العنوان دولة المدينة المنورة.. الجزء الثاني (٦).. الإسلام والدولة المعاصرة.. كتابة وثيقة المدينة
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013
مشاهدات 76
نشر في العدد 2050
نشر في الصفحة 42
السبت 27-أبريل-2013
الوثيقة نظمت مجتمع المدينة بكل مكوناته واعتبرت أول دستور مثالي مكتوب في التاريخ البشري
رغم المعاهدة «الموادعة» ووفاء الرسول ﷺ بها فقد نقضها اليهود وحرضوا على المسلمين
الوثيقة المدنية «الصحيفة»، التي تَمَّتْ بُعَيْدَ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، جاءت تتويجاً للمؤاخاة التي عقدها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ومتضمنة الموادعة مع اليهود، أعطت الحقوق لأهلها، مضمونة وأوْجَبَتْ ما لهم وما عليهم بوضوح كامل.
أنجزت الوثيقة قبل تمام الشهور السبعة الأولى التي تلت الهجرة النبوية الشريفة، قبل بدء أول نشاط عسكري تم القيام به، حيث في رمضان من السنة الهجرية الأولى على رأس سبعة شهور من الهجرة عقد رسول الله ﷺ أول لواء لعمه حمزة بن عبد المطلب القيادة سرية سيف البحر في ثلاثين رجلا من المهاجرين، معترضًا عيرًا لقريش، قادمة من الشام فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل حتى التقى الجمعان لما تجهزوا للقتال حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، الذي كان حليفًا للفريقين فلم يقتتلوا، فما كان لهذا النشاط العسكري أن يتم، لولا أن تكون كافة أوضاع المدينة المنورة قد استقرت لتسمح بهذا النشاط.
نَظمَتْ الوثيقة مجتمع المدينة المنورة بكل مكوناته، ملبية حاجات جميع الفئات واعتبرت أول دستور مثالي مكتوب في التاريخ البشري.
هكذا كانت كل الإجراءات تتم متتابعة في إنجازاتها، كل خطوة تقود إلى ما يليها بشكل انسيابي متساوق متعانق.
المؤاخاة والموادعة
الصحيفة أو الوثيقة: كتابه بين المهاجرين والأنصار، وكتابه في موادعة یهود.
حين انتقل الرسول الكريم ﷺ والمهاجرون إلى المدينة المنورة، كان مجتمعها معقدًا جدًا، قضاياها ومشكلاتها متنوعة كان لابد من مواجهتها ورعايتها بأسلوب بالغ الحكمة.
كانت المدينة المنورة مكونة من المسلمين المهاجرين والأنصار بأوسهم وخزرجهم والمشركين من العرب ومجموعات اليهود.
اليهود: المتمكنون من كثير من مرافقها ومناشطها الاقتصادية زراعيًا وتجاريًا ومهنيًا، حتى مساكنهم كانت تقوم في أماكن استراتيجية محصنة ومسلحة بكفاءة عالية، تسكن كل مجموعة من مجاميعهم الثلاث أطمًا «جمعها: أطام»، وهو: الحصن والبيت المرتفع، كان منهم في المدينة المنورة ثلاث قبائل كبيرة رئيسة، مجموع رجالهم البالغين حاملي السلاح نحو ألفين، تتقارب أعدادهم بينها، جميع أطامهم تقع شرقي المدينة في أسفل حرة واقم «اللابة الشرقية»:
1- بنو القينقاع: مساكنهم أقرب إلى هذه الحرة «واقم»، كانت أكبر مهنهم الزراعة ثم تحولوا إلى الصناعة، بعد اضطرارهم ترك أراضيهم ومزارعهم، لعداء بينهم وبين اليهود الآخرين.
2- بنو النضير: يسكنون باتجاهها جنوبا، كانت ديارهم عامرة بالنخيل والزروع.
3- بنو قريظة: بينهما شرقًا.
كانت العلاقة بين هذه القبائل اليهودية قلقة متوترة متعادية أحيانًا، إلى حد تقوم الحروب بينهم، لكنهم توحدوا في مواجهتم للرسول الكريم ﷺ والدعوة الإسلامية متخذين نفس المواقف، كانوا يمارسون الكثير من المفاسد الأخلاقية الخارجة عن دينهم يلجؤون إلى أدنى الوسائل في تعاملهم، تقوم أكثر تعاملاتهم المالية على الربا.
لم يسلم من اليهود إلا القليل، أول من أسلم أحد كبار علمائهم وأغنيائهم وسادتهم عبد الله بن سلام «٤٣هـ» (١)، من بني القينقاع، كان حَبْرَهُم وأَعْلَمَهُم، أسلم هو وعمته خالدة بنت الحارث، والرسول الكريم ﷺ ما يزال في قباء(٢)، أسلم بعد ذلك عدد قليل منهم، من مثل : مُخَيْرِيق: خبر قومه ومن أغنيائهم من بني ثعلبة ابن الفطيون أسلم يوم أحد «السبت ١٥ شوال السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة»، واستشهد فيها لذلك قال فيه الرسول الكريم ﷺ «مخيريق خَيْرُ يَهود».
كذلك أسلم بنو سَعْنَة: ثَعْلَبَة بن سَعْنَة وأسيد بن سعنة هما إخوة زيد بن سعنة «الذي أسلم فيما بعد»، وأسد ابن عبيد القرظي، نفر من بني هدل، ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ.
لما جاءهم ما عرفوا كفروا به
العديد من اليهود اعترف علنا وأقر وأوضح أن الرسول الكريم ﷺ هو النبي الحق الذي كانوا ينتظرونه، بل كانوا قبل ذلك يتهددون به عرب المدينة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89)، لكنهم لم يُسلموا بل عادوه وتآزروا عليه بل وشنعوا بمن أسلم منهم، كما جرى في إسلام عبد الله بن سلام!
يتوجب هنا ملاحظة ثلاثة أمور على الأقل:
1- أن كافة الأقليات أو المجموعات الأخرى في المدينة المنورة، كانوا يعيشون بحرية كاملة.
2- كانوا يتعاملون مع المسلمين دون أية غضاضة، بل حتى يتجاوزون حدودهم ولا يخافون أذى، إلى الحد الذي تعامل به زيد ابن سعنة بهذه الخشونة مع رسول الله ﷺ، وهو نفسه الذي حماه من كل أذى متوقع بل إن رسول الله ﷺ توفي ودرعه مرهوئة عند يهودي بثلاثين صاعا «نحو مائة كيل» من شعير.
3- أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون الرسول الكريم ﷺ وكافة صفاته التي لديهم في التوراة، مما يُبَيِّنُهُ القرآن الكريم، ثم ما في كتبهم، وبشهادة من أسلم منهم ويعرفون كافة صفاته حتى البدنية مثل «خاتم النبوة» بين كتفيه الشريفتين (٢)، كما يعرفون اسمه وزمن ظهوره وصفته وحتى مهجره ومهاجره، مثلما فعل عبد الله بن سلام، بل حتى من لم يسلم منهم، أصر واعترف علنًا لدينا شهادات الكثير ممن أسلم وحتى ممن لم يُسلم، شهادة صفية رضي الله عنها زوج النبي الكريم ﷺ في عداوة أبيها حيي بن أخطب وعمها أبي ياسر -من علماء يهود- حول علمهم المؤكد واعترافهم بنبوة الرسول الكريم ﷺ، التي تُعْتَبر فيه شاهدة عِيَانٍ وحيدة أو سامعة أذن فريدة، أو فَمَا لَأُذُنَ (٤).
الغدر اليهودي
رغم كل ذلك ورغم المعاهدة «الموادعة» ووفاء الرسول الكريم ﷺ بالعهود فقد نقضوها تمامًا وحرضوا على المسلمين وادعوا عليهم ونالوا منهم بكل سبيل. فعلت اليهود ذلك، رغم ما كان من عَهْدِ اتفاق الموادعة، التي كتبها الرسول الكريم ﷺ بينهم وبين المسلمين وجرى الاتفاق عليها معهم، كان ذلك لدى أول وصول الرسول الكريم ﷺ المدينة المنورة (٥).
هذا الوضع المعقد المرتبك المشتبك، لا يحله ولا يقومه ويُصلحه إلا الإسلام.
كتب الرسول الحبيب ﷺ كتابًا عرف باسم «الصحيفة» «الوثيقة» بين المسلمين أنفسهم المهاجرين والأنصار مثلما كتب كتاب «موادعة» مع اليهود، لتنظيم العلاقات بينهم جميعًا، كما تشمل الوثيقة من لم يسلم من العرب المشركين.
الصحيفة جعلتهم ثلاث فئات بجانب توصيات عامة (٦) المؤمنون، والمشركون، واليهود، ثم التوصيات والقواعد العامة لم تعمل الوثيقة أحدًا من مكونات مجتمع المدينة ولا من قضاياه.
لولا نوعية إيمان المسلمين مهاجرين وأنصارًا وصدق إقبالهم وصفاء التزامهم لما أمكن أن يتم ذلك، حيث تجاوز كل الصيغ والارتباطات والمصالح وضحوا بها من أجل هذا الدين، كما أوضح الأنصار ذلك في بيعة العقبة الكبرى التي مررنا بها وغيرها من المواقف الرائدة المتفردة.
الهوامش
(1) البخاري، رقم: ٣۹۳۸ و٤٤٨٠.
(2) الترمذي رقم: ٢٤٨٥، ابن ماجه رقم ١٣٣٤ و٣٢٥١
(3) البداية والنهاية، ٣٧/٦- ٤١.
(4) السيرة النبوية، ص ٤٤٤.
(5) بنود الصحيفة ٤٧ ، نحو ۱۸ منها تخص اليهود كل بند يخص اليهود وضع بعد الرقم زائد (+) الأرقام ١٦، ٢٠ ب،٢٤- ٣٩، ٤٤، ٤٦. يبدو أن الوثيقة بأكملها كتبت في نفس الوقت والمناسبة والاجتماع، لكن ما يخص اليهود سمي «الموادعة»، ليدعوهم وحريتهم في أمور دينهم وفي كل ما هم عليه أحرارًا في متعلقاتهم ومعتقداتهم وتعاملاتهم.
(6) تحديدها: ( = ) للمؤمنين، ( - ) للمشركين (+) لليهود، يشملهم كذلك تعبير أهل يثرب ومن تبعهم، الباقي قواعد عامة.
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي وحضارته