; الإجازات وتجديد حيوية الأسرة | مجلة المجتمع

العنوان الإجازات وتجديد حيوية الأسرة

الكاتب ياسمينة صالح

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1677

نشر في الصفحة 60

السبت 19-نوفمبر-2005

مونيا هاروني: الناس يحبون اكتشاف المدن ويكرهون اكتشاف ذواتهم.

سيلفي شاتو: المجتمع الغربي يتعرض لانهيار على مستوى معتقداته وبنيته الفكرية والأسرية.

خولة الإدريسي: العطلة أفضل فرصة للحوار لأنها تأتي في وقت يتجرد فيه الزوجان من المتاعب.

تعد الإجازات، من أهم الفترات التي ينتظرها الجميع بعد عمل شاق مستمر، وهي 

فرصة رائعة بالنسبة للأطفال للتخفيف من ضغوط الدراسة وتجديد النشاط والعودة بمعنويات أعلى.

 ولهذا يعتبر العديد من الأطباء النفسانيين أن الإجازات عموما فرصة الالتقاء بعد وقت كبير من الانشغال عن الآخر.

في الدول الغربية تعاني الأسرة من مشاكل الالتقاء، ولهذا تستغل الإجازات لتحقيق حالة الوئام الأسري، الذي غالبًا ما يسهم في إنقاذ الأسرة من الانهيار، ولكن الذي حدث في الفترة الأخيرة أن النساء الأوروبيات «24% من الألمانيات و 33% من الكنديات، و 34.5% من البريطانيات و 38% من الفرنسيات» يعانين من ظاهرة غريبة مفادها أن الزوج يحب قضاء الإجازة بعيدًا عن أسرته هذا تحديدًا ما نشرته مجلة برانتان الفرنسية، في ملف يتهم فيه الرجال الأوروبيون بالأنانية، لأنهم يفضلون قضاء الإجازة بعيدًا عن عائلاتهم المشكلة الحقيقية في نظر العديد من الأطباء النفسانيين الذين حللوا هذه الظاهرة، أن «الأسرة» الغربية دخلت في نمطية شبه آلية، بعيدًا عن التغيير أو التجديد، والحال أن الضجر الذي ينمو مع الحياة الزوجية سببه في الحقيقة غياب الوقت للالتقاء، وغياب الوقت للمصارحة وبالتالي حين تحين فترة الإجازة يهرب الزوج من انفجار المصارحة الذي قد يؤدي إلى الانفصال، بيد أنه يعتقد أنه بهروبه يؤجل الانفصال ولا يلغيه.

 بالنسبة للمرأة العربية فالأمر قد يكون مختلفًا باعتبار أن الأسرة العربية - على الرغم من عالم المادة المحيط بها - ما تزال تحافظ على كيانها، والأب يولي أسرته أهمية كبيرة.

والمرأة العربية التي تعتبرها المرأة الغربية أفضل حالًا، لا تشعر ربما بقيمة أشياء مهمة بين يديها، كالزوج والأبناء، ولهذا عادة ما تستغرق في العطلة من منظور أني سريع وخاطف قد تضيع على نفسها بهذا فرصة التقرب الأعمق من زوجها ومن أطفالها.

صورتان مختلفتان لنفس المشهد: صورة «آن ماري» الفرنسية التي نشرت في جريدة اللوموند رسالة مفتوحة إلى رجل، تتهمه فيها بحبه العيش في السرية، والعلاقات اللاشرعية لأنه يعتقد أنها تمنحه ما يريده من رغبات، بينما زوجته «نكدية» لا يمكنها أن تعادل بين وظيفتها كام أو موظفة أو بين ما يجب أن تكونه كامرأة كاملة لرجل.

 الصورة الثانية لامرأة عربية تختار المدن التي تقضي فيها عطلها، وتختار الأماكن والرزنامة ولا تختار في الحقيقة شكل العطلة التي تريدها، ونوع الحوار الذي يجب أن تصنعه مع زوجها أولًا ومع أطفالها ثانيًا ... فكثير من البيوت تعيش في حالة من الاغتراب النفسي والفكري. 

لأجل تسليط الضوء على الموضوع من الجانبين معًا، طرحنا السؤال على السيدة «خولة الإدريسي» طبيبة نفسانية والسيدة مونيا هاروني، أستاذة في علم الاجتماع بجامعة الجزائر، وشاركتنا الحوار سيدتان أوروبيتان الأولى من فرنسا وهي السيدة «سيلفي شاتو»، كاتبة مختصة في شؤون المرأة في مجلة مدام لوفيجارو. والثانية من بلجيكا السيدة «فلورابيل ميليان» مختصة في علم النفس الإكلينيكي.

كيف تجعل المرأة الإجازة فرصة للتقرب من زوجها؟ أو بعبارة أخرى كيف يتم إزالة المشكلات الزوجية في العطلة؟

تقول السيدة خولة الإدريسي: مشكلة العلاقات الزوجية ارتبطت للأسف الشديد في وقتنا الحالي بالظروف المادية أولًا. وبأوضاع اجتماعية أسست سلوكيات تعتبرها شاذة في ضوء ما يحمله كل شخص منا من قيم تربى عليها أساسًا. 

الأسرة هي الأسرة في كل زمان ومكان. يعني أنها خلية المجتمع، وعليه فإن مس هذه الخلية هو في الأساس مساس بالمجتمع.

 اعتقد أن المشاكل الزوجية يتم تأجيلها دائمًا، لأن الإطار الذي تتمخض فيه تلك المشاكل هو في الحقيقة إطار استثنائي غير ثابت ولا مستقر أهم ما يمكن اعتباره مشكلة عويصة هو عدم الحوار بين الزوجين الذي يقتل التواصل ويقتل الحب بين الزوجين.

من هنا أعتقد أن العطلة هي أفضل فرصة للحوار، لأنها تأتي في وقت جد مميز ولأنها مرحلة يتجرد فيها الزوجان من المتاعب، بحيث يبحث كلاهما عن الآخر ولن يتأتى هذا إلا بإدراك أن العلاقة الزوجية لیست علاقة آنية. بل حياة مشتركة يجب أن يسهم فيها الرجل والمرأة لترقيتها وتطويرها.

 كل المشكلات تبدو تافهة حين يكتشف الزوجان حاجتهما إلى بعض، وهذه الحاجة يولدها الحوار الصريح والهادئ بعيدًا عن التصفيات والأنانية. وتعقب السيدة مونيا هاروني، قائلة: نسبة كبيرة من الأزواج لا يعرفون كيف يتعايشون مع الإجازات.

الإجازة لدى البعض هروب من الواقع إلى مدينة سياحية أخرى.

الناس يحبون اكتشاف المدن ويكرهون اكتشاف ذواتهم، وهذه هي المشكلة الرئيسة في مجتمعاتنا العربية التي تتشابه في نوعية المشاكل الزوجية من حيث غياب الحوار وغياب التواصل المستمر وضيق الوقت والإهمال وانشغال طرف عن الآخر، إما انشغال الزوجة عن زوجها بالأطفال وإما انشغال الزوج عن زوجته بالأعمال.

 اعتقد أن الانسداد الحاصل على المستوى الأسري سببه هذا الغياب المهول للتواصل الإنساني والفكري الحقيقي بين الزوجين بمجرد أن تمر السنوات تصبح العلاقة الزوجية عادة مملة بحوار يتكرر وديكور يتكرر.

 ثمة رجال يكرهون انغماس زوجاتهم في الكلام عن الطبخ، وثمة نساء يكرهن انغماس أزواجهن في العمل أو في أشياء لا علاقة لها بالأسرة أساسًا.

ربما فكرة العطلة أو الإجازة تبدو الحتمية الوحيدة التي تجعل الزوجين يلتقيان أخيرًا في حضور الأطفال.

لهذا هي فرصة كبيرة جدًا لأجل التقارب واكتشاف الآخر من جديد. ثمة رجال نسوا هوايات زوجاتهم ونساء نسين ماذا كان أزواجهن يحبون في أول سنة زواج؟ هذه هي الكارثة، وهي أشبه ما تكون بجدار قائم بين الزوج والزوجة وبالتالي إن امتد الجدار فسيصنع الانكسار أو حتى الانفصام في العلاقة.

أما السيدة «سيلفي شاتو»، فتقول: «لا شكّ أن المجتمعات الأوروبية مختلفة فيما بينها. فما بالك مع المجتمعات العربية؟ دعيني أرد على سؤالك من منظور آخر، وهو كيف يجب أن نفهم الإجازة أساسًا قبل المطالبة بتطبيقها؟ الجواب في اعتقادي ليس بهذه السهولة لأن المجتمع الغربي والأوروبي بشكل خاص يتعرض بكل وضوح إلى انهيار على مستوى معتقداته وبالتالي على مستوى البنية الفكرية والأسرية على حد سواء».

 ما كان ينظر إليه قبل سنوات على أساس من القداسة صار أمرًا يمكن تلويثه داخل واقع ملوث في الحقيقة، لأن الانهيار مس كل شيء تقريبًا. 

الأسرة نفسها لم تعد تحمل نفس الماهية والمحافظة على الأسرة لم تعد أمرًا مهمًا مثل الماضي، صارت الأسرة قابلة للمساومة للابتزاز المادي والعاطفي.

 أعتقد أن البحث عن البدائل هو الذي جعلنا اليوم نتمسك بالقول إن العطلة الصيفية عادة هي الأرضية التي يمكن عبرها أن يستعيد الزوجان علاقتهما سويًا، وبالتالي تستعيد الأسرة وجودها. لكن المشكلة أن الرجل الغربي صار يهرب إلى العطلة بمفرده صار يريد أن يتخلص من عبء الأسرة حتى في العطلة، وهذا - في اعتقادي - كارثة حقيقية لو استمرت على مستوى أوسع فسوف تقتل فكرة الأسرة ككيان قائم بذاته. أما فلورابيل ميليان، فترى أن الهروب إلى حلول العطلة أمر أني باعتبار أن العطلة أو الإجازة بحد ذاتها مرحلية والابتعاد عن المنغصات هو هروب مؤقت لأن المشكلة التي يعاني منها الزوجان في الغرب تختلف عن تلك التي يعاني منها الزوجان في أمريكا اللاتينية مثلًا، أو في البلاد العربية. في أوروبا، هناك تراجع رهيب في القيم. أدى إلى قتل الكثير من المعاني الجميلة في الأسرة وفي العلاقة الزوجية بالخصوص. 

الخيانة وعدم أخذ الطرف الآخر بعين الاعتبار سلوكيات تسيطر على الغرب، وفكرة حل المشاكل في الإجازات عادة ما تصطدم بواقع الإجازة نفسها كمهرب مؤقت سرعان ما يصير قنبلة موقوتة بعد الرجوع من الإجازة. 

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار عوامل الأسرة في التطرق لكل حوار يجب أن يكون بين زوجين اختار كلاهما الآخر عن رغبة في تأسيس علاقة طبيعية بعيدة عن الضغوط. ولأجل ذلك الاختيار يجب أن يتعايش الزوجان في العطلة وبعدها برغبة حقيقية وصادقة في الاستمرار ونبذ الخلافات السطحية أو المنغصة بالحوار، فهذا أهم عامل لحل كل أزمة مهما كانت صغيرة..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل