العنوان الإسلام في الغرب.. المخاوف والواقع
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 61
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
● د. القرضاوي: الحضارة الإسلامية كانت حضارة تنوع وشاركت فيها أقليات عرقية ودينية ولم تمنع أصحاب الديانات الأخرى من ممارسة شعائرهم على حين تمنع فرنسا الحجاب.
● المفكر الفرنسي فرانسيس الامان: الإسلام يطرح حلولا لنقائص الغرب وأمراضه والإسلام لا يحتاج للدفاع عن نفسه لأنه دين وفي لقيمه الأساسية.
رئيس إذاعة المغرب العربي ليس للمسلمين في الغرب مشاكل إلا مع من يريدون إقصاءهم واستخدامهم كورقة سياسية في الانتخابات الإثارة المجتمع ضدهم
● ميشال رونار : الكراهية للإسلام في فرنسا تعود إلى ضغينة كاثولوكية قديمة
● جون بوبيرو : مفهوم العلمانية فرانكفوني الأصل وقد نتج عن فكرة الإصلاح الديني في الغرب.
نظم مركز الدراسات المعاصرة برئاسة عبد الله بن منصور الأمين العام لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا بالتعاون مع إذاعة المغرب العربي ندوة في باريس هي الأولى من نوعها تتعلق بعلاقة الإسلام بالغرب وبالمخاوف التي يمكن أن تثيرها تواجد جاليات إسلامية في العالم الغربي وذلك يومي ۱۲ و ۱۳ أكتوبر الماضي وتناولت الندوة محورين أساسيين تعلق المحور الأول بفلسفة الإسلام وخصائصه العامة كمدخل أو إطار نظري لفهم الإشكاليات الناتجة عن الحضور الإسلامي في الغرب والتي تناولتها المداخلات في المحور الثاني وعلى راسها علاقة الإسلام بالعلمانية، وكذلك مختلف الأوضاع القانونية للجاليات الإسلامية في أوربا وأمريكا وخاصة ما يتعلق بالمسائل التعليمية والمشاركة الاقتصادية والسياسية وغيرها من الإشكاليات المرتبطة بموضوع الاندماج في المجتمعات غير الإسلامية.وتتمثل أهمية هذه الندوة في أنها: تتزامن مع حملة واسعة النطاق على مظاهر الصحوة الإسلامية، والحجاب بصفة خاصة، وكذلك من حيث محتواها تطرح إشكاليات. جد عميقة حول الفكر الإسلامي وعلاقته بالأطروحات الغربية من علمانية ونظرة مادية للحياة والإنسان والنظرة للآخر.
● ضرورة تصور جديد للحضور الإسلامي في الغرب:
بعد تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم افتتح السيد عبد الله بن منصور - رئيس مركز الدراسات المعاصرة والأمين العام لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا - الكلمة بقوله: "الإسلام اليوم في قلب الأحداث الآنية ويصنع الحدث"، ثم تعرض إلى التخوفات في الخطاب الغربي الخاص بالإسلام والتي تعمقت من جراء أحداث الخليج والجزائر وتجلى ذلك في مسألتي الحجاب والصحوة الإسلامية في الضواحي إلى حد الحديث عن احتمال تعبئة الشباب الإسلامي المولودين في الأحياء الصعبة من طرف بعض المنظمات النشطة، أو خطر ازدواجية الولاء بل الانتماء إلى الطابور الخامس. وأوضح بأن الهدف من هذه الندوة هو إثارة حوار بين المختصين المسلمين والغربيين بعيدا عن النظرة المتحاملة وغير الموضوعية التي تقدمها وسائل الإعلام والتي أعادت لأذهان المحللين الأفكار القديمة حول الخلط بين الروحي والدنيوي وتعارض الإسلام مع العلمانية ووقوفه أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية.أما عبد الرحمن دحمان - رئيس إذاعة المغرب العربي - فقد أكد بأن الجالية الإسلامية في فرنسا رصينة ومندمجة ومحترمة القوانين الجمهورية وليس لها مشاكل سوى مع من يريدون إقصاءها، واستنكر الاستخدام المستمر للجالية كورقة سياسية في كل موعد انتخابي واستغرب من يقولون بعدم قابلية الاندماج لدى هذه الجالية في الوقت الذي أثبت فيه الإسلام أنه حضارة عالمية.ثم تناول الكلمة الدكتور الحاج التهامي ابریز - رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا - واعتبر أن هذه الندوة حدث كبير في العلاقات بين الإسلام والغرب، بالنظر إلى مساهمتها في إقامة حوار من أجل إزالة الجهل وعدم الفهم كمصدرين للتوتر والحذر بين العالمين الإسلامي والغربي ويرى أن الحضور الإسلامي في الغرب يسهم في الربط بين العالمين مشيرا إلى أن المسلمين في أوروبا وفى فرنسا على وجه الخصوص أصبحوا جزءا من المجتمعات الغربية ولا يهدفون إلى فرض نمط ثقافي معين أو الخروج عن القوانين وإنما يطالبون بحقوقهم في إطار فلسفة العلمانية المحايدة، وأكد بأن للمسلمين القدرة على التكيف بما يساعد على الاندماج الإيجابي على الحوار الإسلامي المسيحي كعامل تقارب، ودعا المثقفين إلى دفع الجهود نحو التعايش المتواصل والأخذ بعين الاعتبار البعدين الروحي والمادي.
● صادق سلام: الأخلاقية الإسلامية عامل هام من عوامل الاندماج الإيجابي:
وتحدث البروفيسور الصادق سلام - وهو مفكر جزائري وأستاذ جامعي في فرنسا من أصل جزائري مهتم بالشئون الإسلامية - عن النظرية الخلقية في الإسلام، وأوضح أن بعض القيم الخلقية الإسلامية تجد أثارها حتى ما قبل الإسلام حيث كانت يتم العرض والحلم والحماسة والمروءة تتناقلها أدبيات العصر الجاهلي وبذلك يكون الإسلام قد هضم فضائل ومكارم الأخلاق للعصور التي سبقته. وتعرض إلى مركزية الإنسان وخلقه في أحسن تقويم كما نص على ذلك القرآن الكريم، مما يؤكد الإنسانية الدينية في الدين الإسلامي من خلال وضع علاقات قائمة على الأخلاق في التعامل مع الخالق ومع الناس مسلمين وغير مسلمين، ويتربى المسلمون منذ صغرهم على مكارم الأخلاق ويعتبر كتاب ابن مسكويه تهذيب الأخلاق من أهم الكتب في فلسفة الأخلاق واستفاد منه الغزالي في كتاب ميزان العمل، وكذلك كتاب الحكمة الخالدة لابن مسكويه المستفيد من الفلسفة اليونانية وغيرها وهو أمر يقر انفتاح المسلمين في العصر الحاضر على الثقافات والحضارات الأخرى وإدماجهم لعطاءات حضارية غير مسلمة يستفيد منها الإسلام في فرنسا والغرب وكذلك إمكانية الاستفادة من نظامي الحسبة والفتوة في تنظيم شئون الإسلام في بلاد الغرب وفى الاعتناء بالشباب الذي يعيش في الأحياء الصعبة.
● فرانسيس لامان: الإسلام وفيٌّ لقيمه القدسية الأساسية وحل لمشاكل الغرب:
من ناحيته تحدث فرانسيس لامان رئيس جمعية الإسلام والغرب في فرنسا وداعية التعارف بين العالمين العربي والإسلامي عن القيم الإسلامية، وركز على ثلاث قيم تساعد على الحوار بين الإسلام والغرب، وأولى هذه القيم القدسية التي يعبر عنها الإسلام في مجموعة من أنماط السلوك وفي مسار فريد من نوعه يقوم على التفريق بين ما هو دنيوي وما هو مقدس على عكس الغرب واعتبر أن قيمة العفة مثلا من خصوصيات السلوك الإسلامي الفردي والجماعي معرجاً ضمنياً على قضية الحجاب التي ينظر إليها الغرب من منظور سياسي وليس من باب الوفاء للقيم الدينية.ويرى لامان أن الإسلام لا يحتاج إلى الدفاع عن نفسه حتى وإن كان مهاجمًا لأنه على مستوى القيم أثبت أنه بقى وفيا لقيمة أساسية وهي القدسية، وهذه القيمة توضح طبيعة الإسلام كنظام شامل ترتبط فيه القيم بالهوية، كما أنها تدعو الغرب إلى إعادة النظر في تأويله للعلامات الإسلامية.أما القيمة الثانية فهي الحس الجماعي فالإسلام دين جماعي على المستوى الأيديولوجي وتنظيم المجتمع، والمجموعة تعنى وفاء وعمل يقوم على الانتماء العميق لهذه المجموعة والعمل الصالح لفائدتها فالمصلحة العامة هي هدف الإسلام مما يوافق الشعور المدني الذي يدعو إليه الغرب.والقيمة الثالثة هي المعيارية التي تنظم توجه أبناء الأمة نحو القاعدة الأخلاقية فلا هياكل اجتماعية بدون نظام عام ولا نظاماً عاماً بدون إجماع عناصر الأمة أي سلطة القانون المطبقة على الجميع.من هنا يؤكد "لامان"، أن الإسلام يسائل الغرب في هذا الوقت وأكثر من أي وقت مضى بل ويطرح حلولا لنقائصه وأمراضه لأن علمنة الغرب أدت إلى انفصام التوجيه الأخلاقي عن القاعدة الأخلاقية والأمر الإلهي من القاعدة الأخلاقية.وفي الإسلام تم الحفاظ على الأمر الإلهي بالحفاظ على المقدسات وبقي هذا الدين ذا بعد واحد يجمع بين المعيارية والمقدس في الشريعة فلا انحراف في الإسلام حيث يعتبر أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعا بل ذهب الأمان، إلى أنه يجب أن يكون الإسلام مستشار الغرب والمصدر الذي يتلقى منه هذا الأخير تعاليمه علما بأن لأمان يناضل منذ ١٧ سنة من أجل حوار بين الإسلام والغرب
● أسامة خليل: عودة للأصولية الإسلامية ذات النزعة الإنسانية:
ثم تناول البروفيسور أسامة خليل أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعات الفرنسية في مداخلته النزعة الإنسانية الإسلامية، وبعد تعريفه لمفهوم الإنسانية تعرض إلى النموذج العربي - الإسلامي في عصر الإحياء الأوربي وقال هناك إجماع حول تحديد الحركة الإنسانية جغرافيا في أوربا الغربية وحصرها في تاريخ الوعي الأوروبي باعتبارها ظاهرة خاصة لم تعرفها الحضارات الشرقية بل وتستحيل عليها. لكن عبد الرحمن بدوي تصدى لتصحيح هذه الفكرة في كتابه النزعة الإنسانية في الفكر العربي، ويعتبر ظهور الإسلام في الجزيرة العربية صيف الثقافة الإنسانية ومرحلة رشدها، وحدد سمات النزعة الإنسانية الأربعة كالتالي: مركزية الإنسان وعلاقته الحميمة بالطبيعة، وتمجيد العقل والتأكيد على فكرة التقدم العلمي وموقعها في الفكر الإسلامي - العربي، فالنموذج الثقافي العربي أرقى حصيلة متوفرة تمثلها رواد الحركة الإحيائية في أوروبا، ومن خصائص ومعالم النزعة الإنسانية الإسلامية التركيز على كرامة الإنسان وتحديده لمصيره بنفسه، واستشهد المحاضر بتفسير سيد قطب فيما يتعلق بعهد الاستخلاف في الأرض بصفته الأصل المرجعي الذي يتأسس عليه مشروع الخلافة الدهرية للإنسان في هذه الأرض.
وقال أسامة خليل: «نحن أيضا نشاهد النموذج الإنساني الغربي ونريد أن نلتف حول واقعنا الراهن وأن نستأنف الاتصال بأصولنا ومصادرنا الإسلامية الإنسانية العميقة، هذه هي الأصولية الإسلامية ذات النزعة الإنسانية التي هي. مشروع إنساني ورسالة إحيائية حضارية تبدأ بالفك الجديد لما عسى أن تكون شفرة لغتنا العربية في مفرداتها ونحوها وصرفها وأساليبها وفنونها وما عسى أن يكون منطق الفكر العربي وخصائص الدعوة الإسلامية وواقع تداخل الإضافات أو المساهمات أو الفضول القومية مع المبادئ الكلية الشاملة للأممية الإسلامية وما عسى أن تكون حقيقة التآخذ في هذا الإطار بين الإسلام والمسيحية واليهودية وغيرها من الدعوات التي تنتسب إلى نفس الأصول الإنسانية الكتابية التي تأسس عليها العمران البشري والتي نسميها بأصول العهد الدهري المقدس ببعديه الرأسي اللاهوتي والأفقي الاجتماعي الحضاري هذا العهد الذي عقده الله مع البشرية في إطار المشروع الزماني لخلافة الإنسان على الأرض ممثلة في الأنبياء والرسل باعتبارهم أصول وفروع أو بالأحرى نماذج بشرية تتجسد فيها أصول هذا العهد أو الميثاق على مدى دورات إقامة هذا العهد وتجديده عبر تاريخ التفاضل والتكامل بين الجماعات البشرية من أجل تحقيقه وإتمامه. ودعا إلى الاستفادة من التجارب البشرية في إقامة مشروع إسلامي ذي نزعة إنسانية.
● جون بول شارني: حل إشكالات العلاقة بين القيم والقوانين الفقهية:
ثم تحدث جون بول شارني - أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة السوربون - عن القيم والمعايير أو القواعد الإسلامية، وأوضح بأن الإسلام مثل بقية الأديان والحضارات الكبرى يعطى أهمية كبرى للإنسان لكنه يرى بأن الإسلام ليس ثيوقراطية وإنما لوغوغراسيا، أي يمكن للفرد المسلم أن يتلقى التعاليم مباشرة من كتاب الله دون وسيط كما أشار إلى خاصية الصوفية الشرعية، ويرى وجود بعض مظاهر القطيعة بين القيم أو المبادئ من جهة وبين القوانين وصعوبة تأويل بعض هذه الأخيرة والاكتفاء بتفسيرها وتساءل هل أن الوضع القانوني يندرج في إطار العقيدة أم الثقافة والاجتماع أي مجموعة من الصياغات الفقهية المتطورة.ويعتبر أن بعض الصدمات التي يعيشها المسلمون تعود إلى عدم حل مثل هذه الإشكاليات مثل الصدمات التي يعيشها الغربيون باعتبار أن الحداثة ليست سوى نموذجا للغربية المركزية. ودعا المسلمين إلى التفكير في نوعية الخطاب الصادر عن بعض المسلمين الذين يمجدون قوانينهم بما يسبب حواجز نفسية لدى الطرف الآخر فيشعر المسلمون بكراهية الآخرين لهم.
● الدكتور القرضاوي: سماحة الإسلام مع المخالفين مقابل تعصب علماني ضد المسلمين:
وتحدث الدكتور يوسف القرضاوي - مدير معهد السنة والسيرة في قطر - عن الخصائص العامة للإسلام التي تعرض إليها في كتابات عديدة ومنها ربانية الدين الإسلامي من حيث المصدر والغاية أو الوجهة. والأخلاقية في الحياة والسلوك، والعالمية في طبيعة الرسالة الإسلامية والتسامح مع المخالفين وخصوصا مع أهل الكتاب مما يفسر أن الحضارة الإسلامية.. كانت حضارة تنوع وشاركت فيها أقليات عرقية ودينية والعمل أو القسط.وبين الدكتور القرضاوي أن من سماحة الإسلام عدم منع أصحاب الديانات الأخرى من ممارسة شعائر دينهم معرجا على منع المحجبات من الدراسة في فرنسا وقارن بين هذه الممارسة وفلسفة الإسلام التي يصل إلى درجة التسامح مع المخالفين فيما يبيحه لهم دينهم ويحرمه الإسلام مثل شرب الخمر وأكل لحم الخنزير انطلاقا من مبدأ عدم التضييق عليهم فيما يدينون به، وكذلك خاصية الواقعية في التعامل مع طبيعة الإنسان المركبة.وفي مداخلة ثانية تناول الدكتور القرضاوي العلاقة بين الإسلام والعلمانية فذكر بأن هذه الأخيرة إذا كانت تعني الاهتمام بشئون الدين والدنيا وبالعقل فهي مقبولة، أما إذا كانت - كما ينادى بها اليوم - تعني الدنيا على حساب الآخرة والعقل على حساب الوحي، والعلم على حساب الإيمان، وعزل الدين عن وظيفته في المجتمع وحصره في المسائل الشخصية فهي مرفوضة باعتبار أن الدين عقيدة وشريعة في نفس الوقت مشيرا إلى أن المسلمين في المجتمعات غير الإسلامية مطالبون بتحكيم الشريعة في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية فقط…ودعا الفرنسيين إلى تجاوز الحواجز النفسية وعقدة الحروب الصليبية واحترام حرية التدين للمسلمين المقيمين في فرنسا وبالخصوص مسألة الحجاب الذي لا يعتبر رمزا، وإنما أمراً دينيا كما دعا إلى الاعتراف بقدر من التنوع الثقافي.
● جورجان نيلسون المتغيرات في المحيط البشري هي التحدي الأكبر للأديان:
وتعلق المحور الثاني بعلاقة الإسلام بالدنيوة Secularity التي تختلف عن العلمانية، كما وضح الأستاذ "بول بالتا" الصحفي بجريدة لومند الفرنسية والكاتب المتخصص في شئون العالم الإسلامي الذي عاش في مصر ويعتبر أن في الغرب وفي فرنسا على وجه الخصوص توجد أصولية علمانية.وتحدث جورجان نيلسون - المفكر البريطاني والأستاذ بمعهد دراسات الشرق الأوسط في لندن - عن نقل العقيدة إلى الأوساط المعلمنة، الذي يختلف حاليا عن الأسلوب الماضي، وقارن بين المفهوم الدنيوي والمفهوم العلماني لمسألة الدين، واعتمد مفهوما أوسع يرتبط بنمط تشكيل المجتمع على قواعد وأسس مشتقة من هذا العالم والدين ليس سوى عنصر من هذا الواقع والفضاء الديني يصبح مكونا من مكونات الفضاء الدنيوي.
ويؤكد نيلسون أن التقليد الإبراهيمي يلتقي حول طرق تصور العلاقة بين الله والإنسانية عبر التاريخ، ويرى بأن عناصر ثلاثة يتمحور حولها النقاش وهي مسألة الإيمان أو العقيدة والأخلاق والطقوس الدينية والعلاقة بين هذه العناصر وطرح أيضا مسألة كيفية اعتراف مجتمع ما بالعقيدة، والإسلام يعترف بوجود فرق بين المسلمين والمؤمنين ولكن الضغوط الاجتماعية تؤكد أحيانا نوعا من النفاق والازدواجية في السلوك الإظهار مزيد من التدين.ويعتقد نيلسون أن التحدي الكبير للأديان هو التغييرات المهمة في المحيط البشري على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خاصة خلال القرن العشرين الذي شهد صراعات وحروب وتحولات ثورية سريعة وانتجت الحداثة شروخا في مركزية المجموعة المحلية وأوجدت علاقة مباشرة بين الفرد والإدارة المركزية العليا وانقسمت المجموعة إلى مجموعات صغيرة مستقلة وقويت شوكة الدولة وسلطتها فعرفت أوروبا تطرفا من الجهتين الستالينية والنازية من جهة والفردية الليبرالية من جهة أخرى مشجعة بتطور التكنولوجيا، والدنيوة هي جزء من هذا المسار وسبب أكثر منها نتيجة، وبالتالي يمثل المسار عائقا لنقل العقيدة.والمجتمعات الغربية التي أقامت فيها الجاليات الإسلامية تعترف بالدين كمكون لها والعقيدة جزء منه لكن التكنولوجيا والتطورات التي شهدتها فتتت العائلة، وتبقى التربية سواء من البداغوجيا أو المؤسسات هي الوسائل الأساسية لنقل العقيدة لكن هناك خللا في الطرق التي تتم بها التربية الدينية بالتركيز على محاولة التفسير والمنهجية الإبراهيمية في الإقناع بالربوبية.
● جون بوبيرو ونشأة العلمانية:
وتغيب جون بوبيرو - المفكر الفرنسي المختص في العلمانية - وتمت قراءة تلخيص محاضرة حول نشأة مفهوم العلمانية في الغرب»، قدمها في إسطنبول بتركيا، وجاء في هذه المحاضرة أن كلمة علمانية فرانكفونية الأصل، وقد نتج عن فكرة الإصلاح الديني في الغرب مسار معلمن دنيوي في البلدان البروتستانتية بالخصوص والفصل بين الكنيسة والدولة في أمريكا، أما في فرنسا فقد كان المسار أكثر صراعا حيث أقيمت إجراءات - علمانية (مثل الزواج ....) لكنه سعى إلى دفع الكاثوليكية والعقائد الثورية إلى لعب دور أديان مدنية، وحاول بونابرت التوفيق بين النظامين، لكن الصراع أدى إلى إقامة دين مدني جمهوري والعلمانية في التعليم ثم في الدستور مرورا بالفصل بين الكنيسة والدولة ولم تفد الاتفاقيات المشتركة في إنهاء التوتر بين الطرفين خاصة في التعليم، وهناك تعدد في الوضعيات حاليا في مختلف الدول الغربية.
● ميشال رونار: محاولة فرض تصور علماني على المسلمين:
وتحدث البروفيسور ميشال رونار - أستاذ العلوم السياسية وأحد المسئولين في إذاعة المغرب العربي في باريس - عن العلمانية وإعادة الأسلحة والنزعة الطائفية، وأشار إلى أن الكراهية للإسلام في فرنسا لا يبررها ديناميكية الدين الإسلامي، ولا وجود جالية مسلمة مقيمة على أرضها، وإنما تعود إلى ضغينة كاثوليكية جد قديمة تجد صداها في خطب الجبهة الوطنية ذات النزعة العنصرية بزعامة لوبان فيما يتعلق بانكماش الهوية في هذا البلد، ويضيف بأن هذه الكراهية موجودة حاليا في الخطاب السياسي والإعلامي بشكل يتمحور حول عجز الإسلام عن الاندماج في المجتمع الفرنسي لتناقضه مع العلمانية وهناك مبرران لذلك إعادة الأسلمة حتى في صفوف الشباب، وكذلك العقلية الجماعية الطائفية.
● من هنا جاءت قضية الحجاب:
وأعطى المحاضر أمثلة في وسائل الإعلام وبعض الكتابات مثل ما جاء في طرح جيل كيبال الذي يرى بأن الاندماج يقتضي هدم المنطق الجماعي ويحذر من الأسلمة من القاعدة، وأشار المحاضر إلى أن بعض الدراسات التي يدعي أصحابها أنها أكاديمية وعلمية ليست سوى تقارير بوليسية وإلى وجود تركيبة مصطنعة مجردة غير واقعية تضع العلمانية والتمسك بالهوية الإسلامية وجها لوجه، وفسر المحاضر إعادة الأسلمة بمطلب الاعتراف الجماعي وفند التوجه أو النزعة الطائفية لدى الجالية باعتبارها تشهد انقسامات وخلافات داخلية، وتساءل لماذا نطالب المسلمين في فرنسا بالاقتناع وتبني العلمانية أكثر من الأديان الأخرى؟ في حين توجد العديد من المدارس الخاصة ويقوم رجال دين يهود ومسيحيين بتصريحات بعيدة عن العلمانية ولا يعاقب أصحابها.وعلق "بول بالتا" في إطار نفس الطرح الذي تقدم به المحاضر السابق بأن هناك جهلاً كبيرا بالإسلام في صفوف الطلبة والنخبة المثقفة في فرنسا بسبب غياب الفكر والحضارة الإسلاميين عن البرامج التعليمية مما يرسخ الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين.