العنوان الإسلام والغرب (1 من 5) .. استراتيجيات واقع ما بعد الحرب الباردة
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
- الإسلام هو مصدر قوة العرب وبروزهم في التاريخ ثقافيًّا وحضاريًّا، ولذلك تشتد عليه الحملة في الغرب
- الغرب وراء محاولة التشويه للإسلام ودعم كل من يتنكر له من أهله أو يدعو إلى التنكر له کسلمان رشدي وتسليمة نسرين
إن البشرية تبحث بجد عن البديل الحضاري لهذه الحضارة الطاغية التي سقط شقها اليساري أو يكاد، وها هو شقها الغربي الآخر قد بدا يحس أزماته الكبرى، معلنًا فقره في معالجة المشكلات الاقتصادية ومشكلة الإنسان في الكيان الوارث القائم اليوم على حراسة هذه القيم الغربية -أمريكا- التي قد لا يمر وقت طويل -كما يرى بعض كتاب الغرب ذاته- حتى يشهد العالم تراجعها كقوة أولى عظمى في العالم، وإن كانت قوة التجديد الكامنة فيها، وطبيعة البحث والتنقل تجعلها تجرى بشكل عجيب في البحث عن البدائل في جميع الاتجاهات، ولا نستبعد أن تعثر على بعض مزايا الإسلام، وتوظفها على أنها نتائج بحث عقلي أو علمي إنساني أوصل البحث إليها (1).
أحدثت التغيرات الدرامية العميقة في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا خلال الفترة القصيرة الماضية زلزالًا في النظام العالمي، وقد استقبل الغرب -وخاصة الولايات المتحدة- هذه التغيرات بأحاسيس مختلطة، ففي البداية كان الإحساس العام في الغرب هو المفاجأة الممزوجة بالرضا، إن لم يكن بالسعادة الطاغية لما حدث، ولكن بعد الإفاقة من المفاجأة السعيدة بدأت تنتاب الغرب مشاعر مختلطة أهمها الإحساس بضرورة إيجاد عدو أو أعداء جدد لكي يصبَّ عليها الغرب الكمية المخزونة في مجتمعاته من الغضب والكراهية، وقد بدأ بعض الكتاب والمفكرين يبشرون بأنهم وجدوا مرشحين لهذه العداوة، وضمن صناعة الصورة برزت الترشيحات التي تشير إلى الإسلام والمسلمين (2).
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا الإسلام ولماذا المسلمون؟ ولماذا هذا الحديث المتجدد عن الإسلام والإسلاميين في الصحافة الغربية؟ ولماذا هذه الحملة التحريضية على تيارات الإحياء الإسلامي والحركة الإسلامية، والتي تذكرنا بأقصى اتجاهات الاستشراق تحيزًا وتعصبًا.
لماذا يهتم الغرب -رغم قوته- بدراسة الظاهرة الإسلامية ويعمل على تشجيع إقامة المنتديات الفكرية والملتقيات العلمية لبحث دراسة التغيرات الإسلامية، واستشراف آفاق واتجاهات قوى الإسلام السياسي؟
ولماذا يحلو الكلام عن الإرهاب والتطرف كلما جاء ذكر الإسلام؟ ولماذا تتصدر الأقلام التي تحاول توسيع شقة الخلاف بين الإسلام والغرب واجهات الصحف ومنابر التحليل والحوار؟
ومن الذي يقف خلف هذه الحملة ويسهم في صناعة هذه الصورة؟ ويعمل على تخريب فرص التقارب بين الإسلاميين والغرب؟ ومن المستفيد من تأجيج العداوة والخصومة بين الحركة الإسلامية والقوى السياسية في الغرب؟
هل هناك من بيده تغيير مسار العداوة وبناء جسور الثقة والتعاون بين الإسلاميين والغرب؟ هل تأخر الإسلاميون في الحديث عن مشاريع ومساحات مشتركة للعمل مع الغربيين تعزز من مكانة الإسلام ورسالته الحضارية؟
هل يتضمن الخطاب الإسلامي المعاصر أفكارًا تتخطى إشكاليات التعايش مع الغرب؟ ما الذي ينتظره الإسلاميون من الغرب، والغرب من الإسلاميين ليتقبل كل منهم الآخر كمشروع حضاري؟
هل هناك نقاط التقاء للتفاهم والتعايش خاصة بعدما انحسرت أبعاد الدين والأيديولوجيا في الثقافة السياسية الغربية بشقيها الليبرالي والماركسي؟
هذه التساؤلات سنحاول البحث عن إجابات لها ومداولة النقاش حولها، حتى يتسنى لنا الخروج برؤية تعزز من فرص التقارب والإصلاح ما استطاعت وما التزمت بأصول فقه الواقع وضوابط فهمه وتخذل عن الإسلاميين عداوات هم في غنى عنها ولا طاقة لهم بها.
