العنوان الإسلام في نيجيريا في خطر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1977
مشاهدات 88
نشر في العدد 344
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 05-أبريل-1977
• المسلمون في نيجيريا تقترب نسبتهم من ٧٠ ٪ من مجموع السكان الذين يزيد عددهم عن ٧٥ مليون نسمة ويتوقع خبراء الدراسات السكانية أن يزيد على هذا الرقم في حالة إجراء تعداد جديد للسكان حيث تعتمد الأرقام الأخيرة على نتائج الحصر بالعينة التي أجريت في سنوات سابقة.. وإذا أردنا أن نعرف خلفية عن وجود الإسلام في هذه المناطق فإننا يمكن أن نرجع إلى أهم المراجع التي تناقش وصول الإسلام إلى هذه الأماكن من غرب أفريقيا وأشهر من تناولوا هذه الموضوعات الدكتور ترمنجهام والدكتور ديشان والدكتور بليدن من علماء الغرب والدكتور حسن أحمد محمود أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة وهم يقولون في تفسير اندماج سكان هذه المناطق مع الإسلام إن ظروفًا كتبت للإسلام أن ينتشر بين الأفريقيين على نطاق واسع حتى أصبح الإسلام بحق دين الأفريقيين، والإسلام باستثناء الفورات العسكرية التي حفل بها القرن التاسع عشر لم يفرض على الشعوب الوثنية فرضًا ولم يفرض في ظل حكم أجنبي استعماري وإنما حمله قوم من أهل أفريقيا نفسها، قوم اتخذوا صفة التجار أو المعلمين ولم يكن غريبًا أن يلقى قبولًا منهم فهو في نظرهم دين أفريقي غير دخيل.
والإسلام لم يستعبد هذه الشعوب وإنما أشعرها العزة والكرامة وقوى فيها النزعة إلى الحرية والاستقلال ولم يقض على نظمهم المحلية، إنما اكتسبت شكلًا جديدًا و تلاءمت مع تقاليد الإسلام ففي المجتمعات الإسلامية في غرب ووسط أفريقيا نجد التعاليم الإسلامية منسجمة مع التقاليد المحلية ويضاف إلى هذا على حد تعبير «الدكتور بليدن» أن الإسلام عقيدة سمحة بسيطة ملائمة لكل عصر وبيئة والمعروف أن الإسلام يتلاءم مع البيئات التي ينتشر فيها ويخلق في كل منها طابعًا محليًا، بل هو يناسب الجماعات المختلفة الأمزجة والأذواق فبعضها يرى فيه نظامًا سياسيًا يناسب تقاليدها فتؤمن به لشد أزرها في نضالها من أجل الاستقلال أو للتفوق على جيرانها كما يتصور العالم كاربنتر.. والبعض الآخر تغريه نواحيه الاجتماعية والاقتصادية فكل جماعة تستطيع أن تأخذ منه ما تريد وعلى حد تعبير العالم ترمنجهام فإن العبادة في الإسلام بسيطة غير معقدة لا ترتبط بكنيسة معينة أو رجال دين محترفين. كما في المسيحية.
ولم يكن الإسلام دينًا فحسب وإنما كان دينًا وثقافة متآلفين غير متنافرين لذلك ارتبط الإسلام بالعلم وكان لهذا الارتباط أثر عظيم في حياة الزنوج فالمرء لا يكاد يسلم حتى يتعلم القراءة والكتابة ويرتفع قدره اجتماعيًا كلما زادت ثقافته وفي كل مكان اقترب منه الإسلام انتشرت الكتاتيب وأقبل الأفريقيون عليها لتعلم القراءة ولأن الإسلام في نظامه التعليمي لا يجعل الهوة سحيقة بين المعلم والمتعلم، بل هو يوثق الصلة بينهما.
والتفرقة العنصرية التي باعدت في أفهام الزنوج بين الواقعية والمثالية ليس لها محل في الإسلام فهو لا يعرف حواجز الطبقات أو الجنس أو اللون لا يحول بين زنجي مسلم والتمتع بحقوقه السياسية والاجتماعية كاملة وتاريخ الإسلام في أفريقيا حافل بالأمثلة الكثيرة للسلطنات الزنجية الخالصة التي ارتفع قدرها في نظر المعاصرين بصرف النظر عن اللون أو الجنس.
والإسلام لا يأخذ المجتمعات الوثنية بالطفرة وإنما يأخذها بالرفق والأناة حتى لا تكون النقلة مفاجئة.. وقد عدد العالمان أندرسون و ترمنجهام المراحل التي ينتشر فيها الإسلام بين الأفريقيين بقولهما، إنه في المراحل الأولى يقوم التجار أو الفقهاء المسلمون بزيارة البلاد أو يقيمون فيها ثم تأخذ جموع الوطنيين في تقليد العادات الإسلامية ويزورون الفقهاء المسلمين متبركين، ثم يتقدمون خطوة أبعد وهي تقليد الصلوات الإسلامية ففي غرب أفريقيا كان الوثنيون يحضرون جنائز المسلمين وأعيادهم وصلواتهم وفي المراحل الأخيرة يعتنقون الإسلام مباشرة مع الاحتفاظ ببقية من تقاليدهم القديمة.
والإسلام في أفريقيا كان دائمًا عنصر توحيد يقاوم الفرقة والقضاء على حواجز اللون والجنس كما يمكن إضافة لغة القرآن الكريم كلغة دولية للتفاهم بين المسلمين وكعامل من عوامل التوحيد في المجتمعات الإسلامية.
وفي غرب أفريقيا على وجه الخصوص كان لتجار الفولاني والهوسا والتكرور الدور الأكبر في انتشار الإسلام وكان هؤلاء التجار ينزلون في الأسواق الكبرى والمراكز التجارية ثم يحتكون بالزنوج ويؤثرون فيهم بنظافتهم وأمانتهم وسلوكهم الشخصي وغالبًا ما ينتهي هذا الاحتكاك بدخول كثير من الأفريقيين في الإسلام ولذلك كان الإسلام يتركز في المراكز التجارية الهامة وفي المدن الكبرى وبعض هؤلاء التجار كان يجمع بين التجارة والتعليم فإذا ما استقر بهم المقام أنشأوا المدارس لتعليم القرآن أو مسجدًا وقاموا في نفس الوقت بمزاولة النشاط التعليمي والاقتصادي.
وكان لهجرات البربر أثر عظيم في نشر الإسلام في أفريقيا خصوصًا في غربها وهذه الهجرات إلى غرب أفريقيا هجرات قديمة، ولكنها بدأت تلعب دورًا هامًا ابتداء من القرن العاشر الميلادي بعد أن أسلم البربر.
وكما قلت فمن الهجرات الهامة هجرات قبائل الفولاني ومنهم المجاهد «عثمان بن فودي» الذي لعب دورًا في القرن التاسع عشر في لم شمل المسلمين القادمين من الأندلس إلى أفريقيا واستطاع بفضلهم أن يؤسس «سلطنة سكوتو» وهي ولاية سكوتو الحالية.
ويحدد المؤرخون لانتشار الإسلام نحو غرب أفريقيا طريقين أولهما الطريق الساحلي عبر حوض السنغال وهو الطريق الذي سلكته جموع المرابطين ثم انحدار هذا التيار صوب الشرق مساحلا لمنطقة الشجيرات القصيرة «السافانا» وثانيهما تسرب الإسلام من مدن أفريقيا الشمالية إلى بعض المراكز القائمة على حافة الصحراء عن طريق التجارة.
ولكن الإسلام لم يستطع دخول المناطق الاستوائية أو شبه الاستوائية إلا في ظل الاستعمار الأوروبي.
