; الإسلام والقومية (۳ من ٨) .. الأنظمة الثورية الشرسة وليدة القومية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والقومية (۳ من ٨) .. الأنظمة الثورية الشرسة وليدة القومية

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 26-فبراير-2005

مشاهدات 52

نشر في العدد 1640

نشر في الصفحة 44

السبت 26-فبراير-2005

 شهد العالم الإسلامي نكسات وهزائم مروعة منذ سقوط آخر سلاطين الدولة العثمانية، كان المنتظر بعد السقوط أن يقوم الهاشميون الذين قادوا ثورة ١٩١٦م بقيادة العالم الإسلامي، بدلًا من الدولة العثمانية، ولكن بريطانيا وفرنسا أعطياهم الإذلال، والمهانة، وتقسيم البلاد العربية فيما بينهما وفقاً لاتفاقات سرية وعلنية عرفها الناس فيما بعد ووقع العالم العربي بأجمعه تقريباً تحت الهيمنة الصليبية الاستعمارية، وذرًا للرماد في العيون منح بعض الأمراء الهاشميين إمارة صغيرة ، ولدت قيصيرية اسمها إمارة شرق الأردن، التي تحولت فيما بعد إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وعات الصليبيون الاستعماريون في أرجاء بلاد العرب فساداً وإذلالًا واستعبادًا.. وسقطت الثورة العربية في أول اختبار لها في مواجهة العثمانيين والصليبيين جميعًا.

الكارثة الكبرى التي حلت بالعرب والمسلمين والإسلام بعد سقوط الخلافة واحتلال البلاد العربية كانت قيام أو إنشاء الكيان النازي اليهودي على أرض فلسطين في وضح النهار بمعرفة الدول الصليبية الاستعمارية، وتراخي الدول العربية وخيانة بعض العرب والفلسطينيين صدرت قرارات الأمم المتحدة والهيئات الدولية تستنكر قيام الكيان الغازي، وتطالب بحقوق الشعب الفلسطيني الذي تحول معظمه إلى لاجئين ومشردين في أقطار الأرض... ولكن عام ١٩٤٨م الذي شهد مولد الكيان النازي اليهودي وتشريد الفلسطينيين كان علامة فارقة على انهيار شامل أصاب الأمة العربية التي انسلخت عن الأمة الإسلامية، ولم تستطع الجامعة العربية التي قامت عقب الحرب العالمية الثانية أن تحقق هدفًا واحدًا حقيقيًا في توحيد العرب ولم شملهم لمقاومة العدو الصليبي الاستعماري، أو العدو النازي اليهودي الذي أخذ يقوى ويتمدد ويهزم العرب هزيمة أشد وأقسى في عام ١٩٦٧م، ويضاعف مساحته التي أقام عليها كيانه الإرهابي الدموي سبع مرات باحتلال سيناء والجولان وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشريف. 

وكلما علا الضجيج بالحديث عن القومية العربية، ازداد المد القطري ترسخًا في النفوس والقلوب بسبب الهزائم المتلاحقة، واستشراء الاستبداد والقمع، ومع أن العرب قاموا الاستعمار الصليبي، وقدموا آلاف الأرواح وصلت أو تجاوزت المليون في الجزائر، فإن المستعمرين الغزاة رحلوا عن الأراضي العربية تاركين وراءهم نخباً تحكم باسم القومية العربية والثورية، ولكنها موالية لهم في حقيقة الأمر أو تخدم مصالحهم وسياساتهم بطريقة ما. 

أخفقت الفكرة القومية في تكوين بناء موحد أو اتحادي أو فيدرالي بسبب غياب الإسلام وركيزته الأولى -أعني الحرية والعدل والمساواة- وكانت هناك تجربة للوحدة العربية بين مصر وسورية لم تتجاوز ثلاث سنوات ثم أخفقت إخفاقاً ذريعاً بسبب الاستبداد، والقهر، وكانت فترة الوحدة من ١٩٥٨م إلى ١٩٦١م من الفترات التي تصور الناس فيها نجاحاً مطرداً الفكرة القومية العربية ولكن الانفصال كرس الفكرة القطرية بصورة أعمق من ذي قبل بل إن الحزب الواحد في العراق وسورية أقصد حزب البعث انشق على نفسه، وتبادل الطرفان سيل الاتهامات والتخوين بشكل غير مسبوق مما ترتب عليه قطع العلاقات بين دمشق وبغداد لعدة عقود «ثلاثين عامًا تقريبًا» وكأن البلدين عدوان الدودان بينهما دماء وثارات.!

وباسم القومية العربية تدخل الجيش المصري في اليمن لمساندة الانقلاب الذي قام به «عبدالله السلال»، وكانت الفكرة السائدة آنذاك أن الأنظمة الانقلابية، أو الثورية كما كانت تسمى أكثر تحرراً وعدلاً ومساواة من الأنظمة الملكية، أو الرجعية كما كانت تسمى، ورأى «جمال عبدالناصر» - الرئيس المصري آنذاك - أن دعم الانقلاب اليمني ضرورة لتحقيق الحرية للشعب اليمني، وقس على ذلك بقية الانقلابات العسكرية في سورية والعراق والسودان وليبيا وتونس والجزائر وغيرها، فقد صعد العسكر على ظهور الدبابات إلى كراسي الحكم باسم القومية العربية والإعداد لحرب التحرير في فلسطين وطرد الصهاينة الغزاة، ولكن واقع الحال أثبت أن فكرة القومية العربية قادت العرب إلى حكم عسكري شرس أفقد العرب كرامتهم وشرفهم وعزتهم، وألحق بهم العار والشنار، وجعل من الكيان النازي اليهودي الغاصب الإمبراطورية الأولى في المنطقة العربية التي سميت بالشرق الأوسط اعترافاً بوجوده، واستسلاماً له، ولم تتحقق فكرة الوحدة أبدًا.

كانت هنالك مشروعات الإقامة أنظمة اتحادية «كونفيدرالية أو فيدرالية» بين مصر وسورية والعراق واليمن وبين مصر وليبيا والسودان أطلقت عليها أسماء من قبيل: اتحاد الجمهوريات العربية، ولكنها لم تظهر إلى الوجود أبداً، ولم تتجاوز الورق الذي كتبت عليه، وإن كان لها أحياناً مقر رفع عليه علم يرمز إلى الاتحاد المستحيل.

وبعد حرب رمضان ۱۳۹۳هـ - أكتوبر ۱۹۷۳م، قيل إن الولايات المتحدة، عن طريق وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر وضعت خطة لتجمعات إقليمية تهدف إلى السيطرة عليها من ناحية، وإثارة الحساسية بينها وبين بعضها من ناحية أخرى ليسهل انقياد العرب جميعاً للإرادة الأمريكية ... ولكن هذه الاتحادات لم تحقق نتيجة مثمرة، سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا، بل إن بعضها يجد صعوبة في عقد مؤتمراته السنوية، فتؤجل إلى أجل غير مسمى... وفشلت هذه التجمعات في حل المشكلات بين أعضائها «قطر والبحرين لم تحلا مشكلة الجزر الصغيرة بينهما إلا عن طريق محكمة العدل العدولية»، وظلت العلاقات مقطوعة بين مصر والسودان لعشر سنوات تقريباً، والجزائر لم تتصالح مع المغرب بسبب البوليساريو، وتأجل مؤتمر القمة المغاربي الذي كان مقرراً عقده في الجزائر في ديسمبر ٢٠٠٣م إلى أجل غير مسمى، وليبيا بينها وبين موريتانيا ما يطرق الحداد.

عصر القومية العربية -بغض النظر عن صحة الفكرة أو خطئها- لم يحقق إنجازًا للعرب، أو خطوة إلى الأمام، على مستوى الوطن العربي، أو مستوى الشعوب، أو مستوى الأفراد.. فقد كان عصر بؤس وهوان بامتياز.

الرابط المختصر :