إن هذه الورقة ستتناول كل عناصر صناعة الصورة من حيث الجذور التاريخية للخلاف، والمنهجية الخاطئة التي بنى عليها الغربيون رؤيتهم للإسلام والحركة الإسلامية، ثم استكشاف للمجالات التي يمكن أن يتخطى بها الإسلاميون إشكاليات التعايش مع الغرب وتوسيع آفاق التقارب والبناء الحضاري بما يخدم عالمية الرسالة التي جاء بها الإسلام، وبما يحقق صياغة عناصر الصورة صدقًا وعدلًا من دون إفراط أو تفريط.
الإسلام في منظار الغرب «التاريخ»
لقد كانت نظرة الغرب إلى العالم الإسلامي -دومًا- على أنه عدو أيديولوجي لدُود، وقد كان يبيح لنفسه أن يتخذ من هذا العالم الصورة التي تروقه ولا سيما في الفترات التي كانت فيها قنوات الاتصال بين العالمين -الغربي والإسلامي- محدودة بين الاحتكاك الحربي -وهي الحالة الغالبة- والاتصال الحضاري، وقد كان في كثير من الأحيان مشوبًا بالحذر، محفوفًا بالارتياب ولكن ما شهدته وتشهده الساحة الإسلامية في العصر الراهن من تطورات وأحداث تنعكس -بشكل أو بآخر- على مصالح الغرب «الاستراتيجية» جعلت العالم الغربي «والوصف هنا حضاري وليس جغرافيًّا من مؤسساته الرسمية إلى جماهيره العريضة»، يزداد شوًقا إلى معرفة ذلك المجهول الإسلام، أو ما أراده البعض من ترشيحه كخصم.
إن تفاعلات القضية الفلسطينية، ونداءات الثورة الإيرانية، وتألقت بواكير الجهاد الأفغاني وفاعلية بعض الحركات الإسلامية في مجتمعاتها «لبنان- مصر- السودان- المغرب العربي- الضفة وقطاع غزة- ماليزيا- الباكستان- الفلبين.. إلخ». ذلك كله كان هاجسًا يحرك وعي الإنسان الغربي، مطالبًا بإعادة تشكيله، متجاوزًا المقولات التقليدية القائمة على أن عالم الإسلام عالم راكدٌ مغلقٌ لا يؤثر ولا يتأثر (۳)، من هنا كانت الكتابات والدراسات والندوات المتعددة عن الإسلام محاولة لدراسة المرحلة الحضارية للديانة الإسلامية، والتي أخذت في انطلاقها خطًّا بيانيًّا صاعدًا قد يمثل -مع حسن استثماره- إرهاصات العودة الراشدة لأصحاب الرسالة الخاتمة، وأمة الشهادة الحق على الناس.
لقد كانت بعض شواهد هذه الدراسات تعطى انطباعات سلبية لمستقبل الدور الحضاري للإسلام وتيارات الصحوة الإسلامية، بينما بعضها الآخر يطرح شواهد ذات مؤشرات إيجابية يمكن على ضوئها الافتراض بأن الحضارة الإسلامية لا تزال قادرة على فرض وجود فعَّال بين الحضارات الأخرى المنافسة، وأنها لا تزال تملك قدرات التجدد الذاتي والإحياء الحضاري، وهذا الافتراض الأخير ليس من قبيل التمني أو التحلي، كما أنه غير متأثر بتنظير مسبق عن الدورات التاريخية للحضارات، إلا أنه يجب أن يتعامل مع سنن النهوض الحضاري وعيًا وفهمًا وعملًا.
إن الفهم المتوازن لظروف وأوضاع المسلمين يقتضى تقويمًا واقعيًّا لمدى قوتهم الراهنة، وعلاقاتهم بالقوى الدولية المختلفة ذات المصالح المتعددة والمتشابكة في العالم الإسلامي، إن مثل هذا التقويم الواقعي يستلزم من الإسلاميين، عدم الاقتصار أو التقوقع داخل وجهات نظرهم في أنفسهم، والتي هي في أغلبها منحازة وحالمة ويطيب لها الاتكاء على أمجاد الماضي، إنهم بحاجة إلى استيعاب وتفهم كافة الاتجاهات الدولية سواء اتخذت منهم مواقف نقدية أم معادية أم متخوفة أم محذرة من الصحوة الإسلامية المعاصرة بوصفها من أكثر الظواهر أهمية، ليس فقط بالنسبة للاستقرار السياسي للعالم الإسلامي، الذي يقع معظمه داخل ما يُسمَّى بحزام عدم الاستقرار أو قوس الأزمات، وإنما أيضًا لتأثيرات تلك الصحوة على مصالح القوى الدولية في العالم الإسلامي من حيث موقعه الجغرافي المميز، والممرات البحرية التي يتحكم فيها، ومصادر الطاقة والموارد الضخمة الكامنة فيه (4).
إذن هناك مصلحة حيوية استراتيجية للغرب في المنطقة الإسلامية -وخاصة الجانب العربي منها- بسبب الإمكانات النفطية الهائلة، ولكن يبقى السؤال: لماذا يتم استدعاء التاريخ والحديث هنا عن الجغرافيا؟ لماذا يعاد تقليب الحسابات التاريخية المعلقة منذ القدم، والتي لم تنجح حقبة الاستعمار -والانتقام الذي تميزت به- من تصفيتها في وعى الغرب، بل زادتها تعقيدًا؟ لماذا هذا النبش والاستثارة لـ «إضبارة» التاريخ والغرب يتطلع إلى الاستقرار فيها؟
الجواب: لأن الإسلام كان -ولا يزال- هو المركز الأول والأعمق لظهور العرب الحضاري وتماسكهم الذاتي وتوحيد منطقتهم روحيًّا وثقافيًّا، وتحويلهم بالتالي إلى تكتل حضاري واسع، وإلى تفاعل تاريخي قادر في الحوض المتوسط والعالم، -أو هكذا ما يبدو- ولذلك فإن الجانب الذي يتركز فيه العداء للعرب كأعنف ما يكون، كما يقول برهان غليون: «هو الهجوم على الإسلام بوصفه رديف العرب التاريخي ومرتكز هويتهم جميعًا، ومحاولة تشويه صورته وتنمية الخجل منه، ودعم كل من يتنكر له من أهله أو يدعو إلى التنكر له». (5).
في كتابه: «الإسلام الخوف والأمل» يرد «الحبيب بولعراس» على سؤال يطرحه الأوروبيون وهو: هل يجب أن نخشى الإسلام؟ بالقول: «إن الذي يظهر أمام الأوربي اليوم على سطح العالم الإسلامي هي موجة من التعصب مصحوبة بالعنف وإراقة الدماء، ومرتبطة بفكرة توسعية انتشارية، لذلك فالكثير من الأوربيين يتساءلون في قلق عن المستقبل ويبدو لي أن هناك شعورًا عدائيًّا منتشرًا في الغرب تجاه الإسلام، ولقد تحدثت مرارًا عنه وسميته بالروح الصليبية، فهناك رفض للإسلام كشيء غريب عن الحضارة والثقافة المستمدين من المسيحية، فلقد أصبح يقال في الغرب: إننا ورثة الثقافة الموسوية- المسيحيةJudeo-Christian Heritageوهذا يؤديببعضهم إلى نوع من الاحتقار للمسلمين باعتبار أن الأوربيين حكموا المسلمين في المشرق والشمال الإفريقي، أو إلى نوع من التخوف باعتبار أن علاقتهم في التاريخ كانت علاقة نزاعيَّة، فلقد بلغت فترة موجة التوسع الإسلامي إلى «بواتييه» في فرنسا، وقابلها جذر إسلامي أوصل الأوربيين لاستعمار مساحات شاسعة في العالم الإسلامي، لذلك بيت في الأذهان والمخيلة الجماعية أن العلاقة مع الإسلام هي علاقة صدام ونزاع» (6).
أما «بيتر ما نسفيلد» فيتحدث في كتابه «العرب» عن العوامل التي وراء التحامل والعداء الغربي للإسلام بذكر العامل التاريخي والديني، وكذلك العامل الاستعماري.. حيث كان الصراع بين الغرب النصراني وبين العالم الإسلامي في العصور الوسطى -وحتى بداية عصر النهضة الأوربية- صراعًا بين قوى متكافئة تبادلت العداء والاحترام في آن واحد.. هذا الوضع تغير في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، عندما تفوقت أوروبا على المسلمين بامتلاكها القوة التقنية وتفجيرها الثورة الصناعية (7).
لقد انضم عامل جديد إلى العداء والكراهية الأوربية للمسلمين، هذا العامل هو ازدراء المسلمين بسبب تخلفهم في ميدان الصناعة، لقد أصبح الإسلام موضع انتقاد الأوربيين، لأن أتباعه دخلوا مرحلة من الانحطاط المادي بعد أن سيطروا على العالم ألف عام، وهذا في نظر الغربيين دليل على فشل الإسلام نفسه.
وفي العقد الثاني من القرن العشرين نشبت الحرب العالمية الأولى، وأعقبها اقتسام الغرب للعالم العربي والإسلامي، وجاهدت البلاد العربية والإسلامية لتنال استقلالها، وبذلك انضم عامل جديد من عوامل الكراهية والعداء بين العرب والغرب إلى العوامل السابقة، لقد اتهم الغرب العرب بسبب ذلك الجهاد بالخيانة وعدم الوفاء وعدم تقدير منافع الاستعمار (8).
هذا وقد دخل عامل جديد في هذه الفترة الأخيرة ألا وهو الموقف من الصهيونية، لقد تعاطف الليبراليون الغربيون والديمقراطيون الاشتراكيون، واليساريون، والصحفيون، ورؤساء الجامعات مع الصهيونية، مما حال دون تعاطفهم مع العرب على الأقل في البلاد المجاورة لفلسطين (9).
إن الكثير من العرب ينظرون إلى هذه «النغمة العدائية» على أنها نتاج «الروح الصليبية» المتغلغلة في أعماق الغربيين.
ويعلق الدكتور «أسبوزيتو» على قضية «الروح المسيحية- الصليبية في الغرب» بالقول: «إنني أعتقد أن الغرب اليوم يحمل صبغة الاستعمار الجديد أكثر من صبغة المسيحية». (10).
وفيما يتعلق بالطريقة التي تقوم بها وسائل الإعلام بتغطية الإسلام والمسلمين فإن «أسبوزيتو» يرى «أن معالجة الغرب للإسلام تخفي التنوع والثراء الكامنين في هذا الدين، وتظهره وكأن له وجهًا واحدًا أو كأنه صب في قالب جامد، وذلك عن طريق تبني الأساليب الانتقائية المتحيزة التي لا تختار من الإسلام أو من حياة المسلمين إلا ما يتفق مع أفكار مسبقة كثير منها موروث، ومن ثم تكثر في الغرب الصور النمطية عن الإسلام والمحاولات التي توحد بينه وبين المظاهر في بلد معين». (11).
الهوامش
- طارق البشري: مشكلتان وقراءة فيهما، هيرندن- فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1992 م، ص 64.
- الشراع، العدد 417، 19 مارس 1990م.
- مجلة «الأمة» إبريل 1986م، ص 70.
- أحمد يوسف: الإسلام السياسي وتحولات الفكر المعاصر، مايو 1988، ص 31.
- برهان غليون: أزمة الخليج وتداعيتها على الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية 1991م، ص 19.
- «Interview with Hbib Lares.: 21 *Bou 15, No, 9, 1984, 24-25. See als, Boulares, Habib. L., Islam la peur et Esperance. Paris: J. Clattes, nd.
- Mansfiled peter. «the Arabs Today: Through Western Eyes» In The Arbs Rev. ed. By peter Mansfiled, 451- Lon don: Penguin Books, 1985- 18- Ibid.
- مجلة «الأمة ربيع الثاني 1413هـ، ص 40.
- Ibid. See also, Fin dley, paul «A Cam- paign to Discredit Islam?» the Washing- ton Repott, October 1992.
- مجلة «المجتمع» 18 يناير 1983م، ص 16.
- Esjposito, hohn L. «Islam and Democra- cy» Paper presented at a conference sponsored by the Middle East Institute: A New Middle East: Myth or Reality?, Washingoton, D.C., 4-5 October 1991.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل