العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 788
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
1- طبيعة الإسلام
إن الدارس للإسلام من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم
وتفسير الفقهاء لهما، يجد أن الإسلام يختلف في طبيعته عن باقي الأديان الأخرى؛ فبينما
تقتصر الأديان -غير الإسلام- على تقرير أمور العقيدة والعبادة والأخلاق، تتسع دائرة
الإسلام حتى تشتمل إضافة إلى ذلك القوانين المنظمة للدولة، والقوانين المنظمة لعلاقة
الفرد بالفرد، ولعلاقة الفرد بالدولة، ولعلاقة الدولة بالدول الأخرى.
بل إن الإسلام لا يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بالإنسان فحسب، بل ينظم أيضًا
علاقة الإنسان بالكون بما فيه من حيوان ونبات وجماد، فيعلم المسلم كيف يتعامل مع الحيوان،
فلا يقتل غير المؤذي منه، ولا يقتل إلا لمأكله، وليكن رحيمًا حين ذبحه، ولا يحمله من
العمل ما لا يطيق، و... إلخ.
ويعلم كيف يتعامل مع النبات، يغرسه، يرعاه، ويحسن استثماره. ويعلمه كيف يتعامل
مع الجماد، مع الظل، والمياه، والطرقات، و... إلخ.
وهذا التنظيم يُعد بحق أرقى ما شهدته الإنسانية على الصعيدين النظري والعملي،
ولا أدل على ذلك من ذلك التقرير الذي وضعته شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق
المقارنة في مؤتمرها المنعقد في باريس عام 1951 تحت اسم «أسبوع الفقه الإسلامي»، حيث
جاء فيه: «إن اختلاف المذاهب الفقهية الإسلامية في هذه المجموعة القانونية العظمى ينطوي
على ثورة من المفاهيم والمعلومات ومن الأصول القانونية هي مناط الإعجاب، وبها يتمكن
الفقه الإسلامي أن يستجيب لمطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها». وهذا القرار
هو غيض من فيض من القرارات المماثلة الصادرة عن المجامع والمؤتمرات الدولية.
2- العلم في وادٍ والسياسة في وادٍ آخر
ورغم أن المؤتمرات والمجامع الدولية لم تفصح إلا عن الحقيقة عندما أعلنت أن التشريع
الإسلامي هو التشريع الأمثل للإنسان المعاصر وللحضارة المعاصرة، إلا أن هذه الحقيقة
اعتبرها السياسيون -أو على الأصح الكثير من السياسيين- المسمار المؤثر الذي يدق في
نعش السياسة المعاصرة مع كل ما تحتضنه من أنظمة وأشخاص ومصالح، لأن الشعوب بعامة لن
ترضى -عندما تستيقظ على هذه الحقيقة- أن تحكم بغير نظام الإسلام الذي يحترم الإنسان،
ويؤمن مصالحه العادلة، ويرفع الضيم والظلم عنه ويحفظ عليه كرامته، ويحثه للسير قدمًا
في طريق العلم والحضارة.
ولأن الشعوب الإسلامية بخاصة ترفض رفضًا قاطعًا أن تكون لأية جهة كافرة أية ولاية
عليها بعد أن ثبت لها أنها لا تريد بها الخير فقط، بل ترفض أن يكون لأية جهة كافرة
ولاية على أي مسلم تخطط له، وتسيره كيف تشاء، فضلًا عن أن تكون لها الولاية على أقطار
أو شعوب مسلمة، فالله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الممتحنة: 1). ورسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ولاية لكافر على مسلم». وهذا يعني -على الأقل- أن
الإسلام من أكبر الأخطار التي تواجهها المصالح الاستعمارية.
3- حقيقة الاستعمار
رغم ما توحيه كلمة «استعمار» من الخير، إذ هي تعني: إعمار الأقطار بالخيرات،
وهو ما أرادته عصبة الأمم المتحدة -حسب إعلانها الرسمي- إلا أن التطبيق العملي له كان
باستيلاء دولة غنية قوية على أراضي دولة فقيرة ضعيفة والتحكم في شعبها وإذلاله، ونقل
خيرات هذا القطر إلى بلادها، وهكذا أصبح القوي يعيش على حساب الضعيف.
إلا أن حركات الرفض والمقاومة التي قامت بها هذه الشعوب الفقيرة المسحوقة، وتصدي
الدولة المستعمرة لهذه الحركات بمنتهى العنف، جعل الدول المستعمرة تعيد النظر في أسلوب
الاستعمار مع الإبقاء على حقيقته.
وكان الأسلوب الجديد التي انتهجته هو سحب جيوشها من هذه البلاد، لتخلف فيها أحدًا
من أعوانها يحكمها بقوانين وأنظمة تضمن للدول الاستعمارية استمرار انتفاعها بخيرات
تلك البلاد، وكان هذا هو الشكل الجديد للاستعمار، وعلى هذا فليس الاستعمار في نظر الإسلام
حكم شعب من قبل شخص أجنبي عنه، ولكن الاستعمار هو حكم الشعب بغير مبادئه.
4- الخوف من الإسلام
إن إعلان المؤتمرات الدولية أن الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية هما ما تتطلع
إليه الإنسانية في حضارتها المعاصرة، جعل الكثير من حناجر مفكري الغرب وسياسييه تطلق
صيحات الذعر من الإسلام، فهذا فلورنس براون يرى أن الإسلام لا يقبل المساومة على مصالح
المسلمين ولا على خيرات بلادهم، ولذلك فإن الذين يدينون به سيكونون السد المنيع في
وجه الاستعمار الغربي، حيث يقول: «لقد كنا نخوَّف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار
لم نجد مبررًا لمثل هذا الخوف، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي، وبالخطر الأصفر،
وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا الخوف كله لم نجده كما تخيلناه لأننا وجدنا اليهود أصدقاء
لنا. وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة أصدقاء لنا أثناء
الحرب العالمية الثانية، أما الشعوب الصفراء فإن هناك دولًا ديمقراطية كبرى تتكفل بمقاومتها،
ولكن الخطر الحقيقي كامن في المسلمين وفي قدرتهم على التوسع والإخضاع، وفي الحيوية
المدهشة العنيفة التي يملكونها، إنهم السد الوحيد في وجه الاستعمار الغربي».
وما رآه فلورنس براون رآه فيليب فوندانسي رئيس المكتب الخامس الفرنسي في تقريره
السري الذي تضمن دراسته فائقة الأهمية عن المسلمين في الجزائر، والذي ترجم فيما بعد
وطبع باسم «الاستعمار الفرنسي في إفريقيا السوداء».
إنه يرى أن الإسلام هو السد الذي يقف في وجه سيطرة فرنسا على الجزائر، وهو في
الوقت نفسه الخطر الداهم الذي يهددها ويهدد كل أنظمة العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية،
إذ يقول فيليب فوندانسي في تقريره:
«إن كان بيننا وبين السمر -يريد
المسلمين- هوة، فإن سبب هذه الهوة هو الإسلام، وإذا أردنا الوصول إلى بعضنا، فلابد
من ردم هذه الهوة».
ثم يقول: «... إن فرنسا تعتبر الشيوعية خطرًا عليها، ولكن أؤكد أن الإسلام هو
الخطر الداهم على الشيوعية والرأسمالية في آن واحد».
وهذه النتيجة هي نفسها التي وصل إليها السياسي البريطاني غلادسون إذ يقول: «مادام
هذا القرآن الذي يحمله المسلمون موجودًا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا
أن تكون أوروبا نفسها في أمان».
أما جورج سارتون الأميركي فإنه يرى في كتابه «حضانة الشرق الأوسط للثقافة الغربية»
أن الإسلام يحمل بين طياته كل مؤهلات القيادة والحكم، فليس ما يمنع أن يقود المسلمون
العالم بمبادئهم في الوقت القريب، حيث يقول: «إن المآثر التي قامت بها الشعوب الإسلامية
بين القرنين التاسع والثاني عشر كانت عظيمة إلى درجة تحمل أفهامنا، وإن شعوب الشرق
الأوسط سبق لها أن قادت العالم في مرحلة طوال ألف عام على الأقل، قبل أيام اليونان،
وفي العصور الوسطى (في ظل الإسلام) لمدة أربعة قرون، وليس ثمة ما يمنع تلك الشعوب من
أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد».
إن هذا الخوف من الإسلام جعل جميع القوى المهزوزة فكريًّا وسياسيًّا، بل وحتى
القوى الشامخة سياسيًّا ولكنها مهددة بالاهتزاز السياسي، جعل هذه القوى على اختلاف
مشاربها واتجاهاتها تتكاتف فيما بينها للقضاء على الإسلام.
أما كيف اجتمعت كل تلك القوى -على اختلاف مشاربها واتجاهاتها- وكيف اتفقت على
اختلاف مصالحها على وجوب القضاء على الإسلام والتخطيط المحكم الدقيق لتحقيق هذا القضاء،
فهذا ما سنراه في المقالات القادمة إن شاء الله.
وإلى اللقاء في المقال القادم
وسيكون موضوعه: «مخطط القضاء على الإسلام»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل