطط الصليبي ضد الهوية والثوابت الإسلامية وإن الاستجابة لتلك الضغوط تمثل خيانة للمجتمع المسلم.

الرابط المختصر :