العنوان الإسلام ... كيف يربُّي أتباعه علي حُبٌّ الشَّهادة؟
الكاتب محمد عبدالله الباردة
تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004
مشاهدات 46
نشر في العدد 1609
نشر في الصفحة 54
الجمعة 16-يوليو-2004
في صبيحة يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ خاطب رسولنا زوجته عائشة رضي الله عنها بقوله: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبرَ، فهذا أوان وجدتُّ انقطاع أبهري من ذلك السُّمِّ. «رواه البخاري ٦٣٧/٢». بهذه الكلمات ودَّع رسولنا الحبيب الدنيا في آخر أيامه ليموت شهيدا وعلى يد يهوديَّةٍ هي زينت بنت الحارث وهكذا أراد اللّه أن يموت رسولُه شهيدًا لتكون رسالةً إلى أمَّته أن يا عظماء أمَّة محمَّدٍ، ها هو ذا رسولكم العظيم يموت شهيدًا فموتوا على ما مات عليه: من هذه الحادثة وغيرها تعلم أمَّة محمَّدٍ مدى عداوة اليهود لها إلى يوم القيامة ها هو رسولنا يموت شهيدًا، وهو القائل: «والذي نفسي بيده لوددت أنِّي أُقتل في سبيل الله ثُمَّ أحيا ثُمَّ أُقتل ثُمَّ أحيا ثُمَّ أُقتل» «رواه البخاريُّ ومسلمٌ» وهو القائل في فضائل الشّهيد في سبيل الله يُغفر له في أوَّل دفقةٍ، كما يرى مقعده من الجنَّة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه «رواه التِّرمذيُّ» بهذه الكلمات نفخ رسولنا العظيم في أمَّته معاني القوَّة والشَّجاعة والثَّبات، وقد توَّج ربنا قبل ذلك هامات الشّهداء بقوله جلَّ في علاه ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:(آل عمران 171: 169) [وإذا كان كثيرٌ من ذوي الإيمان الحيِّ والهمَّة العالية والنَّفس التوَّاقة قد حُرموا من الشّهادة فإنّ لهم عزاءً في قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: «من جهَّز غازيًا في سبيل اللَّه فقد غزا»، ومن هنا لا ينبغي أن ننسى المجاهدين في فلسطين وغيرها. ولا يجد الشّهيد جزاء الشّهادة في الآخرة فحسب بل حتى عند الموت وخروج الرُّوح يخفَّف عنه، ولذا يقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «ما يجد الشّهيد من مسِّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة» (رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ). وحثَّ الرسول ﷺ المؤمن على التَّأهُّب للجهاد في سبيل الله، حتى ينال أجر الشَّهادة ولو لم يَمُتْ شهيدًا شهادةً فيقول: «من سأل اللّه تعالى الشَّهادة بصدقٍ بلَّغه اللّه منازل الشُّهداء وإن مات على فراشه» (رواه الخمسة إلا التِّرمذيُّ)
إنَّها تربيةٌ إيمانيَّةٌ جهاديَّةٌ قائمةٌ على حُبِّ الاستشهاد، فهو دعاءٌ تلهج به الألسن الطَّاهرة والقلوب المؤمنة التوَّاقة لنيل الشَّهادة في سبيل الله.
نماذجٌ من حُبِّ الصّحابة والمؤمنين للشَّهادة:
أسلم الإمام عليٌّ رضي الله عنه صبيًا وتربَّى على يد القائد المعلِّم ، وفي غزوة خيبر واجه رضي الله عنه اليهوديَّ مَرحبًا الذي كان يرتجز شعرًا بقوله: لقد علمت خيبر أنِّي مَرحب شاكي السِّلاح بطلٌ مُجرَّب فواجهه أبو عامرٍ رضي الله عنه الذي أنشد يقول: لقد علمت خيبر أني عامر شاكي السِّلاح بطلٌ مغامر واستشهد عامرٌ ليزأر الأسد عليٌّ، ولا يترك المسلمين يتساقطون أمام هذا اليهوديِّ اللَّعين، كما يصمت بعض زعماء المسلمين الآن أمام المجرم شارون وأتباعه، فيقول عليٌّ رضي الله عنه وأرضاه أنا الذي سمَّتْني أمِّي حيدره كليث غاباتٍ كريه المنظره ثم تناول السَّيف وأردى اليهوديَّ اللّعين قتيلًا.
سعد بن معاذ:
كان سعد بن معاذٍ رضي الله عنه في آخر أيَّام حياته، بعد أن أُصيب في غزوة الأحزاب، كان يتضرَّع إلى اللّه أن يشفي صدره من يهود بني قريظة، فأجاب الله دعاءه وحكم فيهم أن يقتل رجالهم «٧٥٠ رجلًا» ليقول رسولنا العظيم له: «لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع».
حسن البنّا:
ومن رُوَّاد الدعوة والحركة الإسلاميَّة في القرن العشرين، الإمام الشَّهيد حسن البنّا رحمه الله الذي ربَّاه والده فأحسن تربيته، فلا ندري ممّا نعجب من الولد أم الوالد. وبينما كانت عقارب السّاعة تشير إلى الثّانية مساء السبت الثاني عشر من فبراير عام ١٩٤٩م وبينما الإمام وصهره عبد الكريم منصور في سيَّارةٍ إذا بالرّصاص يندفع في شراسةً من شخصٍ ملثَّمٍ صوب السيَّارة، ويُحمل الإمام إلى المستشفى وهو يردِّد إنّ اللّه حقٌّ.. إنّ اللّه حقٌّ. وفي الساعة الثانية عشرة والربع بعد منتصف الليل يغادر المرشد هذا العالم المليء بالظلم ويظلُّ ينزف حتّى الموت بلا إسعافٍ لأنَّه رجلٌ أسَّس أكبر حركةٍ إسلاميَّةٍ في العالم أذاقتِ اليهود العلقم. وأرسل كتائب الجهاد إلى فلسطين وزار غزَّة عدَّة مرَّاتٍ والتقى برجالها يشد أزرهم لطرد اليهود. ولننظر إلى استقبال الوالد خبر استشهاد ولده، يقول والد حسن البنَّا عبد الرحمن البنّا في رثائه أتمثَّلك يا ولدي وأنت صريعٌ، وقد حملتك في اللّيل مسفوكًا دمك، ذاهبةً نفسك، ممزَّقةً أشلاؤك هاجتْ إذ ذاك حيَّات الغاب و نهشتْ جسدك الطَّاهر حيَّات البشر، فما هي إلا قدرةٌ من الله وحده تُثبِّت في هذا الموقف وتعين على الهول، فأكشف عن وجهك الحبيب، فأرى فيه إشراقة النّور وهناءة الشّهادة فتدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 107) وأقوم يا ولدي على غسلك وكفنك، وأصلي وحدي من البشر عليك، وأمشي خلفك أحمل نصفي ونصفي محمولٌ، وأُفوِّض أمري إلى اللّه إنّ اللّه بصيرٌ بالعباد. أَمَّا أنت يا ولدي فقد نلت الشّهادة التي كنت تسأل الله في سجودك أن ينيلك إيَّاها. فهنيئًا لك بها ... وما زالتْ قافلة الشُّهداء تترى ما استمرَّت الحياة، ومادام الصراع بين الحقِّ والباطل قائمًا حتّى يأتي نصر اللّه، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل