العنوان اليمين المتطرف بأوروبا.. خريطة الوجود وعوامل الصعود
الكاتب د. أشرف عيد
تاريخ النشر الأربعاء 01-يناير-2020
مشاهدات 62
نشر في العدد 2139
نشر في الصفحة 14
الأربعاء 01-يناير-2020
ملف العدد
اليمين المتطرف بأوروبا.. خريطة الوجود وعوامل الصعود
حزب البديل الألماني حصل على دعم شعبي لوعوده بالدفاع عن البلاد ضد الهجمات الثقافية للمهاجرين
حزب الرابطة الإيطالي يرى أن 50% من جرائم القتل و40% من حوادث السرقة نفذت على أيدي المهاجرين
ردود الفعل العدائية تجاه العرب أصبحت برنامجاً انتخابياً لبعض الأحزاب الأوروبية في ظل الركود الاقتصادي
نجاح اليمين المتطرف السياسي ليس ظاهرة مؤقتة فهناك مؤشرات على استمرار تقدمه في المستقبل القريب
أشرف عيد
باحث في التاريخ والحضارة
«اليمين المتطرف» مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية التي تتبنى نزعة متطرفة، لها أهداف قومية متشددة وعنيفة، ولا يوجد حزب يحمل اسم «اليمين المتطرف»، إنما اشتهرت الأحزاب التي تتبنى أفكاراً متشددة تجاه قضايا مجتمعية، وتتفق في أسلوب فرضها بالقوة على المجتمع بأنها أحزاب يمينية متطرفة، وبالرغم من عدم إعلان أحزاب اليمين المتطرف لتبني مثل هذه الأفكار، فإنها تتضح عند الممارسة فور توليها السلطة، والاتجاه لسن قوانين أكثر تشدداً، والانسحاب من المعاهدات الدولية التي تتعارض مع أفكارها، واللجوء إلى مواقف أكثر عنفاً.
رغم وجود اختلافات بين اليمين المتطرف من دولة إلى أخرى، فإن هناك سمات مشتركة تجمع الأحزاب اليمينية المتطرفة تعد هي الأساس الذي تستند إليه، مثل: رفض العولمة، والرغبة في الخروج من الاتحاد الأوروبي وحماية الخصوصية الثقافية، ورفض الهجرة والمهاجرين بشكل قاطع، والعداء للإسلام والمسلمين فيما يعرف بظاهرة «الإسلاموفوبيا».
تنتشر الأحزاب اليمينية المتطرفة في الكثير من دول أوروبا، ومن أبرزها:
- في هولندا: «حزب الحرية»، وهو حزب يميني متطرف يتخذ من عدائه للإسلام توجهاً أيديولوجياً واضحاً، يتزعمه «غيرت فيلدرز»، المعروف بكراهيته للمسلمين وتوجهاته المعادية للأجانب، ويحظى بتمثيل شعبي وحضور في البرلمان الهولندي.
- في فرنسا: يمثل اليمين المتطرف حزب «الجبهة الوطنية الفرنسية» الذي تأسس عام 1972م، واستطاعت «مارين لوبان»، زعيمة الحزب، المنافسة في الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام 2017م التي فاز بها «ماكرون»، وعلى الرغم من خسارتها في الانتخابات الرئاسية، فإن حزبها حصل على 11 مليون صوت في الانتخابات النيابية، وهي النتيجة الأبرز في تاريخ الجبهة الوطنية.
- في سويسرا: «حزب الشعب السويسري» الذي تأسس عام 1971م.
- في النمسا: هناك «حزب الحرية النمساوي» الذي أنشئ عام 1946م، وحصل على 23% من الأصوات في الانتخابات التشريعية عام 1999م.