• والإسلام الذي انتشر في هذه الأماكن من خلال القدوة الحسنة والسلوك القويم للتجار والمعلمين في زمن كان الاتصال فيه فقيرًا والإعلام غير معروف بالشكل المعاصر يحتاج اليوم إلى منطلق أكثر حضارية في تعميق الصلة بين المسلمين هنا وأمة العرب التي يعتبرها المسلمون الأفارقة حافظة لكتاب الإسلام وحامية للغة التي يتداول بها القرآن وأذكر هنا أنني في عاصمة ولاية بندال «مدينة بنين» التي يطلقون عليها أصل الحضارة الأفريقية السوداء قمت بأداء صلاة الجمعة في مسجد المدينة الصغير وكان حاكم الولاية المسلم موجودًا بالمسجد وبالفعل كانت أركان الصلاة صحيحة ولكن الذي لم أرتح له النطق غير السليم لآيات القرآن التي كان يتلوها إمام المسجد إلى جانب أن الخطبة كانت باللغة المحلية وهذا أمر نقره حتى تتضح تعاليم الإسلام للناس هنا ولكن الذي أزعجني ما ذكره لي أحد المسلمين النيجيريين من قلة البعثات الإسلامية التي كان الأزهر يهتم بها في الماضي وحتى العدد القليل الذي يصل من رجال الدعوة الإسلامية فإن الكثيرين منهم لا يعرفون اللغة الإنجليزية وأيضًا اللغات الأفريقية الثلاث في نيجيريا وهي الهوسا واليوربا والايبور ويترك هذا خطرًا على إسلام الكثيرين حيث تلعب أجهزة الاتصال الحديثة من تلفزيون وإذاعة وسينما ومسرح وصحافة دورًا في جذب اهتمامات الناس وفي الوقت الذي تذاع فيه باللغات المحلية تعاليم وآداب وسلوكيات ديانات أخرى من خلال محطات غربية وبلغات قريبة من فهم الناس نجد أن دعاة الإسلام لا يجدون هنا من يساندهم في دعوتهم سواء بتزويد الناس بالمصاحف التي تضم ترجمة لتفسير القرآن باللغات الإنجليزية والأفريقية كما لا توجد محطة إذاعة قوية مسموعة في هذا المكان تقدم القرآن المرتل وتفسيره باللغات المعروفة لسكان هذه المناطق.. ويضيف رئيس القسم العربي بإذاعة نيجيريا الفيدرالية «أبو بكر نجم الدين بينيو» أنه إذا احتاج إلى مطبوعات عربية أو إسلامية فإنه لا يجد أي معاونة من الجهات المعنية في مصر وأنه قد يتلقى بعض المطبوعات من بعض البلاد العربية مثل السعودية والعراق وليبيا، ولكنه في النادر ما يجد المطبوعات الإسلامية والعربية الصادرة من مصر حيث توجد أقدم جامعة إسلامية وهي الأزهر الشريف.
• في حصاد جولة استمرت أربعين يومًا في غرب أفريقيا فإنني لا أبالغ إذا قلت إن إسلام الكثيرين في خطر في هذه المناطق لأننا نقصر في مد المسلمين هنا بالكتابات والدراسات التي تعمق من فهمهم للإسلام، كما أننا لا نرسل إليهم شرائط وأسطوانات والكاسيت المسجل عليه القرآن الكريم والمصحف المرتل ونبخل عليهم بإعداد الدعاة المسلمين ممن يجيدون اللغات الأوروبية واللغات الأفريقية المحلية، كما أننا نقصر في إيجاد جهاز عربي إسلامي يوحد من جهود الدعوة الإسلامية فلا تصبح جهودًا متفرقة مبعثرة تختلف أكثر مما تتفق. وتزداد خطورة هذا الوضع على المسلم الأفريقي في وقت يزداد فيه النشاط الإعلامي لكل الاتجاهات من انتماءات ملحدة وأخرى متدينة، ولكنها لا تريد للإسلام الازدهار الذي يتمناه أبناؤه وهي حتى وإن لم تتعرض للإسلام بسوء إلا أنها تشجع المسلمين على ترك ديانتهم من خلال الالتحاق بالمدارس العصرية وتعليمهم علوم العصر في وقت تزداد فيه نفقات التعليم في هذه البلاد ويصعب أن نصف التعليم هنا بأنه تعليم مجاني.
رسالة منفعلة أوصاني أكثر من مسلم هنا بأن أحملها إلى القاهرة وأسطرها على صفحات المصور التي تصدر من القاهرة حيث الأزهر الشريف أكبر أماكن الدعوة الإسلامية وها أنا أكتبها بأمانة قائلًا لكل من يهمه الأمر إن الإسلام هنا في خطر يتعرض لشتى الاتجاهات والتيارات من غربية وشرقية ولا يجد من يدعم أبناءه بالكتاب المبسط وتسجيلات القرآن الكريم والإذاعات التي تنقل نبض العرب إلى إخوتهم في أفريقيا.
عن المصور القاهرية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل