; الإدارة الأمريكية الجديدة والشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان الإدارة الأمريكية الجديدة والشرق الأوسط

الكاتب محمد عبدالحميد أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

يتسلم الرئيس الأمريكي الجديد بل كلينتون سلطاته الدستورية في مستهل العام القادم في فترة من أكثر الفترات اضطرابًا تواجهها إدارة أمريكية مند بدء الحربة الباردة قبل (45) عامًا مضت، فالوضع الأمريكي الداخلي وخاصة على المستوى الاقتصادي يمر بمرحلة ركود وضعف، أما على المستوى العالمي فمما لا شك فيه أن انهيار الاتحاد السوفياتي قد أحدث فراغًا استراتيجيًا، وترك جيوبًا مضطربة تحتاج إلى جهور كبيرة لحسمها، وإعادة استقرارها، ومنع انتشارها وتوسعها لمواقع جديدة، هذا بالإضافة للضعف الاقتصادي الذي ينتاب الكثير من دول العالم، والذي ينذر إذا ما استمر وطال أمده باضطرابات على المستويين الاقتصادي والسياسي في مواقع عديدة من العالم.

إن فوز مرشح الحزب الديمقراطي بل كلنتون بالرئاسة الأمريكية كان على أرضية الوعود التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية لتحسين الوضع الاقتصادي المضعضع، وإعطائه اهتمامًا خاصًا ومركزًا.

إن مقياس نجاح وفشل الإدارة الأمريكية القادمة من وجهة نظر المواطن الأمريكي ستكون مرتبطة بشكل كبير بمدى قدرتها على تحسين الوضع الاقتصادي وانتشاله من مرحلة الركود التي يمر بها الآن، وبالتالي فإن الإدارة الجديدة ستولي الوضع الداخلي اهتمامًا خاصًا، وستصرف كثيرًا من جهودها وطاقاتها في هذا الميدان.

وينتاب بعض الأوساط الدولية مخاوف من تزايد اهتمام أمريكا بشؤونها الداخلية على حساب اهتمامها بالأوضاع الخارجية، والذي بدوره قد يفجر صراعات دولية جديدة، ويوسع حجم الصراعات الحالية، وعلى الرغم من وضوح الاهتمامات والتوجهات الداخلية للرئيس الأمريكي الجديد وإعطائها الأولوية، إلا أن الشؤون الخارجية ستفرض نفسها عليه مرغمة إياه إقامة توازن بين السياسة الداخلية والخارجية، فلم يعد في أواخر هذا القرن بالإمكان الفصل بين سياسية داخلية وأخرى خارجية لبلد ما؛ بسبب تداخل المصالح الدولية والمحلية بشكل لم يسبق له مثيل، وهذا الأمر يصبح أكثر استحالة لدولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية التي لها مصالح خارجية واسعة تلعب دورًا هامًا في المحافظة على مكانتها كدولة كبرى.

سياسية كلنتون الخارجية

ستحتل مسألة الديمقراطية أهمية خاصة عند الرئيس كلنتون، فقد أكد عليها مرارًا وتكرارًا أثناء حملته الانتخابية، بل إن العديد من كبار مستشاريه أكدوا بأن المهمة الرئيسية للولايات المتحدة على المستوى الخارجي هي إيجاد عالم أكثر ديمقراطية، ولأهمية هذه المسألة وحساسيتها ظهرت كتابات في الصحف الأمريكية الرئيسية تنذر الرئيس الجديد من مطبات ومخاطر تنفيذ مثل هذه السياسية، فهناك دول ديكتاتورية قمعية، لكنها صديقة للولايات المتحدة، فهل سيسلك الرئيس الجديد في سياسته اتجاهًا يغضب زعماء هذه الدول، ويعمل على توتير العلاقات معها؟ أم أنه سيقبل بالواقع القائم، ويتعامل معه كما تعامل معه رؤساء أمريكا السابقين؟

ثم إن هناك مسألة أخرى طرحتها الصحف الأمريكية على الرئيس الجديد، وهي: ماذا سيكون موقف الإدارة الأمريكية لو أوصلت الديمقراطية الإسلاميين لمقاليد السلطة؟ هل ستقبل بهذه النتيجة وتتعامل معها بروح إيجابية؟ أم أن الديمقراطية التي سيسعى لها كلنتون سترتكز على سياسة انتقائية؟

وللإجابة على هذه التساؤلات لا يجد المرء صعوبة باستيضاح المنحى الذي ستسلكه الإدارة الجديدة، فالمصالح الأمريكية -كما عهدنا من جميع الإدارات السابقة- ستقدم على المبادئ، فحيثما هناك تعارض بين الديمقراطية والمصلحة الأمريكية في بلد ما فإن الاعتبار الأول للمصلحة، وسيغض الطرف عن تغييب النظام لدور الشعب واحتكاره للسلطة.

المسألة الأخرى التي استأثرت على مكان هام من سياسة كلنتون الخارجية أثناء حملته الانتخابية هي مسألة حقوق الإنسان، وهذه القضية ينطبق عليها أيضًا ما انطبق على مسألة الديمقراطية.

أما ما يتعلق بالسياسية الأمريكية والمناطق الساخنة والحساسة من العالم الإسلامي، فيمكن الوقوف عليها بإيجاز:

البوسنة والهرسك

كرر بل كلنتون معارضته أثناء الحملة الانتخابية لموقف الرئيس بوش من أحداث البوسنة، وطالب باتخاذ موقف أمريكي أكثر صرامة مع حكومة الصرب، ومنعها من الاستمرار في ارتكاب المذابح ضد المسلمين هناك، من هذا المنطلق متوقع منه عند استلامه السلطة يوم 20/1/93 اتخاذ عدة اجراءات، من بينها العمل على رفع حظر بيع السلاح عن جمهوريات يوغسلافيا سابقًا، وتشديد الحصار الاقتصادي على جمهورية الصرب، والعمل على تأمين إيصال المعونات الإنسانية للمحاصرين، هذا بالطبع إذا بقي شيء اسمه جمهورية البوسنة بعد شهرين من الآن.

منطقة الخليج

لا يتوقع أي تغيير جوهري في سياسة الولايات المتحدة بإدارتها الجديدة عن سياسة الإدارات السابقة، وستتخذ مواقف حازمة ممن يعرض مصالحها للخطر، مع تركيز خاص على إيران، لقد ظهرت مؤخرًا تقارير عديدة في مختلف الصحف والمجلات الأمريكية بشكل ملفت للنظر، تتحدث جميعها عن الخطر الإيراني على أنه الخطر القادم، والذي يتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.

وكشف صحيفة الواشنطن بوست (10/11/92) النقاب عن تقارير قدمتها مؤخرًا وكالة المخابرات الأمريكية لإدارة الرئيس بوش تحذر من الخطر الإيراني على المنطقة، ويتزعم اليهود الحملة ضد إيران، فقد طلب (جوزف الفر) ضابط مخابرات إسرائيلي سابق، ويعمل حاليًا نائبًا لمركز دراسات يافا الإستراتيجي في جامعة تل أبيب، طالب كما ورد على صفحات صحيفة نيويورك تايمز (8/11/92) باتخاذ إيران على أنها العدو رقم واحد للغرب والولايات المتحدة.

وكسياسة ثابتة للولايات المتحدة ترتكز على عدم السماح بظهور أي قوة إقليمية في المنطقة تهدد مصالحها، أو تشكل خطرًا على أمن إسرائيل، فمن المتوقع تأزم الموقف بين أمريكا وإيران إذا استجاب الرئيس الجديد للضغوط الإسرائيلية وتقارير المخابرات الأمريكية.

من جهة أخرى يتوقع استمرار الرئيس الجديد في سياسة سلفه تجاه العراق، وكذلك العمل على استمرار ترابط التحالف الذي شكله الرئيس بوش في مواجهة العراق.

الصراع العربي- الإسرائيلي

تنتاب الحكومات العربية مخاوف من تصريحات كلنتون المتحيزة لإسرائيل أثناء الحملة الانتخابية، والتي تهدد -إن تم تنفيذها- مستقبل مفاوضات السلام الجارية الآن في واشنطن.

فالجميع في انتظار تسلم الرئيس الجديد لسلطاته الدستورية لاستيضاح سياسته في المنطقة، ومحاولة معرفة ما إذا كانت تصريحاته أثناء الحملة الانتخابية مجرد تصريحات دعائية لكسب أصوات اليهود، أم أنها تعبر عن قناعات ستأخذ حظها من التطبيق عند استلامه السلطة.

 لكن المؤكد أنه لن يطرأ تغيير جوهري في سياسات الإدارة الجديدة عن الإدارة السابقة، فعندما سئل بل كلنتون في مقابلة نشرتها له صحيفة «الغارديان» البريطانية يوم (4/11/92) أي بعد يوم واحد من انتخابه عن جوانب التغيير التي سيحدثها كرئيس للولايات المتحدة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، أجاب: «سوف أعمل بقوة لوقف انتشار الصواريخ الخطرة في الشرق الأوسط، وأصر على الجهود الدولية لإبقاء أسلحة الدمار الشامل بعيدة عن أيدي أقطار، مثل: إيران، العراق، سوريا، وليبيا، وسياستنا يجب أن تتضمن ليس فقط جهودًا لتقليل انتشار هذه الأسلحة، بل التأكيد أيضًا على التزامنا القوى للحفاظ على التفوق النوعي العسكري لإسرائيل على خصومها المحتملين، وكذلك فإن إدارة كلنتون سوف تتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي على أساس بقاء إسرائيل مثل أمريكا، ديمقراطية قوية ورمزًا وواحة للحرية..

ليس خافيًا من هذا التصريح أن الإدارة القادمة كسابقاتها تتعامى عن الصواريخ الإسرائيلية وأسلحتها الذرية، ولا ترى خطرًا على السلام العالمي واستقرار المنطقة إلا في أسلحة العرب وقوتهم، ومما يجدر التذكير به أن الرئيس الجديد يرى أن القدس الموحدة يجب أن تبقى عاصمة لإسرائيل، ويعترض على إقامة دولة فلسطينية، ومن هنا فإن السلام الذي يسعى له العرب تحت إشراف ورعاية الولايات المتحدة لن يكون إلا فرضًا للشروط الإسرائيلية لتحقيق ما كانت تحلم به منذ قيامها.. سلام على شروطها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

297

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1112

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان