; الإسلام.. والتجربة التركية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. والتجربة التركية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1763

نشر في الصفحة 24

السبت 04-أغسطس-2007

نجاح الإسلاميين الأتراك والمغاربة أعاد الاعتبار إلى المشروع السياسي الإسلامي وقدرته على التكيف والاندماج

أعادت نتائج الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت الأحد 22/٧/٢007م وفاز فيها حزب العدالة والتنمية المحافظ ذو الأصول والجذور الإسلامية فوزا كاسحًا بحوالي ٤٨% من الأصوات وقرابة ٣٤٢ مقعدًا، وبتفويض شعبي كبير للمضي قدما في إصلاحاته السياسية والاقتصادية والعمل على الالتحاق بالقطار الأوروبي - أعادت الاعتبار إلى التجارب الإسلامية السياسية.

وفي الوقت نفسه شكلت النتائج فشلًا ذريعًا للتجربة العلمانية في العالم الإسلامي، ممثلة في أنقى صورها وأقساها في الوقت نفسه وهي التجربة الأتاتوركية وحزب الشعب الجمهوري وريث مصطفى كمال.

تجارب إسلامية

هل يمكن مد النظر إلى ما هو أبعد من تركيا؟ إلى بقية العالم الإسلامي لتشكل التجربة التركية حلًا للعلاقة المتشابكة والملتبسة بين الدين والدولة، أو الإسلاميون والسلطة، أو الإسلام والحداثة أو الإسلام والعلمانية، وحتى العلاقة بين العالم الإسلامي وأوروبا؟!

لقد شكل إخفاق التجارب الإسلامية السابقة خاصة في أفغانستان - حيث شكلت «طالبان» نموذجًا متشددًا خرج من رحم الحالة الأفغانية تاريخًا وتراثًا، فقهًا وإدراكًا، احتلالًا وقتالًا، تمذهبًا وتقوقعًا وانعزالًا - شكل حالة عزف عليها العلمانيون والحداثيون ألحانًا عديدة حول عدم قدرة الإسلام نفسه على الإجابة عن أسئلة الحداثة والحضارة و... و.. إلخ. وها هم يسكتون الآن ويصمتون صمت القبور، ويساعدهم بعض الإسلاميين المتوجسين من تنازلات حزب العدالة والتنمية أيضًا على ذلك فلا يستفيدون من التجربة التركية!

كما يحقق تعثر التجارب الإسلامية الأخرى النتيجة نفسها خاصة في «إيران»، و«السودان» التي تعثرت في ملفات مهمة وخطيرة مثل الحريات الأساسية، والتنمية الاقتصادية، والتماسك والتوافق الاجتماعي، وبناء نظام سياسي ديمقراطي تداولي، مما يعد أهم مرتكزات الأمن القومي اليوم لأي بلد، فضلًا عن حالة الخصومة والعداء أو الحصار والعزلة التي حدثت في مجال «العلاقات الدولية» والتوجس والخيفة والحذر في ملف العلاقات الإقليمية، مما دعا البعض إلى التأكيد على مقولة «إن الإسلاميين ينجحون كمعارضة ولا ينجحون كحكومات».

وجاءت تجربة حماس في مرحلتها الحالية لتزيد القول بصعوبة إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية العربية - إن كانت هناك حياة سياسية في البلاد العربية - وتعقد إمكانية بناء علاقات حوار واحترام، وتعاون مع القوى الدولية الداعمة والمؤيدة للاحتلال الصهيوني والمتخوفة من بدء نهاية هذا المشروع الاستيطاني: إذا قامت دولة فلسطينية قادرة على الحياة يحكمها إسلاميون مصرون على التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، مثل: حق العودة وإنهاء المستوطنات وحرية الحركة والعبور والمطارات، وتحرر الاقتصاد الفلسطيني من السيطرة الصهيونية، مع تقدم هؤلاء بفكرة الهدنة طويلة المدى مع حل الدولتين وعدم حسم القضايا النهائية طالما لا يقدر الصهاينة على تقديم تنازلات مؤلمة. في حق العودة بالذات.

هذه التجربة التي انتهت إلى قطيعة شبه كاملة - ولو كانت مؤقتة - مع حركة فتح التي قادت النضال الوطني الفلسطيني حتى انتهت به إلى أوسلو. ولا تريد أن تعترف بوفاته إكلينيكيًّا وموته سريريًّا. وضرورة البحث عن بديل ودفن اتفاق أوسلو، رحمة به وتخلصًا من قيوده وأغلاله، هذه التجربة يحسبها المراقبون فشلًا للإسلاميين، خاصة في مجال التفاهم والالتقاء على القواسم المشتركة.

إسلاميو المغرب

وينتظر الإسلاميون - بترقب – انتخابات برلمانية أخرى في المغرب بعد أقل من شهرين لحزب إسلامي صاعد يتسمى بنفس الاسم العدالة والتنمية. ويتوقع المراقبون أن يحقق الحزب نتائج باهرة أيضًا بعد تزايد مقاعده من ١٤ إلى ٤٢ مقعدًا في آخر انتخابات، وقراره البقاء بعيدًا عن الحكومات الائتلافية ليظل في صفوف المعارضة للتدريب والمزيد من التمرس في العمل السياسي.

ولا شك أن المغرب تختلف عن تركيا، فهي ملكية تستند إلى الشرعية الدينية، فاللقب الرسمي للملك هو أمير المؤمنين والدين ركيزة أساسية في الدستور، والمذهب المالكي والمؤسسة الدينية لهما اعتبار ضخم في الحياة العامة والثقافة السائدة. ولا يجرؤ أحد على معارضة تلك الثوابت وهو ما يعزز فرص إسلاميي المغرب في فوز كبير قد يقوده هذه المرة إلى الحكم.

لقد أعاد نجاح الإسلاميين الأتراك وزملائهم المغاربة.. الاعتبار إلى المشروع السياسي الإسلامي وقدرته على التكيف والاندماج. ومن المهم أن قادة المشروعين في العقدين الخامس والرابع من العمر، وكلاهما ينتمي بدرجة أو أخرى إلى المدرسة الإسلامية الإصلاحية التجديدية: الإخوان المسلمين وإن لم ينتسب كلاهما إلى التنظيم الإخواني..

دروس التجربة التركية في الحكم وقيادة البلاد وإدارة دفة الملفات المعقدة في بلد مثل تركيا، ثرية ومتنوعة، وعلى الإسلاميين أن يوجهوا بعض دارسيهم وكوادرهم للزيارة والإقامة في تركيا، للتعرف عن قرب على تلك التجربة التي تستحق الدراسة مع الأخذ في الاعتبار تميز كل بلد وخصوصيته في كل مجتمع والفروق البيئية بين الأقطار، مع الاشتراك في العقيدة والحضارة والتراث الإسلامي.

أهم تلك الدروس:

1- كيفية بناء حزب وطني مفتوح للجميع. يشعر كل المنتسبين إليه بأنهم على قدم المساواة. ويشاركون في القرارات المهمة والخطيرة. خاصة مع تعثر تجربة الأحزاب الإسلامية في كل من الأردن واليمن والجزائر، وبقائها مغلقة على الإسلاميين فقط وحلفائهم.

2- إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة كالجيش ومجلس الأمن القومي والرئاسة وبقية الأحزاب العلمانية للوصول إلى توافق وطني عام أو الاختلاف في إطار الدستور والقانون مع الاحتكام للشعب.

3- النجاح الاقتصادي الباهر الذي كان أحد أهم عوامل النجاحات الانتخابية وكيفية إدارة اقتصاد حر وتحقيق معدلات نمو متسارعة، وخفض العجز والتضخم مع ازدهار للبورصة وكافة المؤشرات الاقتصادية مما جعل أوروبا والمؤسسات العالمية تشهد للحزب الإسلامي بالنجاح، وكان أهم عوامله حربًا معلنة على مافيا الفساد.

ومن المعلوم أن النجاح الاقتصادي له مردود خارجي قد يكون أهم من المردود الداخلي، فهو يشجع على البقاء في البلاد وعدم الهجرة إلى الخارج، وفي الوقت نفسه يساعد على حسم إلحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي، حيث تقل نسبة المساعدات التي يقدمها الاتحاد إلى الدول حديثة العهد به.

4- العلاقة مع أوروبا وأمريكا، تلك العلاقة التي تشكل عقبة كَأْدَاء في وجه الإسلاميين، حيث هناك فيتو كبير وضخم على مجرد إدماجهم، خشية نجاحهم المستحق في أي انتخابات حرة ونزيهة، مما يعني وصولهم إلى الحكم.

وهنا تثور الأسئلة التي تتراوح من إشكالية العلاقة مع العدو الصهيوني، وتنتهي إلى صلب المشكلة وهي الالتزام بالعقيدة والشريعة الإسلامية. فهل قدم أتراك العدالة والتنمية تنازلات خطيرة في هذا الصدد؟ أم أن ظروف تركيا لا تجعل هذه الأسئلة مطروحة، فهي من قبيل تحصيل الحاصل:

- فالعلاقة مع إسرائيل، غير مطروحة، فهي موجودة من ذي قبل وقد يبرر الحزب تلك العلاقة بأن ذلك يعطيه فرصة للتفاوض والتوسط لحل المشكلة الفلسطينية وهذه قراءة أخرى لبيان الترحيب الصادر عن «حماس» في فلسطين، فلعلهم يراهنون على وساطته في الصراع مع العدو.

- وأيضا تطبيق الشريعة الإسلامية غير مطروح من الأساس في بلد كتركيا يجاهد الإسلاميون فيها منذ عقود لمجرد السماح بالحجاب الإسلامي للنساء، ولرفع الحظر المفروض على المحجبات في الدراسة والعمل والعلاج.. إلخ، مما دفع أردوغان نفسه الإرسال بنتيه المحجبتين للدراسة في أمريكا. وإصداره تعليمات للوزراء بالحضور إلى قصر الرئاسة بدون زوجاتهم المحجبات في المناسبات الرسمية.

ولعل أردوغان يراهن على حل تلك المشاكل وفق جدول زمني طويل نسبيًا، ساعيًا إلى تراكم التأييد الشعبي ووصول رئيس جديد يسمح للمحجبات بالدخول إلى قصر الرئاسة حتى ولو كانت زوجته غير محجبة.

التحديات التي تواجه أردوغان في الحكومة مازالت كما هي والخيارات أمامه مازالت صعبة رغم التفويض الشعبي والفوز الكبير وأهمها:

- المشكلة الكردية، ولعل أبواق الحرب على شمال العراق بدأ يخفت صوتها، ولكن لديه الآن أكثر من ٢٠ نائبًا كرديًّا يحتاج إليهم أحيانًا، ويريد أن يصفهم في الصف الوطني التركي بعيدًا عن حزب العمال الكردستاني.

القوميون الذي حصلوا على ۷۰ مقعدًا و ١٤٪ من الأصوات، ويعارضون بشدة الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، ويريدون قطع رقبة عبد الله أوجلان، ولهم أجندة متشددة تعارض منظومة الحقوق والحريات الأساسية، خاصة في مجال التنوع الثقافي والمذهبي والإثني في تركيا الحديثة.

- العلمانيون الذين يساندهم الجيش والجيش نفسه الذي قد لا يستطيع القيام بانقلاب جديد الآن أو في المستقبل القريب ولكنه بالقطع يعتبر نفسه حامي العلمانية الأتاتوركية، ويرفض أي تنازلات في مجال الحياة العامة لصالح المحجبات أو الثقافة الإسلامية، ومازال رمزًا محترمًا بشدة لدى الغالبية العظمى من الأتراك.

- الالتحاق بالاتحاد الأوروبي وصعوبته. وقد رحبت الكنيسة الكاثوليكية بقوة بنجاح حزب العدالة الإسلامي، لأن ذلك يؤيد وجهة النظر المسيحية التي تريد الإبقاء على أوروبا مسيحية ولها جذور يهودية، ولا تريد ثقافة أخرى تزاحم الثقافة اليهودية - المسيحية، فتركيا العلمانية التي يحكمها إسلاميون يصعب قبولها في أوروبا.

وفي النهاية يبقى الإسلام هو الإسلام، عقيدة وشريعة حضارة وتراث المسلمون يختلفون وفق البيئات والمجتمعات، المشكلة الحقيقية هي في المناخ العام الذي يسود أي بلد من البلدان. هل يسمح بالحريات الأساسية؟ حرية التعبير وحرية التنظيم وحرية النشاط، هل يسمح بتداول سلمي على السلطة وفق انتخابات دورية؟ وهل يحقق شروط الانتخابات الحرة النزيهة التي يثق بها المواطنون، فيصل حجم التصويت إلى ٨٠% كما حدث في تركيا.

الرابط المختصر :