; الإسلام أساس للحضارة الإنسانية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام أساس للحضارة الإنسانية

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012

مشاهدات 68

نشر في العدد 2031

نشر في الصفحة 55

السبت 15-ديسمبر-2012

كل بناء حضاري يحتاج إلى أساس من فكر و ايمان، وإلى مؤمن بالفكر، يحمل هذه الروح ويشرع في بناء المجتمع، أو على الأقل يهيئ له الظروف، ليستكمله آخرون، كما لا بد أن تحشد كل الجهود من أجل ترجمة ذلك واقعًا في دنيا الناس، وهذا باختصار ما يشكل روح الحضارة.

والإسلام بجميع جوانبه أساس للحضارة الإسلامية، بل الإنسانية؛ فعقيدة الإسلام وفكره وأخلاقياته وعباداته وإيمانياته ومقاصده معالم أساسية منسجمة ومتناغمة في البناء، وأمة الإسلام هي المعنية بإقامة هذا البناء الحضاري في جميع مجالات الحياة، وعندئذ ستصبح مجددًا أمة شاهدة وقادرة على الفعل الحضاري ومؤثرة في الإطار الإنساني.

إن كلمة حضارة في أصلها اللغوي تنسحب على الإقامة في الحضر، وهي مفهوم واضح مقابل للبداوة.. وحياة الحضارة هي حياة الإنسان الذي يستعمل فكره وقدراته لترقية ذاته وأمور حياته وترقية البيئة التي يعيش فيها ولا يمكن تعريفها بأحسن من ذكر مظاهرها، ويمكن أن نقول حضارة أو تحضر بالمعنى المتقدم، وأن نقول مدنية أو تمدن بمعنى الحياة في مدينة يشيدها الإنسان ويهيئ فيها لنفسه مظاهر التحضر.

وإذا كان بعض المحدثين يعرف الحضارة بمعناها الواسع، كما فعل الأنتروبولوجي الإنجليزي تيلورE. B. Tylor)  ت 1917م( بأنها: «ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والاعتقاد والفن والأخلاق والقوانين والأعراف وكل القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع»، فإن «ابن خلدون» (ت 808هـ- 1406م)، قبل ذلك يذكر عبارة، الاجتماع الإنساني، ويقول: «إنه عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك في العمران بطبيعته من الأحوال».

بعض الباحثين يعمدوا إلى إيجاد فواصل بين مدلول كلمتي ثقافة وحضارة بحيث يجعل الأولى خاصة بالأمور المعنوية، والثانية بالأمور المادية، وقد يكون لهذا ما يبرره - من حيث اللغة - غير أن الإلحاح على مثل هذه الفواصل في مدلول كل من الكلمتين إنما يعود - من حيث الأصل - إلى ما يحيط بهما من لبس وغموض في النطاق اللغوي، وجاءت الاستعمالات الدارجة لهما عاملا يزيد في هذه التفرقة، ويعمق هذه الفواصل.

وإذا كانت الثقافة -بوجه عام- هي «العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق بها»، فإن العلوم تكثر - كما يقول ابن خلدون - حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة والسبب في ذلك أن تعليم العلم من جملة الصنائع.. والصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، ومن تشوف بفطرته إلى العلم مما نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو.. ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار.. شأن الصنائع كلها.

وإذا كانت الحضارة، كما يقول أحد الباحثين تطلق الآن - اصطلاحًا - على كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانبه ونواحيه عقلًا وخلقًا مادة وروحًا دينًا ودنيا، فهي - في إطلاقها وعمومها - قصة الإنسان في كل ما أنجزه على اختلاف العصور وتقلب الأزمان وما صورت به علائقه بالكون وما وراءه، وهي -في تخصيصها بجماعة من الجماعات أو أمة من الأمم- تراث هذه الأمة أو الجماعة على وجه الخصوص الذي يميزها عن غيرها من الجماعات والأمم.

وهي بهذا المعنى الاصطلاحي نظير المدنية التي هي في أصل الاستعمال سكنى المدن والتي تقابل الكلمة الأوروبية Civilization ، والحضارة بهذا المعنى أعم من الثقافة التي تطلق على الجانب الروحي أو الفكري من الحضارة، بينما تشمل الحضارة الجانبين الروحي والمادي أو الفكري والصناعي، وكأنما لوحظ فيها أن النشاط البشري في مختلف جوانبه ومواهبه يكون في أرقى حالاته في الحواضر والمدن.

ولقد أسقط كثير من الباحثين - من ناحية أخرى - هذا الخط النظري الفاصل بين الحضارة والثقافة في معرض الكلام عن إحداهما من حيث الدراسة التطبيقية الهادفة لا الدراسة النظرية في المصطلحات، وقد جاءت هذه الأوصاف التي أطلقت على الحضارة لديهم صالحة لأن تطلق كذلك على الثقافة.

وفي ضوء الربط الوثيق بين الثقافة والحضارة يقول أحد الباحثين: «فالثقافة إذن تعرف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته».

وهذا التعريف الشامل للثقافة، هو الذي يحدد مفهومها، فهو المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي معطيات الإنسان ومعطيات المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات، ولكن لا سبيل لعودة الثقافة إلى وظيفتها الحضارية إلا بعد تنظيف الموضوع من الحشو أو الانحراف الذي أحدثه عدم فهمنا لمفهوم «ثقافة».

والحضارة الإنسانية - كما يقول أحد الباحثين - في صدد التوجيه واحتواء الحضارة الصالحة الخيرة للجانب الثقافي: «هي مجموع المعارف العلمية والتشاريع والنظم والعادات والآداب التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخلقية والسياسية والفنية وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ، وفي بقعة من بقاع الأرض، سواء شملت شعبًا أم أكثر».

إن غاية الحضارة الارتفاع بالحياة الإنسانية، والحياة الإنسانية معقدة، كثيرة الجوانب، فإن فيها حياة فكرية عقلية، وحياة مادية عملية معاشية، وحياة نفسية خلقية، وحياة اجتماعية، إلى جانب الحياة الفردية، والحضارة الصالحة الخيرة هي التي ترتفع بهذه الجوانب كلها وتعدل بينها، فلا يظلم جانب منها جانبًا آخر ولا ينمو واحد ويضمر آخر، ولا يأتي هذا إلا في ظل الحضارة الإسلامية .

(*) أستاذ الحديث وعلومه.

الرابط المختصر :