العنوان اليونان تحقق مكاسب دولية في مواجهة تركيا
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1154
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 20-يونيو-1995
فيتو يوناني لمنع إرسال قوة تدخل خاصة للبوسنة ونجاح باباندريو في الإفراج عن الرهائن الدوليين
الولايات المتحدة وألمانيا تدعمان الموقف اليوناني في اجتماعات الناتو وروسيا تدعم اليونان في طلب عضوية المجلس البرلماني لدول البحر الأسود
إسطنبول: محمد العباسي
يبدو أن الحكومة التركية لا تعي جيدًا حقيقة المواقف الأوروبية والتي لا تخرج عن كونها معبرة عن مصالحها فقط علاوة على أبعادها الدينية أيضًا والمكاسب التي حققتها اليونان خلال الشهر الجاري يونيو حزيران في مواجهة تركيا على الساحة الأوروبية وعلى الساحة الإقليمية تشير إلى تلك الحقائق بدون شك؛ إذ دعمت الولايات المتحدة وألمانيا ولأول مرة الموقف اليوناني في اجتماعات الناتو ببروكسل، وهو ما اعتبره وزير الدفاع اليوناني نصرًا في مواجهة تركيا.
كما أن واشنطن لم تعلق على صدور قانون من المياه الإقليمية في بحر إيجة المسافة ۱۲ ميلًا رغم محاولاتها حل المشكلات بين الجانبين من خلال مقترحات بناءِ الثقة التي رفضتها أثينا بشكل غير مباشر، ولم يقتصر الأمر على واشنطن وحدها، بل على موسكو التي دعمت الطلب اليوناني في مجلس برلمان منظمة تعاون دول البحر الأسود، ونجحت في الحصول على عضويتهِ رغم أنف الفيتو التركي المدعوم من أذربيجان فقط، وليقوي بذلك التحالف الأرثودوكسي داخل تلك المنظمة الإقليمية التي كانت تسعى تركيا من خلالها لتنشيط دورها الإقليمي ودعم الاستقرار والسلام في المنطقة.
حضور في البلقان
يأتي ذلك في الوقت الذي حققت فيه اليونان حضورًا على الساحة السياسية في البلقان عندما نجحت في التوسط لدى حليفتها صربيا في الإفراج عن ١٨ رهينة من قوات الأمم المتحدة كانت في أيدي العصابات الصربية، رغم فشل كافة الجهود الأخرى. وإن كان "أندرياس باباندريو" رئيس الوزراء اليوناني قد رد الجميل باستخدام الفيتو أمام اقتراح إرسال قوة تدخل خاصة من الناتو لحل المشكلة البوسنية وأصر على الحل السياسي للمشكلة، وقال في المؤتمر الذي عقد في باريس يوم10/6/ 1995م: إنه لكي ينتصر الناتو في البوسنة فسيحتاج ذلك الأمر إلى كلفة عالية منها إرسال ٥٠٠ ألف جندي على الأقل مع احتمال بقائهم لفترة ما بين 10-5 سنوات، ونجح باباندريو في إِثْناءِ الأوروبيين عن عزمهم إذا كانت هناك نية جديدة أصلاً.
قانون مد المياه الإقليمية
وحول موضوع مد المياه الإقليمية في بحر إيجة لمسافة ١٢ ميلًا صدق البرلمان اليوناني يوم ٣١ مايو الماضي على مشروع القانون الخاص بذلك، والذي تستند فيه أثينا إلى اتفاقية الحقوق البحرية الدولية، التي كانت قد وقعت في كاراكاس عام ۱۹۸۲م، ودخلت حيز التنفيذ في ١٦ نوفمبر ١٩٩٤م، وتعطي الحق للدول بمد مياهها الإقليمية لمسافة ١٢ ميلًا. وهي الاتفاقية التي رفضت تركيا التوقيع عليها، بل واعتبرت أنه في حال قيام اليونان بتطبيقها فإن ذلك قد يكون سببًا لاندلاع الحرب بين البلدين.
يذكر أنه في حالة تطبيق القانون سترتفع نسبة المياه الإقليمية اليونانية في بحر إيجة م٢٧,2 إلى ٦٤، وستبقى تركيا كما هي 8,8 % بينما ستنخفض نسبة المياه الدولية من٦4 إلى ۲۷,۲ %؛ ولذلك اتخذ مجلس الشعب التركي يوم 8 يونيو الجاري قرارًا حول قانون مجلس الشعب اليوناني؛ إذ أعطى المجلس التركي للحكومة صلاحيات كاملة بما فيها العسكرية من أجل المحافظة على المصالح الحيوية التركية.
خطة التسليح العسكري
وعلى الرغم من أن المراقبين في أثينا أشاروا إلى أن تصديق البرلمان اليوناني على الاتفاقية لن يفيد بشيء؛ إذ إن اليونان لن تجرؤ على مد حدود مياهها الإقليمية خشية اندلاع الحرب خاصة وأن تنفيذ ذلك يعتبر تهديدًا جديدًا للأمن القومي التركي، إلا أن الخطة اليونانية لدعم قوتها العسكرية حاليًا تشير إلى إمكانية تنفيذها في حالة ضمان قوة ردع مناسبة، وهو ما يمكن تحقيقه مع بداية عام ٢٠٠٠م، إذ رصدت أثينا مليار دولار لشراء طائرات جديدة، إذ إن لدى اليونان حاليًا ٣٢٠ طائرة، منها ۲۸ ميراج ۲۰۰۰، ومثلها إف. ١٦، و ستشتري ٦٠ طائرة «إف 16سي» مستخدمة، وهناك توصية بشراء ٤٠ طائرة إف ١٦، وكذلك ٤٠ طائرة أخرى «إف - ١٦ سي»، وأعداد أخرى من الميراج ۲۰۰۰، وأيضًا استئجار حوالي ٥٠ طائرة «إف ١5 إيه»، و«إف ١٨ إيه»، علاوة على تحديث ٤١ من الطائرات إف ٤ وعددها ٦٥؛ وذلك بتغيير نوع الصواريخ وأنظمة الرادارات فيها، وذلك بكلفة تصل إلى 300 مليون دولار، والمفاوضات مستمرة مع ألمانيا من أجل قيام الأخيرة بتنفيذ ذلك.
يأتي ذلك في الوقت الذي أوقفت تركيا عملية تحديث طائراتها من طراز إف ٤، وهو ما كان سيتم تنفيذه في إسرائيل، وذلك لأسباب مالية؛ إذ تعاني تركيا من أزمة اقتصادية طاحنة، إلا أن لدى تركيا أسطولًا من الطائرات الحربية يبلغ عددها ٤٩٢ طائرة منها؛ ١٥٠ طائرة إف - ١٦، وبالتالي فإن الموعد الحقيقي لتنفيذ اليونان قرارها بمد الحدود في مياهها الإقليمية لمسافة الـ: ١٢ ميلًا، سيكون مرتبطًا بتنامي قوتها العسكرية بالقطع، وبضمان الدعم الغربي الكامل لها، وهو الأمر غير المتوفر حاليًا وإن كان ما زال في الطريق.
أسباب التأجيل
وعمومًا فإن صدور القانون رغم احتمالات تأجيل تنفيذه لأسباب إقليمية ودولية في الوقت الحالي يعتبر نصرًا داخليا للحكومة اليونانية وسيفا في يد أثينا يمكنها شهره في وجه أنقرة في الوقت الذي تريد، ووسيلة ابتزاز يونانية ضد تركيا للضغط عليها لحل المشكلة القبرصية وتليين موقفها في موضوع إقامة فاتيكان أرثودوكسي في إسطنبول أو إعادة "أيا صوفيا" إلى كنيسة مرة أخرى.
ولا يمكن اعتبار المناورات التركية افس-٩٥، وذئب البحر دنيز كوردو، التي بدأت أوائل الشهر الجاري وتستمر حتى ٢٢ يونيو الحالي ردًا على القانون اليوناني وإظهار العين الحمراء لأثينا؛ لأن تلك المناورات كانت مقررة سلفًا مثلها مثل المناورات اليونانية التي تجري حاليًا، والتي ليست ردًا أيضًا على المناورات التركية، وإن كانت أثينا قد حاولت إظهار الموقف التركي بأنه يستهدف تهديدها، وذلك لتشويه تركيا والظهور في مظهر الحمل الوديع الذي يتربص به الذئب الأغبر رغم عدم خروج الحمل على قواعد الرعي المرعية.
يذكر أن واشنطن كانت قد طلبت من كلٍ من أنقرة وأثينا عدم القيام بمناورات عسكرية خلال الصيف الجاري بهدف دعم مقترحات هولوك. مساعد وزير الخارجية الأمريكي. الرامية إلى بناء الثقة بين تركيا واليونان بهدف حل المشكلات بين البلدين، والتي تعرقل سياسة حلف الناتو في الشرق الأوسط والبلقان.
كانت تركيا واليونان قد وقعت على اتفاقية عام ١٩٨٨م بعد أزمة دافوس التي كانت ستؤدي إلى اندلاع الحرب بين البلدين وتنص على تقديم المعلومات الخاصة بالمناورات في بحر إيجة قبل عملها بأسبوعين والابتعاد عن مناطق الخلافات في إيجة، وعدم إجراء المناورات في الأعياد الدينية والوطنية والمواسم السياحية، وعدم عرقلة الملاحة البحرية والجوية المدنية أثناء إجراء المناورات مع ضمان ابتعاد طائرات وسفن الجانبين عن بعضها مسافة معينة لعدم حدوث احتكاك قد يؤدي إلى اشتباكات إلا أن كل ذلك لم يتحقق منه شيء على أرض الواقع مما يعني أنها محاولات لامتصاص التوتر وتأجيل الصدام بين الجانبين لحين تمكن اليونان عسكريًا من تحقيق أهدافها بشرط أن ينتهي الغرب من مص الليمونة التركية مما يفقدها دورها.
الدعم الأمريكي والألماني
ويبدو أن الغرب يمر حاليًا بالطور النهائي في الاستفادة من تركيا؛ ولذلك يسعى لتقسيمها وإحياء معاهدة سيفر على ذمة تصريحات الرئيس التركي نفسه سليمان دميريل، ولذلك بدأت تتغير المواقف داخل حلف الناتو لصالح اليونان، وهو ما يمكن رصده في اجتماع وزراء دفاع الناتو في بروكسل يوم 8 يونيو «حزيران» الجاري؛ إذ دعمت كل من الولايات المتحدة وألمانيا اليونان في موضوع إقامة مقر قيادة القوة متعددة الجنسية في سالونيك، وهو ما تعارضه تركيا وتقترح إقامته في تشتاق ماقلي، ولذلك اعتبر جيرا يموس ارسنيس وزير الدفاع اليوناني - في التصريحات التي نقلتها صحيفة «زمان» يوم ١٠ يونيو الجاري نتائج الاجتماعات في بروكسل نصرًا لبلاده؛ إذ توافقت وجهات نظر الولايات المتحدة وألمانيا مع وجهات نظر بلاده في العديد من القضايا، خاصة مقر قيادة القوات الجنوبية.
الدعم الروسي لليونان
كما حققت أثينا نصرًا آخر على تركيا يفضل موسكو؛ إذ نجحت في الحصول على عضوية المجلس البرلماني لمنظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود، وذلك في الاجتماع الخامس الذي عقد في موسكو يوم ٦ يونيو الماضي، وذلك بفضل الدعم الروسي للطلب اليوناني، وبذلك تزداد قوة دول الحلف الأرثودوكسي في مؤسسات منظمة تعاون البحر الأسود.
وبذلك تتراجع أهمية تركيا ويتضاءل دورها في المنظمات والأحلاف الدولية مثل الناتو، علاوة على صعوبة التحاقها بالوحدة الجمركية خاصة بعد اتهامات الإعلام لوزير تركي بوصف ثلاث نائبات أوروبيات بالفاحشات في تصريح صحفي أنْ طالب البرلمان الأوروبي باعتذار رسمي من الحكومة التركية مع اتخاذ ما يلزم من إجراءات ضد الوزير الذي نفى الإدلاء بتصريحات على تلك الشاكلة واعتبر البرلمان الأوروبي أن تصريحات الوزير من شأنها تهديد عضوية تركيا بالوحدة الجمركية، وذلك علاوة على المنظمات الإقليمية مثل منظمة تعاون البحر الأسود، والذي أصبح لليونان وروسيا دور مهم في الهيمنة عليها.
وإذا كانت اليونان نجحت بالفعل في تأكيد دورها الدولي والإقليمي في مواجهة تركيا فإن على الأخيرة العض بالنواجذ على دورها في المنظمات الإقليمية مع الدول الإسلامية سواء منظمة التعاون الاقتصادي التي تضم كلًا من: تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان مع الجمهوريات الإسلامية المستقلة، أو منظمة المؤتمر الإسلامي والذي لتركيا دورها القيادي فيهما، وبهما يمكنها أن تستعيد أهميتها التي فقدتها بعد انتهاء الحرب الباردة وانتهاء عمرها الافتراضي بالنسبة للغرب الذي يلفظها حاليًا بعد الانتهاء من مضغها وهو ما على القيادة التركية إدراكه قبل فوات الأوان.