; الإسلاميون بين نهايات قرن وبدايات آخر | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون بين نهايات قرن وبدايات آخر

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 08-فبراير-2000

كان حصاد القرن العشرين خليطًا من خير عميم وشر مستطير، اشتبكت فيه الآلام بالآمال، والوئام بالخصام، وسط معمعة الصراع والنزاع، وفي ميادين الكفاح وإزهاق الأرواح، حيث تذبذب العقل البشري فيها بين إنجازات هائلة على صعيد التنمية والبناء والتكنولوجيا، وبين تدمير مرعب عبر حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من خمسين مليون إنسان في مهرجان دمار شامل وأعراس دماء حمراء، لا يُقدِم على مِثلها حتى المتوحشون من أكلة لحوم البشر، ولم يقتل فيها الإنسان غير أخيه الإنسان، كما لم يغز كوكبنا خلق آخرون من سكان الكواكب الأخرى، وفي حالةٍ تَرِد لم يسلم منها حتى الفكر في هذه النكسة التي سار معها بعض المثقفين ليُنَظِّر للحرب ويراها ضرورية وعملية تدافع مشروعة لابد منها لحفظ التوازن على الأرض التي عقمت برأيهم عن إشباع سكانها خبزًا.

وكانت حصة عالمنا الإسلامي من هذه الكارثة أنهاراً من دماء ودموع وعرق دفع فيها فواتير قرارات جائرة وضرائب حروب خاسرة، وتوزعته قوى استعمارية حاقدة إمتصَّت من شرايينه كل الدماء، وتركته جثة هامدة تنهشه أنياب ومخالب الغول الاستعماري المشؤوم، لتُخَلِّف له ثلاثية الجهل والفقر والمرض، ثم تبدأ معه لعبة الإستقلال - بل الاستغلال - عبر سيناريوهات جديدة، ووفق صياغات محسوبة على قد مقاسات المصالح الاستكبارية لتمتص نفطه هذه المرة، بعد أن امتصت منه الدماء، عبر مشروع معقد يتناسب وأجواء التحولات، فدخلنا تبعًا لذلك عهد الاستعمار الجديد الذي حُظِرَ فيه علينا ليس الكفاح وحمل السلاح بوجه الغزاة الطامعين فحسب، وإنما صار الكلام هو الآخر من المحظورات التي تُلصق بمن يُمارسها تُهم التآمر والعمالة والإرهاب.

وتزامن ذلك مع ولادة أيديولوجيات مدجَّجة بوسائل الإعلام وآلات الانتقام، ففشت في عالمنا الإسلامي كالوباء والويل لمن يقول لها «لا»، وتُصَوِّر للكثير من أبناء هذا العالم أنها خشبة الإنقاذ وسفينة الخلاص التي مَن تَخلَّف عنها غرق وهوى.

ولذلك رفعنا رايات الاستسلام لسدنتها الذين أوحوا لنا أن خلاصنا مرهون بالتخلِّي عن ذواتنا وهوياتنا، ولا سبيل أمامنا سوى تقليد الآخر والقوي المنتصر، وفي حالة إنبهار مُرَوِّعة مِنَّا سَوَّق إلينا الحل فارتمي بعضنا في أحضان الغرب الكافر مُستسلمًا مُنهارًا، فيما راح الآخر يُهرِّج
بشعارات الولاء للشرق الملحد ومقولاته البائسة.

وما بين الانبهار والانهيار أطبق ظلام الضياع على هذه الأمة، ولكن مشيئة السماء ووعدها بالإستخلاف والوراثة والإمامة كان وراء دبيب العافية في جسد هذا العملاق المبضع، وكانت المفاجأة حين تمخض رحم الإحباط عن وليد عنيد يدعو الأمة إلى العودة إلى الذات، ويبشر بسقوط وافد الأيديولوجيات، ويهتف وسط الجموع الحائرة أن الطريق من هنا، وأن الحل في الإسلام وفي العودة إليه، والإنطلاق من خلاله وتحت لوائه وظلاله، وكان ذلك في وقت لا يجرؤ فيه أحد على التفكير، فضلًا عن المجاهرة والكلام، كما لم يكن أحد يتصور أن هذه الصرخة المنطلقة من أجواء القهر والإحباط، ومن ضبابية التغييب والغياب سوف يسمعها أحد، أو يستجيب لها سامع.

لكن الذي حدث كان تجاوزًا لكل الحسابات والحدود، حيث كانت الاستجابة أكبر من كل الأرقام والإحصاءات، وأقوى من طوفان التحدي وتيارات التبعية والانسحاق والذوبان والاختراق إذ سرعان ما تحولت تلك الصرخة إلى زلزال هزَّ العالم الإسلامي، وغَيَّرَ معادلاته بولادة جُموع من الدعاة إلى الله تتبني التنظيم أسلوبًا للعمل والإسلام فكرًا والتزامًا وخطابًا تستجيب له كل القلوب العطشى للنور والأرواح الظامئة إلى الانبعاث والخلاص والانطلاق.

وكلنا شُهود عيان على يوميات مُنازلة حامية الوطيس بين معسكري الهدى والضلال، تحوَّلت فيه الأماني وبسرعة مذهلة إلى واقع ملموس يتحدى فيه الوليد الإسلامي ويتصدى مكتسحًا من أمام دربه كل عوائق الإحباط، ويزرع بذور الأمل بصياغة عالم جديد تسوده القِيَم الخَيِّرَة ويحكمه الصالحون، وتتلوَّن فيه الحياة بلون إسلامي رائع، إذ بدأ فرسان الصحوة الإسلامية يبرُزُون على سطح الأحداث، ويتبوءون في الواقع السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي مواقع تُوحي بكونهم قوة صاعدة واعدة، تمتلك أدوات الحوار والإنتصار، وتدعمها ثقة عالية بالله وبالنفس وبالمبادئ بعد أن تحولت من مجموعة أفكار وأخبار إلى ظاهرة تمثلت بوجودات مشهودة على الأرض عبر أنظمة حكم وتنظيمات إسلامية وصحوة شاملة وجماهير واعية، لم تُمهِلها الجاهلية الحديثة لكي تُعيد صياغة الواقع برؤية إسلامية منقذة، فعاجلتها بالعدوان والكيد والتآمر والملاحقة والحصار، ولتعلن بصفاقة وبلا تردد أو حياء أن الإسلام عَدُوُّها، وبذلك تفتح كل الساحات في مواجهة دائمة دامية يتخندق فيها أعداء الحق والحقيقة والنور في معسكر الضلال، ويحتشد فيه الأسياد الكبار والعملاء الصغار ومعهم كل أدوات الدمار وآلات القهر وآليَّات الاستكبار لمواجهة طلائع وعي وحملة نور وفرسان هداية لا يمتلكون إلا الإيمان والقيم الخَيِّرَة والإصرار على مواصلة الدرب مهما كانت التضحيات.

وتنطلق المواجهة ساخنة لا تعرف الحدود والسدود، لتتجاوز جغرافية العالم الإسلامي وتدخل في عقر دار الكفر، تتحداه وتستميل الأخيار والأحرار والباحثين عن الحقيقة هناك، ولذلك قرر الكفر العالمي إعلان الحرب الشاملة على الإسلام فكراً، والإسلاميين وجوداً، في محاولة للاستئصال والإبادة الكاملة، وبمُختلف الذرائع وبكل أساليب القمع والهلاك والإنتقام، وفي حرب طاحنة غير متكافئة كهذه التي تدور رحاها سراً وعلناً بين الإسلام والجاهلية المعاصرة.

لذا لابد للإسلاميين وهُم على بوَّابات الألفية الثالثة قراءة الواقع بكل تفاصيله ومُفرداته قراءة مسؤولة ودقيقة وموضوعية لتشخيص نقاط الضعف والقوة، وتقييم المرحلة والاستفادة من التجربة بكل ما فيها من حلاوة ومرارات وانتصارات ومعاناة لندخل القرن الجديد وبأيدينا قناديل إضاءة تكشف أخطار الطريق، ونتسلح بما يمكننا التسلُّح به من أدوات العصر وآلاته لمواجهة التحديات الكبرى المرتقبة مع ضرورة التحلي بروح ناقدة للذات نتمتع فيها بصراحة وواقعية قادرتين على تسمية الأشياء بأسمائها، وإلا فنحن غارقون في أوهام حب الذات والتمنيات، آملين أن يكون نقد الذات أو قل جلد الذات رزيناً لا يتحول إلى نقد معيق وجرح عميق أو هدم مدمِّر وكفر بالواقع وبكل ما فيه من مفردات حتى تلك التي لابد لنا منها.

عندها نضع أقدامنا على أرض الواقع وكلنا ثقة بأننا نعرف أين وكيف نقف؟ وماذا ينبغي أن نقول ونفعل؟ فنتجاوز ما أخطأنا ونُعضِّد ما أنجزنا بمُنجزات جديدة تمكننا من مقاومة عواصف لعولمة، وما تضمره لنا سنوات التحدي القادمة في القرن الجديد.

الرابط المختصر :