- في ألمانيا: حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وكذلك «حزب الجمهوريين» الذي تأسس عام 1983م، وحقق نجاحاً في الانتخابات المحلية عام 1992م، وفي الانتخابات النيابية عام 1998م، وقد تمكن من الحصول على دعم شعبي واسع من خلال وعودهم بالدفاع عن البلاد ضد الهجمات الثقافية للمهاجرين، والتأثيرات الأجنبية؛ وبالتالي حققت مكاسب في الانتخابات البرلمانية.
- في بريطانيا: «حزب الاستقلال» الذي تأسس عام 1993م، وحدّد لنفسه هدفاً واحداً يتمثّل في انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن المؤسسات الأوروبية، ومن برنامجه حظر النقاب.
- في إيطاليا: حزب «رابطة الشمال الإيطالي»، ويعرف بـ»حزب الرابطة» اليميني المتطرف، وقد فاز في الانتخابات الإيطالية التي جرت في 4 مارس 2018م، استكمالاً لسيطرة التيارات المتطرفة على عدد من الحكومات الأوروبية، بما فيها اليونان والمجر وبولندا، ويعتبر «حزب الرابطة» أن المهاجرين هم السبب في رفع معدلات الجريمة، وأن 50% من جرائم القتل نفذت على أيدي المهاجرين، و40% من حوادث السرقة أيضاً.
عوامل الصعود
هناك عوامل كثيرة أدت إلى صعود اليمين المتطرف على الساحة السياسية في أوروبا، من أهمها: اندماج الدول الأوروبية في الاتحاد الأوروبي؛ حيث جذب هذا الأمر اهتمام الأوروبيين بأصولهم القومية كل دولة على حدة، وازدادت قضية المهاجرين أهمية خاصة بعدما شهدت المنطقة العربية عام 2011م ما سمي بـ»ثورات الربيع العربي» التي أدت إلى أزمات في كل من سورية وليبيا واليمن، وتأسيس» داعش» عام 2014م؛ مما أدى إلى عدم استقرار المنطقة العربية، وتردى الأحوال الاقتصادية؛ وهو ما ساهم في زيادة الهجرة إلى دول أوروبا.
وقد تسببت زيادة الهجرة إلى أوروبا في زيادة المخاوف من انتقال هذه الحالة للدول الغربية، ولذلك دعموا تيارات اليمين المتطرف ليوقف تدفق الهجرة إلى أوروبا خاصة بعدما شهدت بعض الدول الأوروبية هجمات إرهابية متعددة، على رأسها ما شهدته باريس عام 2015م من هجمتين إرهابيتين أدتا إلى مقتل عدد من الفرنسيين؛ وهو ما عزز من شعبية تيارات اليمين المتطرف ليس فقط في الداخل الفرنسي، بل في كل أوروبا، وأصبح المسلمون هم المتهم الوحيد لأي عمل إرهابي في أوروبا، ومصدر الإرهاب.
وقد تداول رموز هذه الأحزاب المتطرفة في تصريحاتهم السياسية والصحفية مصطلح «الإرهاب الإسلامي» كنوع من إشعال عداء المجتمع الأوروبي ضد المسلمين، ليس في أوروبا فقط، بل في العالم كله، ومن ثم تبرير ما يتعرض له المسلمون من هجمات إرهابية على المصلين بالمساجد في أوروبا وغيرها.
ومن هنا ظهرت دعوات إلى كبح جماح الهجرة والتضييق على المهاجرين، بل أصبحت ردود الفعل العدائية تجاه العرب برنامجاً انتخابياً لدى بعض الأحزاب اليمينية الأوروبية، خاصة في ظل حالة الركود الاقتصادي الذي تعيشه بعض دول أوروبا.
ملء الفراغ
ولم يكن للأحزاب اليمينية المتطرفة أن تفوز إلا بسبب ضعف الأحزاب التقليدية، وعدم قدرتها على تقديم بدائل ومقترحات للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات الأوربية والقضايا المستجدة، مقارنة بالأحزاب اليمينية المتطرفة التي قدمت بدائل ومقترحات لتلك المشكلات التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية.
