; الإسلام والعلم في أدب.. نجيب محفوظ | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والعلم في أدب.. نجيب محفوظ

الكاتب محمد علي حسين

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 51

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 54

السبت 04-مارس-2006

في جريدة الأهرام كتب الدكتور أحمد كمال أبو المجد مقالًا تحت عنوان شهادة حول أولاد حارتنا، دون فيه أحداث الزيارة التي قام بها إلى محفوظ في أعقاب الاعتداء الغادر على أديب مصر وكاتبها الكبير، حيث ذهب إليه ليؤدي واجب الاطمئنان عليه، وكان ذلك صحبة المهندس إبراهيم المعلم والإذاعي والإعلامي المخضرم أحمد فراج.. وفي تلك الزيارة تم التطرق إلى رواية أولاد حارتنا، التي قال عنها محفوظ كلاما مهما سجله أبو المجد كالتالي: 

إن كتاباتي كلها القديم منها والجديد تتمسك بهذين المحورين: الإسلام الذي هو منبع قيم الخير في أمتنا والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا، وأحب أن أقول إنه حتى رواية أولاد حارتنا التي أساء البعض فهمها لم تخرج عن هذه الرؤية، ولقد كان المغزى الكبير الذي توجت به أحداثها أن الناس حين تخلوا عن الدين ممثلًا في « الجبلاوي»، وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ممثلًا في عرفة أن يدبروا حياتهم على أرضهم التي هي حارتنا اكتشفوا أن العلم بغير الدين قد تحول إلى أداة شر، وأنه أسلمهم إلى استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم ، فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوي([2]).

وهذا الكلام على لسان محفوظ مهم جدًا من عدة نواح: 

أولاها أنه كلام موثق نشره الدكتور أبو المجد في الأهرام وأعاد نشر المقال نفسه الموقع الرسمي لنجيب محفوظ على الشبكة العالمية([3])

الثانية ما صرح به محفوظ عن الدين ممثلًا في جبلاوي، وعن العلم ممثلًا في عرفة، وعن الأرض ممثلة في حارتنا، وهي الرموز الأساسية التي فكها أكثر من قرأ الرواية في حينه، وللأسف تصدى لهم وقتها قلة أنكرت هذا التفسير، وشككت في التفسير الديني للرواية، وكان الرد «الجاهز» الذي ألقوه في وجوه مخالفيهم إنكم لم تقرؤوا الرواية، ومن قرأها منكم لم يفهمها، وقدم كل منهم تفسيره الخاص حتى كثرت التفسيرات والتأويلات التي لم يقطعها إلا محفوظ صاحب الرواية نفسه عندما أكد الرمز الديني فيها.

هل أصبح العلم مقدسًا؟ وهل تمزقت وشائج اليقين الديني؟

موقفه من الدين والعلم

ونعود إلى موقف محفوظ من الإسلام والعلم اللذين جعلهما محورين لأعماله القديم منها والجديد، وهو تعبير يوحي بما لا يدع مجالًا للشك - بأن كلا المحورين له عند محفوظ اهتمام يقف على قدم سواء مع الآخر، بمعنى أن من يقرأ أدب محفوظ يخرج بحقيقة مفادها أن الرجل يعلي من شأن الإسلام، كما يعلي من شأن العلم في جميع أعماله.. فإلىٰ أي مدى يلمس قارئ محفوظ هذه الحقيقة؟ 

الدكتور إبراهيم قاسم - في دراسة نقدية([4])- تتبع هذين المحورين فكانت النتيجة أن محفوظ في أعماله الأدبية قد أعلى من شأن العلم المادي التجريبي، حيث ظهرت ثقته المطلقة فيه فعرفة لديه من الأعاجيب في حجرته الكثير، ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين «أولاد حارتنا ص ٤٧١».

ويكرر محفوظ هذا المعنى ويؤكده فيما أداره من حوار بين عرفة وعواطف امرأته، فهي تقول له: ربك قادر على كل شيء، فصمت مليًا ثم غمغم قائلًا: كذلك السحر فهو قادر على كل شيء ( ص ٤٨٣ ) أي أن السحر« العلم » قادر على ما يقدر عليه الله تعالى هكذا في وضوح ودون رمز أو مواربة، ثم يقول عرفة آه لو كنا جميعًا سحرة، فتقول عواطف: « لو» ثم تردف قائلة: «في زمن قصير حقق قاسم العدالة بغير سحرك»، ولكن عرفة يرفض هذا المنطق فيقول وسرعان ما ولت، أما السحر فأثره لا يزول ( ص: ٤٨)، أىّ أن مهمة الدير قد انتهت وصارت المسألة بيد العلم.

ولذلك كانت تلك الثقة المفرطة في العلم.. فعرفة ينهم الحارة كلها بالجهل والغرور ، وأنها ليس لديها إلا الحكايات والرباب، أما هو فتبدو ثقته المطلقة فيما يملك في قوله: «أنا عندي ما ليس عند أحد ولا الجبلاوي نفسه عندي السحر وهو يستطيع أن يحقق لحارتنا ما عجز عنه جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين» ( ص ٤٩٨)، ولذلك فإن الرواية تنتهي بموت الجبلاوي بعد أن كبرت به السن ووهن صحته، وبقي عرفة بما يملك من قدرة سحرية ومعرفة عجيبة، حيث أدرك الناس أخيرًا أنه الأمل الذي يتشبثون بأهدابه فقالوا : لا شأن لنا بالماضي ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسعر لاخترنا السحر ( ص ٥٥١ ). 

هكذا تكون المفاضلة في النهاية في صالح العلم الذي جعل الناس يكبرون ذكرى عرفة، ويرفعون اسمه حتى فوق أسماء جبل ورفاعة وقاسم.

فالكاتب مؤمن بدور العلم المادي التجريبي، وهو يثق فيه ثقة مطلقة وليس هذا قصرًا على فكره في هذه الرواية «أولاد حارتنا» وإنما هو خط انتهجه الكاتب في معظم رواياته، متأثرًا بما قرأه وما شكل شخصيته منذ بداياته الأولى، حيث كان للعلم أثره في نظرته إلى الأشياء. 

وهذا الإيمان المطلق بالعلم ودوره جمل الكاتب يقدم لنا سالم جبر الكاتب بجريدة كوكب الشرق في رواية «المرايا» في صورة من بهزا بالدين ويؤمن بالعلم، ويتهكم بأمور الدين يقول الكاتب وسألته مرة: ألم تأسف على أنك لم تتزوج ولم تنجب؟ فأجاب بسخرية: الندم عادة دينية سخيفة «المرايا ص ۱۱۸»، ثم يقول: «وركز في أيامه الأخيرة على الإيمان بالعلم إيمانًا نسخ إيمانه القديم بالأيديولوجية، ويتساءل مرارًا متى يحكم العلماء» «المرايا ص ۱۱۹» ويقول عن كمال أحد أبطال «قصر الشوق: لماذا كتب مقالته؟ لقد تردد طويلًا قبل أن يرسلها إلى المجلة، ولكنه كان يود أن ينعي إلى الناس عقيدته، لقد ثبتت عقيدته طوال العامين الماضيين أمام عواصف الشك التي أرسلها المعري والخيام حتى هوت عليها بضة العلم فكانت القاضية «قصر الشوق ٣٤٧».

الدين الحقيقي

ثم قال عنه كذلك وسيكون في تحرره من الدين أقرب إلى الله مما كان في إيمانه فما الدين الحقيقي إلا العلم.. هو مفتاح اسرار الكون وجلاله، ولو بعث الأنبياء اليوم ما اختاروا سوى العلم رسالة لهم (قصر الشوق ٣٥٠). 

وهذه المواجهة بين العلم والدين وانتصار الكاتب للعلم على حساب الدين نجدها كثيرًا في روايات الكاتب، حيث يمثل نجيب محفوظ في رواياته صورة للصراع بين العلم والدين ففي عصر أصبح العلم فيه كأنه إلٌه جديد تمزقت في البعض وشائج ذلك اليقين الديني ويريد أن يقبض عليها من جديد أملًا في أن يكون العلم في قدرته يومًا ما أن يهبه هذا اليقين الذي تزعزع، إن لم يكن قد ذهب دراسة في أدب نجيب محفوظ د. رجاء عيد ص ٦٢ مكتبة المعارف بالإسكندرية ١٩٧٤. 

وهذا «كمال» بطل رواية «بين القصرين يقول: «أريد عالمًا يعيش فيه الإنسان حرًا، بلا خوف أو إكراه، أما الدين فهو أقدم الآثار المتخلفة على وجه الأرض، فمتى يشب الإنسان عن طوقه ويعتمد على نفسه؟» «بين القصرين».

وفي قصر الشوق، نجده على لسان كمال كذلك يقول: «ولا نقل إن الفلسفة كالدين أسطورية المزاج، فالحق أنها تقوم على دعائم ثابتة من العلوم، وتتجه بها إلى غايتها» «قصر الشوق ۳۹۸». 

وفي رواية «السكرية»، نجد أحمد يقول عن الإسلام أعرف أنه دين وحسبي ذلك ولا أؤمن بالأديان ثم يقول: «بقاء العقيدة أكثر من ألف سنة آية.. لا على قوتها، ولكن على حطة بني الإنسان ذلك ضد معنى الحياة المتجددة «السكرية ص ١٣٥». 

وانتصاره للعلم وثقته المطلقة فيه وأمله في أن يقضي هذا العلم على الأديان يبدو من قوله في «خان الخليلي» على لسان المحامي: لا غنى عن التسلح بالعلم للمكافح الحق، لا للاستغراق في تأملاته ولكن لتحرير النفس من أصفاد الأوهام والترهات، فكما أنقذتنا الديانات من الوثنية، ينبغي أن ينقذنا العلم من الديانات «خان الخليلي ص ۸۳».

الشيوعية والدين 

بل إن الكاتب يقول على لسان رياض قلدس في السكرية: «الشيوعية علم، أما الدين فأسطورة»، «السكرية ص ١٥٢». 

ونجد في قصته «الطريق» يقول على لسان إحدى شخصياته «وأين الله خالق كل شيء وحافظه؟». 

ثم يقول الكاتب: «أين الله حقًا؟ هو عرف اسم الله ولكنه لم يشغل باله قط ولم تشده إلى الدين علاقة تذكر»، ثم يكمل: «وسوف يصمت إلى الأبد دون أن ينبس لسانه بجواب من يخرجه من حيرته» «الطريق ص ٤٤». 

ونلاحظ في روايات الكاتب كثيرًا هذا التشكيك في وجود الله عز وجل على لسان شخصياته، ففي رواية «السراب» نجد كامل يسأل أمه أين يوجد الله؟ فتجيبه بدهشة إن الله تعالى في كل مكان.. فيرنو إليها بطرف حائر، ويسأل في خوف: «في هذه الحجرة؟» فتقول بلهجة تتم عن استنكار: «طبعًا، استغفره على سؤالك هذا «السراب ص ٥٢». 

وفي روايته «المرايا»، نجد الكاتب يتحدث عن «صبري جاده من حملة ليسانس الفلسفة، وقد ذهب إلى عباس فوزي الكاتب الكبير، الذي يسأل صبري: «ما موقفكم من الدين؟، فيجيب ببساطة: لا أحد يهتم به فيسأله: «لم؟» فيجيب لم يكن موضوع بحث ربما لأنه توجد به أشياء غير معقولة وتخالف ما ندرسه من العلم «المرايا ص ١٥٧». 

ونجد الكاتب يورد على لسان شخصيات رواياته بعض العبارات الساخرة الهازئة بمقدسات الدين، فهو يقول على لسان السيد أحمد عبد الجواد مخاطبًا زبيدة الراقصة: «لماذا لم تتكرمي بضربي؟ فهزت رأسها وقالت ساخرة أخاف أن أنقض وضوئي، فتساءل في لهفة أأطمع أن نصلي معًا؟ فتساءلت في دلال ساخر أتعني يا صاحب الفضيلة: الصلاة التي هي خيٌر من النوم؟ فيرد قائلًا: بل الصلاة التي هي والنوم سواء «بين القصرين ۸۸». 

وفي روايته، «خان الخليلي»، يقول عن رشيدي ثم وضع راحتيه حول قذاله كمن ينوي الصلاة، وتمتم قائلًا: بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ نويت الحب والله المستعان « خان الخليلي: 114».

كما نجده يقول على لسان «ياسين» تحدثًا عن أحد الوعاظ: إنه يؤمن بشيئين .. بالله في السماء وبالغلمان في الأرض إذا تأوه غلام في القلعة بين «القصرين ۳۹ »، ويقول على لسان حسين شداد إنك تجد دائمًا وراء الأمور إما الله وإما سعد زغلول ويقول كذلك على لسان كمال لنقرأ الفاتحة بالهيروغليفية «قصر الشوق ص ۱۸۲»، ويقول على لسان ياسين لو كان لمريم مثل هذا الجسم، ألا في مثله فليتنافس المتنافسون « قصر الشوق ص ۱۳۰».

وتبلغ العبثية ذروتها في الحديث عن الرموز الخاصة بالذات العلية فإذا كان الكاتب في أولاد حارتنا قد جعل الجبلاوي رمزًا لله عز وجل، فإن هذه الرمزية لم تتوقف عند هذه الرواية وحدها، وإن كانت نهاية الجبلاوي الموت، فإن هذه النهاية هي التي انتهجها الكاتب كذلك في رواياته الأخرىٰ.

وبعد ... فلا تعليق.

([1] ) موجه بالتعليم العام - الكويت

([2] ) الأهرام القاهرية 29/12/1994

([3] ) www.shorouk.com

([4])  أ.د. إبراهيم محمد قاسم, جامعة الأزهر, نقد رواية « أولاد حارتنا»

الرابط المختصر :