; د.القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون (۷۰) عاما في الدعوة والتربية والجهاد.. الإخوان والمحن | مجلة المجتمع

العنوان د.القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون (۷۰) عاما في الدعوة والتربية والجهاد.. الإخوان والمحن

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

  • خصائص دعوة الإخوان المسلمين ومميزاتها
  • دبرت بريطانيا وفرنسا وأمريكا بالتعاون مع الملك فاروق اغتيال حسن البنا خدمة للكيان الصهيوني
  • لم يكن تاريخ الإخوان يومًا مفروشا بالورود والرياحين، بل محفوفا بالمكاره مليئاً بالأشواك وهذه سنة الله في حملة الهداية

لا يستطيع كاتب أو مؤرخ أو مراقب يتحدث عن حركة الإخوان المسلمين إلا أن يخص بالذكر ما أصابها من محن متلاحقة، غدت أبرز معالم تاريخها، فلم يكن تاريخ الحركة يومًا مفروشًا بالورود والرياحين، بل محفوفًا بالمكاره مليئًا بالأشواك مضرجًا بالدماء، سنة الله في حملة الهداية الربانية من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214).

إنها البأساء في الأموال والضراء في الأبدان والزلزلة في النفوس، ولا عجب فإن الحركة قد دعت إلى نظام حياة جديد تقوم فلسفته كلها على الإسلام، ويستمد أصوله من أحكامه ووصاياه وهو نظام يخالف في كثير من النواحي ما ألفه الناس واعتادوه في شؤون الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتشريع والثقافة والفنون، ويصطدم بمفاهيم الكثيرين وبمصالحهم وشهوات أنفسهم. 

لقد اجتمع في سنة ١٩٤٨م سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا في فايده - معسكر القوات البريطانية - بمنطقة قناة السويس، وأجمعوا على ضرورة حل الإخوان المسلمين وضغطوا على الحكومة المصرية برئاسة محمود فهمي النقراشي باشا، فاستجابت لهم، ونفذت ما أرادوا. ولم يعد هذا سرًا، فقد انكشف الغطاء، وغدت الوثائق السرية بمرور الزمن في الإمكان الاطلاع عليها. وكان هذا لخدمة الوليد الجديد إسرائيل التي أعلن هؤلاء الكبار أنها خلقت لتبقى وأن بقاء التيار الإسلامي يعتبر خطرًا قويًا يهددها في وجودها، وفي استمرارها، وفي نموها، وأحلامها في التوسع والامتداد حتى يكون ملك إسرائيل من الفرات إلى النيل.

المحنة الأولى للإخوان في عهد فاروق

كان الحل الأول للإخوان في عهد الملك فاروق وفي عهد حكومة النقراشي في الثامن من ديسمبر سنة ١٩٤٨م، وفتحت المعتقلات في الطور وهايكستب لتضم الآلاف من رجال الإخوان المسلمين، إلا رجلًا واحدًا لم يعتقل، بل ترك حرًا طليقًا وهو حسن البنا، مرشد الجماعة ومؤسسها وكان الجميع يعجبون كيف يعتقل الجنود ويترك القائد؟ ولكن عرف السبب، فبطل العجب، لقد ترك المرشد الأمر بيتوه له بليل، ونفذوه جهرة، وفي شارع من أكبر شوارع القاهرة والرجل خارج من دار الشبان المسلمين وأمام مبناها، قبيل غروب الشمس، وبعد أن تلقى استدعاء مجهولًا إلى المركز العام للجمعية وقد كان إسعافه ممكنًا، لولا أن الطبيب المعالج رفض أن يزوده بالدم المطلوب خضوعًا للأوامر العليا اغتالوا الرجل القرآني والمعلم الرباني، والمصلح الإسلامي، برصاصات أئمة أطلقها عملاء فاروق هدية له في عيد ميلاده «۱۱فبراير ١٩٤٩»وقد أثبتت ذلك التحقيقات التي أجريت بعد قيام الثورة، وحوكم الذين اشتركوا بالتدبير أو التنفيذ، وقضي عليهم بالسجن مددًا متفاوتة.

ولقد استطاع الإخوان أن يحولوا معتقلهم في الطور وهايكستب إلى جامع للعبادة، وجامعة للعلم وناد للرياضة، وندوة للأدب والثقافة، ومعهد للتربية والتكوين، وبرلمان للتشاور والتفاهم. 

ومن اطلع على نظام الحياة اليومي في المعتقل رأى هذا بوضوح، فقبل الفجر بأكثر من ساعة يبدأ المعتقلون في الاستيقاظ للتهجد وقيام الليل ومازلت أذكر ذلك الأخ الذي كان يمر في جنح الليل بين عنابر المعتقلين، وهو ينشد بصوت ندي:

يا نائمًا مستغرقًا في المنام                  قم فاذكر الحي الذي لا ينام

مولاك يدعوك إلى ذكره                   وأنت مشغول بطيب المنام

وسرعان ما نجد عنابر المعتقل تدوي بتلاوة القرآن كدوي النحل، حتى إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، هرع الجميع إلى المسجد للصلاة خلف إمامهم خاشعين.

وكان المسجد قطعة من أرض المعتقل حددت معالمها ببعض الحجارة والطوب، وكان إمام مسجدنا الشيخ محمد الغزالي، الذي كان في بداية الثلاثينيات من عمره، وكان يتوقد ذكاء وحماساً وغيرة، وقد وكل إليه الإخوان قيادة المعتقلين فطالب بحقوقهم في الطعام وغيره، والذي نهبته القيادة العسكرية للمعتقل، واتفق على أن يسلم المعتقلون أنصبتهم جافة وهم يتولون طهيها وإعدادها. وبعد صلاة الفجر يكون ختام الصلاة وقراءة الأدعية والأذكار المأثورة، ثم تبدأ حلقات شرعية، مع الشيخ سيد سابق، أو مع الشيخ الغزالي، أو مع غيرهما.

ثم تبدأ التمرينات الرياضية يقوم بها الآخ محمد المهدي عاكف، فإذا ما فرغ منها حان وقت الإفطار، وبعده فترة حرة للراحة والتنظيف والتزاور.

ثم تبدأ محاضرات عامة، تعقبها مناقشات في قضايا إسلامية وثقافية متنوعة، حتى يحين وقت الظهر، فيستعد الجميع للصلاة ثم لتناول الغداء فالراحة حتى صلاة العصر، وبعدها تبدأ جولة أخرى من المحاضرات والندوات والمناقشات إلى المغرب، وبعد صلاة المغرب تأتي فترة تناول العشاء ثم صلاة العشاء، وبعدها فترة حرة قصيرة ثم ينام الجميع.

فهكذا كان يتوزع النشاط اليومي بين العبادة والثقافة والرياضة والتزاور والعمل في خدمة الجميع، ولهذا قلنا عن هذا المعتقل بلغة المزح معتقل الطور هو المخيم الدائم للإخوان المسلمين لسنة ١٩٤٩م السفر والمصاريف والإقامة والتكاليف على حساب الحكومة المصرية، وهو ما سجلته في قصيدة لي[1] حينما قلت:

 قالوا: إلى السجن، قلنا: شعبة فتحت             ليجمعونا بها في الله إخوانًا

قالوا: إلى الطور، قلنا: الطور مؤتمر                فيه نقرر ما يخشاه أعدانا 

فهو المصلى نزكي فيه أنفسنا                     وهو المصيف نقوى فيه أبدانا 

معسكر صاغنا جندًا لمعركة                         ومعهد زادنا بالحق عرفانا 

من حرموا الجمع منا فوق أربعة            ضموا الألوف بغاب الطور أسدانا

 راموه منفى وتضييقًا، فكان لنا                   بنعمة الحب والإيمان بستانا 

هذا هو الطور شاءوا أن نذوب به                 وشاء ربك أن نزداد إيمانا

المحنة الثانية: يناير ١٩٥٤م.

وكان الحل الثاني للإخوان في عهد الثورة التي آزرها الإخوان، قبل أن تقوم، وبعد أن قامت وكانوا حماة ظهرها، والمدافعين الأوائل عنها. 

كان هذا الحل في ١٣/١/١٩٥٤م، وذلك حين اصطدم طلاب الإخوان بجامعة القاهرة مع أنصار الحكومة، وكان في هذا الاجتماع الزعيم نواب صفوي زعيم حركة فدائيان إسلام في إيران، وكنت حاضرًا في هذا التجمع الكبير، ممثلًا لجامعة الأزهر، وقد أحرقت سيارة جيب لهيئة التحرير حزب الحكومة، واشتعل الموقف، واجتمع مجلس الثورة في المساء، وقرر حل الإخوان واعتقالهم أو اعتقال قياداتهم والمؤثرين فيهم، فزج بعضهم في السجن الحربي، وبعضهم في معتقل العامرية بجوار الإسكندرية. وكنت ممن اقتيد إلى هذا المعتقل أولًا، ثم نقلت مع مجموعة من الإخوة إلى السجن الحربي، ولا ندري لماذا نقلنا؟[2]

على أي حال، لقد ساءت علاقة الإخوان بالثورة، ولم يقبلوا أن يساقوا كالقطيع لتنفيذ ما يريد عبد الناصر الذي أراد أن يؤدبهم بالسجن والاعتقال، ولكن الأمور جرت على غير ما يريد وحدثت تحركات في الجيش، انتصارًا لمحمد نجيب القائد الرسمي للثورة، ومظاهرات من الشعب أشهرها مظاهرة عابدين التي قادها الشهيد عبد القادر عودة، وكانت النتيجة الإفراج عن الإخوان في أواخر مارس ١٩٥٤، وزار عبد الناصر الأستاذ حسن الهضيبي مرشد الإخوان في منزله، واعتذر له عما أصاب الإخوان واعتبر هذا مصالحة للإخوان، ولكن عبد الناصر قد بيت لهم أمرًا في نفسه حين يخرج من المأزق وينتصر في الأزمة.

المحنة الثالثة أكتوبر ١٩٥٤م.

وكانت المحنة الثالثة للإخوان بعد أشهر قليلة من تلك المصالحة، حين اشتدت قبضة عبد الناصر على زمام الأمور وتخلص من محمد نجيب، وبدأ يتفرغ للإخوان باعتقالات فردية شتى والقيام بتعذيب هؤلاء المعتقلين تعذيبًا شديدًا، دون إعلان كما فعل مع محمد المهدي عاكف وآخرين، وظلت الأزمة تشتد والموجة تعلو وتعلو حتى كانت حادثة المنشية في أكتوبر ١٩٥٤م، التي تعرض فيها ناصر لمحاولة اغتيال، وقد أثيرت شكوك وشبهات كثيرة حول هذه الحادثة، حتى من بعض رجال الثورة أنفسهم، ولكنها كانت سببًا مباشرًا لإعلان الحرب جهرة وبصورة شاملة على الإخوان، واعتقال الألوف منهم الذين سيقوا إلى السجون الحربية وغيرها، وجرت عليهم ألوان من التعذيب لم تعرفها مصر قبل ذلك. لقد أكلت السياط اللحوم، وارتوت بالدماء، وسحقت الآلات الجهنمية العظام، وسلطت الكلاب على البشر، وعلق الرجال في الزنازين وسهر عليهم زبانية العذاب ليالي طوالًا، ومات من مات تحت أدوات التعذيب، وكنت شاهد عيان في هذه المحنة كما كنت شاهداً فيما قبلها من محن إلا أن هذه المحنة فاقت كل تصور، وجاوزت كل حد. في سحق كرامة الإنسان وإهانته وإذلاله وإيلامه حسيًا ومعنويًا ولقد رأيت بعين رأسي بعض الذين ماتوا تحت العذاب، ثم لفوا في بطانية» ليدفنوا بعد ذلك في صحراء العباسية مدينة نصر الآن».

المحنة الرابعة ١٩٦٥٠م.

كانت محنة ١٩٥٤م - على قسوتها وهولها أخف وطأة من المحنة الرابعة، التي حدثت سنة ١٩٦٥م، وأعلن عنها ناصر من موسكو، وأنه سيضرب بيد من حديد ولن يرحم، وصدرت الأوامر باعتقال عشرات الألوف من الإخوان من المدن والقرى ومن كل الفئات والأعمار، وزادت هذه المحنة على سابقتها باعتقال بعض النساء، مثل الحاجة زينب الغزالي، ومن استخدام أساليب أفظع من أساليب ١٩٥٤م، بعضها يستحي الإنسان من ذكره، وقد عافاني الله من تلك المحنة، فقد كنت في قطر، ولم أنزل في ذلك الصيف إلى مصر، الأمر أراده الله، وعافية الله أوسع لنا.

ولا شك أن هذه المحن العاتية - في ظاهر أمرها - عوقت الحركة وصدت عن سبيلها وأخافت الكثيرين ممن يود الانتماء إليها، وحرمت البلاد من كفاءات مخلصة غابت عن الساحة رغمًا عنها، إما إلى الأبد بالاستشهاد أو مددًا بلغت أحيانا عشرين سنة كاملة تحت أقبية السجون أو بالقرار خارج مصر والاستقرار في بلدان شتى، كما أثرت جسميًا ونفسيًا في ألوف من المعتقلين، وعطلت كثيرًا من الطلاب عن جامعاتهم، وغيبت نشاط الإخوان العلني عن الساحة سنين غير قليلة وكان في ذلك خسارة لا شك فيها على الشعب المصري في مجموعه.

ولكن هذه المحن كانت في جوهرها وعاقبتها منحًا، كما قال الإمام الشهيد، ورب ضارة نافعة.

لقد كان فيها تمييز وتصفية وتطهير للصف من الخبيث والدخيل، وصدق الله إذ يقول: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران:۱۷۹) ولا حاجة بالحركة إلى الذين يعبدون الله على حرف، فإن أصابه خير أطمان به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولا إلى من يقول: آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.

وكان فيها تجميع وتقوية، وكما يقول جمال الدين الأفغاني: بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة فقد قوت هذه المحن الصلة بين الإخوان بعضهم وبعض، وازدادوا تعارفاً وتألفاً، وحمل القوي منهم الضعيف، وتكافلوا فيما بينهم، ولقد أثبتت تلك المحن الكبار في حياة الحركة أصالتها وثباتها وقدرتها على البقاء، واستعصاءها على التذويب والإفناء.

وسر قوتها يرجع إلى قوة الحق الذي تؤمن به وتدعو إليه، وهو الإسلام الخالد، وإلى رصيده الثابت في فطرة الشعوب المسلمة، وفي أعماق قلوبها، وعلى رأسها الشعب المصري الذي لا يحركه شيء، كما تحركه كلمة الإيمان، وإلى التربية الإسلامية المتكاملة، الطويلة المدى، العميقة الجذور، لجنود الحركة، الذين أعدهم صيام النهار، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، وممارسة الذكر والفكر والتفقه في الدين، وصفاء الأخوة في الله، ومعاناة الخشونة، والتشوق للجهاد واعتياد البذل والتضحية في سبيل الله، لتحمل كل ما يصيبهم في ذات الله، متمثلين قول ذلك الصحابي الذي وضعه المشركون على خشبة الصلب ليقتل:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا           على أي جنب كان في الله مصرعي

الهوامش

[1]  من قصيدة في ديواني نفحات ولفحات، وقد ألقيت في ميدان السيدة زينب بالقاهرة بعد خروجنا من المعتقل

[2] كنا ستة نودي علينا، ثم أخذنا، وكان البعض يظنونه إفراجاً عنا، فإذا هو نقل إلى السجن الحربي أما السنة فهم: محمود عبده عز الدين إبراهيم محمود حطيبة، محمود نفيس حمدي أحمد العسال، يوسف القرضاوي

الرابط المختصر :