وقد خرجت الأحزاب اليمينية المتطرفة فائزة في الانتخابات البرلمانية في السنوات الأخيرة، ومن خسر منها الصدارة جاء في الترتيب الثاني أو الثالث، حتى أصبح صعود اليمين المتطرف ظاهرة جديرة بالدراسة؛ فقد ثبت أن نجاحهم السياسي خلال هذه السنوات الماضية ليس ظاهرة مؤقتة؛ بل هناك مؤشرات على استمرار تقدم اليمين المتطرف في المستقبل القريب.
وانعكس فوز اليمين المتطرف في أوروبا على سياسته تجاه المسلمين، ففي عام 2008م اجتمعت أحزاب أوروبية من اليمين المتطرف في بلجيكيا، وأعلنت عن تأسيس منظمة تهدف إلى مكافحة ما أسمته بـ»الأسلمة» في أوروبا، شارك في تأسيس تلك المنظمة أحزاب من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وإيطاليا والدنمارك وسويسرا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا واليونان.
وقبل شهر من عقد الانتخابات الأخيرة في إيطاليا، وعد زعيم الحزب اليميني المتطرف (حزب الرابطة) الإيطالي الناخبين بأنه سيغلق المراكز الإسلامية في حال فوزه، متهماً إياها بممارسة أنشطة «غير قانونية».
وتنامت حوادث الاعتداء والكراهية ضد المسلمين والأجانب المهاجرين، وتعرض المسلمون لاعتداءات متنوعة في السويد، ونشر رسوم تهين المسلمين، وشهدت النمسا عامي 2015 و2016م تزايد حوادث الاعتداء على المسلمين التي تراوحت ما بين إطلاق الألعاب النارية على مراكز إيواء المهاجرين، والتحريض على العنف ضدهم عبر الإنترنت.
وذكرت الشرطة البريطانية، الإثنين 19 يونيو 2017م، أن 3 أشخاص قتلوا وأصيب 12 آخرون إثر قيام سيارة بدهس عدد من المصلين الخارجين من مسجد دار الرعاية قرب مسجد «فينسبري بارك» في لندن، وأكد كبير ضباط مكافحة الإرهاب في بريطانيا، في 27 فبراير 2018م، أن بريطانيا تواجه تهديداً جديداً وكبيراً من الإرهاب اليميني المتطرف المنظم، وكشف أن الشرطة أحبطت 4 مؤامرات من تدبير متطرفين يمينيين، وقال «مارك رولي»، مساعد قائد شرطة لندن للصحفيين: «التهديد الإرهابي اليميني أكثر أهمية وتحدياً مما قد يظنه الرأي العام».
المراجع
1- ابتسام حسين: اليمين في فرنسا وألمانيا ومستقبل الاتحاد الأوروبي، السياسة الدولية، المجلد 52، العدد 208، أبريل 2017.
2- جون ماركو: اليمين المتطرف يغزو الديمقراطيات الأوروبية، ترجمة مالك عوني، السياسة الدولية، المجلد 37، العدد 149، يوليو 2002م.
3- ريهام باهي: تداعيات صعود اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، السياسة الدولية، العدد 208، أبريل 2017م.
4- سلام الكواكبي: صعود اليمين المتطرف في فرنسا من الهامش إلى صدارة المشهد، ملحق السياسة الدولية، العدد 33، مايو 2017م.
5- كمال الدسوقي: جدلية العلاقة بين الإسلاموفوبيا واليمين الأوروبي، السياسة الدولية، العدد 208، أبريل 2017م.
6- المركز الديمقراطي العربي: صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا: دراسة حالة فرنسا في الفترة (1984– 2017)، أغسطس 2019م.
7- المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات: اليمين المتطرف، وحدة الدراسات والتقارير، 25 مايو 2019م.
8- مصطفى علوي: عوامل صعود اليمين المتطرف في أوروبا، السياسة الدولية، العدد 208، أبريل 2017م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل