العنوان اليمن ومسلمو بريطانيا.. كلاهما يربح أو كلاهما يخسر
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1355
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 22-يونيو-1999
حقق مسلمو بريطانيا خلال السنوات الأخيرة إنجازات ملموسة أزعجت بعض الأوساط السياسية والأمنية في تلك البلاد، فالمسلمون الذين تتباين الآراء في تقدير أعدادهم، ويقال إنهم يتراوحون بين المليونين والثلاثة ملايين قطعوا شوطًا لا بأس به في تعزيز وضعهم كجالية لها مطالب وآمال تسعى لتحقيقها عبر المشاركة السياسية الفعالة ومن خلال التظلم أمام المؤسسة القانونية التي لا تكاد تبارى في استقلالها ونزاهتها مقارنة بما هو عليه الحال في دول أوروبا الأخرى، وكان مجيء العمال إلى الحكم في انتخابات مايو ۱۹۹۷م منعطفًا مهمًا وفرصة سانحة نظرًا لما كان وعد به بعض أهم رموز هذا الحزب، وعلى رأسهم وزير الداخلية الحالي جاك سترو من تحسين الأوضاع المسلمين واهتمام بحل مشكلاتهم.
وكان أوَّل المؤشرات على وفاء الحكومة الجديدة بما كانت تعهدت به حينما كانت في الظل توفير دعم مالي للمدارس الإسلامية الخاصة أسوة بما عليه حال المدارس الخاصة لكل من الطائفتين الكاثوليكية واليهودية، ويأمل المسلمون في أن تنجز الحكومة الحالية أمرًا مهمًا آخر هو تشريع قانون يجرم التمييز ضد المسلمين على أساس ديني، وذلك أن الفئات الأخرى ذات الطابع العرقي -مثل اليهود والملونين- تحظى بحماية قانونية بسبب تجريم التمييز ضد الأعراق أو الألوان، ولا يوجد حتى الآن ما يحمي المسلمين من التمييز ضدهم لأنهم مسلمون، وهذا ما مكن بعض المؤسسات والأفراد من الإفلات من قبضة المسالمة على الرغم من اعتدائهم بالطرد من العمل أو بالاستهزاء، أو بالتمييز على مسلمين ومسلمات بريطانيين وبريطانيات.
وقد صعد العمال إلى الحكم في الوقت الذي تشكلت فيه مظلة إسلامية كبيرة تجمع ما بين المئات من الهيئات والمؤسسات الإسلامية المنتشرة في ربوع المملكة المتحدة من شمالها إلى جنوبها تعرف الآن باسم «المجلس الإسلامي البريطاني» حصلت على اعتراف من الحكومة البريطانية بأنها ممثل للمسلمين وناطق باسمهم، وتمكنت خلال الشهور السنة السابقة من ترتيب لقاءين بين رموز الجالية المسلمة من سياسيين وأكاديميين وحقوقيين ومهنيين آخرين ووزير الداخلية أولًا، ثم رئيس الوزراء توني بلير أخيرًا، وهو اللقاء الأول في تاريخ بريطانيا بين ممثلين للجالية المسلمة ورئيس وزراء بريطاني، وهو اللقاء الذي يرجى أن يمهد للاعتراف رسميًا بالإسلام كدين في بريطانيا.
إلا أن المسلمين –وعلى الرغم من سعادتهم بهذه الإنجازات– يخشون من أن جهات مغرضة ساءها هذا التقدم تريد إيقافه بكل الوسائل، وخاصة أنها استامت بشكل خاص من فتح بريطانيا أبوابها خلال العقد الماضي للآلاف من المهجرين المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة من البوسنة وكوسوفا، ونظرًا لأن القوانين البريطانية الحالية –مع الاعتراف بأنها لا توفر حماية خاصة للمسلمين– لا تفرض قيودًا على المسلمين دون غيرهم، فإن ثمة شكًا بأن خصوم الإسلام في بريطانيا يسعون لإقناع بعض المشرعين في البرلمان البريطاني بتبني مشاريع قوانين تقيد حرية المسلمين وتقلص من أعدادهم في البلاد، ولكن تغيير القوانين في بريطانيا، أو حتى إدخال قوانين جديدة، ليس بالأمر الهين، إن مثل هذا الأمر يحتاج إلى تهيئة جيدة للرأي العام، وإلى إقناع عدد كبير من البرلمانيين بضرورته، ولذلك لابد من إشاعة جو من الخوف من المسلمين، وتشويه صورة دينهم وتراثهم، ولعل نشاطات بعض المشبوهين من المنتمين إلى الجالية المسلمة في بريطانيا لا تفسر إلا ضمن هذا الإطار، ومن هؤلاء من شغل وسائل الإعلام البريطانية على مدى أسابيع متتالية بتصريحاته المحتقرة لبريطانيا والمثيرة للكراهية والمحرضة على ممارسة العنف والإرهاب ضد السواح والعاملين والأجانب المقيمين في بلدان العالم الإسلامي لقد درجت وسائل الإعلام في بريطانيا على وصف أحدهم بأنه رجل الدين المسلم على الرغم من أن مؤهلاته الشرعية لا تعدو بعض القراءات الخاصة له بعد أن تحول من حارس في ملهى ليلي إلى متعاطف مع الجهاد الأفغاني حسبما يعترف هو بنفسه.
يخشى المسلمون في بريطانيا أن تكون المحاولات التي تعرض لها اليمن مؤخرًا بهدف ضرب السياحة فيه إنما جاءت ضمن مخطط لبعض هؤلاء باستدراج -من حيث يدري أو لا يدري- من قبل بعض الجهات التي لا تريد للإسلام والمسلمين خيرًا، ويظن بأن اختيار اليمن إنما تم لسهولة الوصول إليه، وإمكان تنفيذ مثل هذا المخطط فيه وليس لأي اعتبارات أخرى تتعلق بالشعارات التي رفعها البعض في مهاتراته الإعلامية والخاصة باعتبار النظام في اليمن نظامًا أما كافرًا يستحق أن يقاتل وتؤكد النظرية السائدة في أوساط المراقبين المسلمين في بريطانيا أن من أرسل هؤلاء إلى اليمن، إنما أراد ساحة يرسل إليها بعض أتباعه ليثبت لهم بأنه إذا قال فعل وإذا وعد أنجَّزَ.
المهم في هذه النظرية إن صحت -وثمة ما يشير إلى صحتها- أن المجموعة المعتقلة في عدن معن وفدوا إليها من بريطانيا لا يزيدون على كونهم فئة مغرر بها أرادت خيرًا ولم تدرك أنها تساق إلى سوء المال، ويرى كثيرون هنا أنهم أبرياء مغفلون لن يؤدي إنزال العقاب بهم إلا إلى قطع الطريق على ما أنجزه المسلمون خلال العام الماضي من نجاحات سياسية، وسيؤدي أيضًا إلى تبني البعض مواقف عاطفية لا عقلانية، بل وسلبية جدًا، تجاه اليمن حكومة وشعبًا.
ودون تقويض السيادة القانون، وعلى الرغم من حاجة النظام السياسي في مثل هذه الحالات إلى فرض هيبته وردع من تسول له نفسه الإساءة والتخريب، فإن ثمة خصوصية لحالة المجموعة المتهمة بالتخطيط لأعمال عنف وتخريب في اليمن تستدعي التعامل معها بشكل مختلف تمامًا يرد لليمن اعتباره ويكسبه نقاطًا على خصومه في حرب إعلامية وحرب سياسية باردة استمرت منذ فشل القوات الانفصالية في إعادة تشطير القطر اليمني.
إن بإمكان اليمن، إن أحسن التعامل مع القضية التي نحن بصددها، أن يحقق نصرًا دبلوماسيًا يمكن أن يستثمر في تنمية البلاد وتعزيز وضعها العربي والإقليمي والدولي، ولن يضر اليمن التعامل مع هؤلاء بكرم وتسامح، بل لعل مثل هذا التعامل يفتح أعينهم على ما لم يتمكنوا حتى الآن من رؤيته من مظاهر الخير في هذا البلد العريق، ولعل قرارًا من الرئيس على عبد الله بإنهاء معاناة أهالي هؤلاء المتهمين عبر إطلاق سراح أبنائهم يحولهم جميعًا إلى سفراء خير لليمن في بلادهم وفي أوروبا.
وإذا ما اختارت الحكومة اليمنية إغلاق مِلَفّ القضية وإطلاق سراح الشباب البريطانيين المعتقلين، فلن ينسى مسلمو بريطانيا لليمن سعيه لحل هذه القضية بأسلوب يزيد من فرص التمكن أمامهم، ويضيع الفرصة على من يريدون بهم شرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل