العنوان الإرضاع الوالدي «الحلقة الثانية»
الكاتب رضوان بيطار
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981
مشاهدات 77
نشر في العدد 520
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 17-مارس-1981
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: 233).
في عدد سابق ذكرت عددًا من ميزات وحسنات الإرضاع الوالدي، والتي يعود نفعها على الطفل الرضيع من طهارة وضبط أوتوماتيكي، واعتدال في درجة حرارة الحليب، واحتوائه على مضادات للجراثيم نوعية وفعالية مضادة للفيروسات، ومثالية في التركيب، وحنان وأمان يرضعهما الطفل مع حليب أمه، وهنا أريد أن أذكر بعض ميزات وحسنات الإرضاع الوالدي التي يعود أثرها ونفعها على الأم وهي:
1- يساعد الإرضاع الوالدي على انطمار الرحم بعد الولادة (أي عودته إلى ما كان عليه قبل الحمل): فعند المرضعات يتم الانطمار بشكل أسرع منه عند غير المرضعات، حيث إن الإرضاع يهيج حلمات الثدي مما يجعل الرحم ينقبض بشكل انعكاسي ويعود إلى وضعه وحجمه قبل الحمل.
2- يكون براز الطفل الذي يرضع من ثدي أمه ذا رائحة غير مزعجة على الإطلاق، بينما يكون براز الطفل الذي على الإرضاع الصناعي ذا رائحة مزعجة كثيرًا.
3- الإرضاع سعادة كبيرة للأم حيث تضم رضيعها إلى صدرها، وتضع حلمة ثديها في فمه فيكف عن البكاء بعد إذ كان يبكي ويشبع بعد جوع، ويرتوي بعد عطش ويبتسم ويضحك بعد شبع، فيمتلأ قلب الأم بالسعادة، وتطير فرحًا وتهتز نشوة لابتسامة رضيعها وإشراقة وجهه، وينطلق لسانها بترديد كلمات تعبر فيها عن حبها له وسعادتها به، وهكذا يتبادل الطفل مع أمه المشاعر، فتعطيه الحب والود والحنان والأمان مع الحليب، ويعطيها السعادة والبهجة.
4- إن الإرضاع فيه إشباع لغريزة الأمومة في المرأة، وليس أدل على هذا من كون الإسلام قد جعل من ترضع طفلًا أمًا له من الرضاعة.
لكن إذا كان الإرضاع الوالدي له هذه الميزات والحسنات، فلماذا تلجأ كثير من السيدات في عصرنا الحاضر -بدون سبب مبرر- إلى الإرضاع الاصطناعي؟
في حقيقة الأمر إن هذا يعود إلى ثلاثة أسباب:
أولها: ظن هؤلاء النسوة أن الرضاعة تفسد قوام المرأة بزيادة السمنة وتهدل الثديين، وهذا اعتقاد خطأ ينجم عن ملاحظة بعض النساء أنه بينما هن يرضعن أطفالهن، فإن وزنهن يزداد، وينسين أن كثيرًا من النساء المرضعات لا يزداد وزنهن، وهذا يثبت أنه لا توجد علاقة سببية بين الإرضاع والسمنة على الإطلاق، وأما تهدل الثديين فيمكن تجنبه باستعمال صدرية (سوتيان) مناسبة في الحجم والشكل، لأن تهدل الثديين ينشأ عن تضخمهما في الأشهر الأخيرة من الحمل وأثناء الرضاعة بتأثير الهرمونات المسببة لإفراز الحليب، فيزداد وزنهما ويتهدلان ولكن لو استعملت السيدة -كما ذكرت آنفًا- صدرية (سوتيان) من أول الحمل وطوال فترة الإرضاع محافظة على وضعهما بين الضلع الثاني والسادس فإنها تنهي الرضاعة عند فطام الطفل وثدياها محتفظان بشكلهما وجمالهما.
السبب الثاني: ظن بعض النساء أن حليبهن مائي وغير مغذي: وحقيقة الأمر أن تركيب حليب الأم تقريبًا ثابت، وأن الأم التي تتناول كمية كافية من السوائل وغذاء متوازنًا (يحتوي على العناصر اللازمة من بروتينات وسكريات ودسم وفيتامينات معادن ...) فإن لبنها سيكون في حدوده الطبيعية، أما إذا كانت الأم تعاني من سوء تغذية (نتيجة لفقر أو جهل) أو إذا أعطي الطفل حليبًا صناعيًا فقيرًا بالبروتين، فإن الطفل يمكن أن يصاب بمرض (الكواشيركور) ويتصف هذا المرض بتأخر في النمو، وتشكل وذمة (وهي اختزان كميات من الماء تحت الجلد) والإصابة بإنتانات متكررة، وضعف في الشعور، وبعض حالات سوء التصبغ في الشعر والجلد، ولكن بدون شك فإنه في الفئات الفقيرة ذات الدخل المنخفض فإن نسبة وفيات الأطفال الذين يرضعون رضاعًا اصطناعيًا أكثر بكثير من أولئك الذين على الإرضاع الوالدي.
السبب الثالث: انخداع النساء بالدعاية للأصناف المختلفة للحليب الصناعي (كامل الدسم، غني بالفيتامينات، يحتوي على الحديد ... إلخ) وجهلهم أن حليب الأم أفضل للطفل بكثير من كل هذه الأصناف على الرغم من احتوائها على الفيتامينات والحديد، وإن هذه الحقيقة تقر وتعترف بها شركات صنع الحليب نفسها، لأنها أضحت من الحقائق العلمية المسلم بها، لذلك ترى مكتوبًا على علب الحليب العبارة التالية: (سيدتي: إن حليبك هو الأفضل لطفلك، ولكن إن كان لا بد من بديل فالأفضل هو ...) ولا يسعنا بعد كل هذا إلا أن نؤكد نداءنا للأمهات (أرضعيه ولو بماء عينك).