العنوان الإسلام والكونجرس (16) دروس إستراتيجية تعلمها الأمريكيون من حرب الخليج:
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 929
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 22-أغسطس-1989
بدأنا اعتبارًا من الحلقة الماضية في قراءة الأوراق الأمريكية عن حرب الخليج، وتحدثنا فيها عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للعراق قبل الحرب وبعدها، وعن أهداف الولايات المتحدة من إعلانها الحياد في هذه الحرب وسعيها لإيقافها، كما تحدثنا أيضًا كيف أن حرب الخليج قد تحدت كل توقعات وتحليلات الخبراء وخاصة في مجال تأثيرها على أسعار النفط ومصادر الإمداد بالسلاح.
وسنخصص هذه الحلقة
لعرض وبيان مذكرة الدكتور أولسن الأستاذ بمعهد الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية
الحرب في كارلايسل بولاية بنسلفانيا.
تتناول مذكرة الدكتور
أولسن ثلاث موضوعات تناول في أولها تصوراته لأسباب حرب الخليج، وفي الثاني تحليله
لتطور المعارك على جبهات القتال، وفي الثالث الدروس التي تعلمها الأمريكيون من هذه
الحرب.
وهذا هو نَص المذكرة المكتوبة للدكتور
أولسن:
لقد استمرت هذه الحرب
لفترة أطول من فترات الصراعات الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية، وباستثناء حرب
فيتنام تحدت هذه الحرب مختلف التنبؤات المتعلقة بطبيعة الحرب بين الدول النامية،
كما تحدت أيضًا كل جهد مبذول للوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات، إن ظروف المنطقة
والأهداف التي يسعى إليها كل من الطرفين المتحاربين والعائد المترتب على الجهود
الرامية لإنهاء الحرب لا يبشر بأن هناك في المستقبل القريب أي أمل في ذلك، تمثل
هذه المنطقة بالنسبة لنا أهمية إستراتيجية واقتصادية حيوية؛ ولذلك فإنه من المهم
لنا أن نحاول أن نفهم هذه الحرب، ونحاول أيضًا اكتشاف وسائل إيقافها وإمكانية
المساعدة على إنهائها.
ليس من السهل علينا
أن نفهم أسباب الحرب، فهذا أمر موضع جدل، اتجاه الحرب ونتائجها أمر لا يمكن التحقق
منه، أحداث الحرب نفسها مربكة، ويمكن تفسيرها بصور مختلفة، لم تصبح الحرب أو
استخدام القوة الآن بالنسبة لكثير من دول العالم شيئًا بارزًا في سياسة الدولة
فحسب، وإنما أصبح وسيلة مشروعة لغاية ما، ومع ذلك فإن استخدام القوة كوسيلة لتحقيق
غاية لا يحمل معه أي ضمان بالنجاح، كما أن الغموض الذي يحيط بالحرب يمكن أن يعني
تغيرات وتطورات ومتطلبات غير متوقعة تدمر كل الحسابات، وتؤدي إلى نتائج خطيرة، وكل
ذلك ينسحب على الحرب العراقية الإيرانية كما ينسحب على حروب الماضي.
أولًا- أسباب الحرب:
ربما يستطيع الواحد
منا أن يميز في هذه الحرب بين العراق وإيران، كما هو الحال في كل الحروب بين أسباب
قريبة وأسباب بعيدة وأسباب حالية.
ويمكننا أن نحصر الآتي من بين الأسباب
البعيدة:
1- الصراع القديم بين العرب والفرس.
2- الخلاف الديني «المذهبي».
3- الصراع الطويل المدى على الحدود.
ومن قائمة الأسباب القريبة يمكننا حصر
الآتي:
1- النزاع الإقليمي على السيطرة على شط العرب.
٢- الصدام الإيديولوجي بين القومية العربية والأصولية الإيرانية.
3- التنافس العراقي الإيراني على النفوذ في المنطقة.
أما قائمة الأسباب الحالية فتشمل ما يلي:
1- الاشتباكات الحدودية التي ظهرت في تبادل الضرب بالمدفعية والغارات
المسلحة المحدودة.
2- المحاولات الرامية لإخضاع العراق.
3- محاولات اغتيال المسؤولين العراقيين.
4- الاعتقاد بأن اللجوء إلى القوة سيؤدي إلى تغيرات مفيدة.
ولا تتركز أسباب
الحرب في هذا الصراع على الحدود كما يظهر لنا؛ وذلك لأن الصراع الحقيقي إنما هو
بين الاشتراكية العربية في العراق والثورة الإيرانية الجديدة، ورغبة كل من الطرفين
في أن يلعب دورًا أساسيًا في المنطقة، ولقد كانت العلاقات العراقية الإيرانية غير
مستقرة إبان عصر الشاة؛ بسبب صدام المصالح بينهما، لكن هذا الصدام قد تعزز الآن
بظهور هذه القوة الديناميكية الجديدة في إيران، التي تربط قويمتها المتعصبة بإسلام
توسعي يتحدى بوضوح شرعية كل الأنظمة في المنطقة، ولا تختلف الحركة الثورية في
إيران عن الحركات الثورية الأخرى في العالم، وكان لهذه الثورة آثارها على مصالح
جيرانها وعلى هؤلاء الذين لهم مصالح في المنطقة شأنها في ذلك شأن أي ثورة في
العالم.
اشتدت موجة العداء
بين البلدين منذ اندلاع الثورة الإيرانية، كما كانت هناك عدة حوادث تشير إلى تدخل
كل منهما في شؤون الأخرى وتشجيع الانشقاق بداخلهما، ولقد دعت إحداهما المعارضين
البارزين في الدولة الأخرى، وقدمت مساعدات لبعض القبائل فيها، وبدت إيران للعراق
كنظام يهدد بقاءه ويهدد قوميته العربية، كما كان ارتباط الحماس الديني بالقومية
الإيرانية أمرًا مهددًا للأنظمة الأخرى في المنطقة أيضًا، ومع اشتداد المخاوف
العراقية وتصميم العراق على حماية مصالحه ورغبته في جني المكاسب التي تترتب على
دفاعه عن المنطقة؛ كان لا بد أن ينفجر الموقف، وتكون الحرب.
ويمكن بصفة عامة
تقسيم أحداث الحرب إلى مرحلتين أساسيتين، الأولى هي حرب العراق ضد إيران من
سبتمبر ۱۹۸۰ إلى يونيو ۱۹۸۲، والثانية هي حرب إيران ضد العراق من يونيو ۱۹۸۲ وحتى الآن.
المرحلة الأولى: مرحلة الغزو العراقي.
كان الغزو العراقي
نتيجة لتصميم العراق على إحداث تغيير في السياسة الإيرانية، هذه السياسة التي
تمثلت -كما يرى العراق- في إقناع الخميني عدم التدخل في الشؤون العراقية الداخلية،
وكانت الإذاعة الإيرانية إلى غالبية العراقيين تحثهم، وتحث الجيش العراقي على
الإطاحة بالنظام البعثي العلماني في العراق.
ومع تزايد الصراع على
الحدود، ورفض إيران المفاوضة على تسوية الخلافات بين البلدين، ومحاولة اغتيال طارق
عزيز في أبريل ۱۹۸۰، اقتنع القادة
العراقيون بضرورة البحث عن حلول تجبر إيران على حل مشاكلها مع العراق، ويبدو أن
العراق لم يضع في حساباته قدرة إيران على المقاومة، وبدلًا من محاولته إجبار إيران
على تغيير سياستها اتخذ عدة إجراءات جعلت الموقف أكثر خطورة.
● على الولايات المتحدة ألا تذهب بعيدًا وهي تصنع سياستها في المنطقة
بأن هذه المنطقة سهلة الاعتقاد للحلول الأمريكية؟
المرحلة الثانية: مرحلة الغزو الإيراني.
نجح الإيرانيون في
عام ۱۹۸۲ في طرد العراقيين من إيران، ورفضوا إثر انتصارهم هذا عروض العراق
للتفاوض، وصمموا بدلًا من ذلك على غزو العراق وإملاء شروطهم عليه، أعتبر إيران أن
الهجوم العراقي المباغت عليها فعل غير أخلاقي، واقتنع الإيرانيون بأن العراق
متحالف مع أعداء الثورة الإيرانية كالولايات المتحدة، وأنه مصمم على تدمير الثورة؛
ولهذا رفض الإيرانيون التفاوض مع العراق، وخاصة أنه يحتل أرضًا إيرانية.
وبعد أن تمكن
الإيرانيون من طرد العراقيين من أراضيهم في صيف ۱۹۸۲ أحسوا بأن من حقهم الإصرار على معاقبة العراق، ومطالبته بالتعويض،
وكذلك على إحداث تغيرات أساسية في النظام السياسي العراقي لم تقبل القيادة
العراقية بالطبع مطالب الإيرانيين الرامية إلى الإطاحة بالرئيس العراقي، وتأسيس
جمهورية إسلامية في العراق، وصمم العراق على المقاومة، واستعد تمامًا لهجوم إيراني
قريب، ونجحت مقاومة العراق في عدم تمكين إيران من تحقيق أهدافها بقوة السلاح، وفي
الوقت الذي طور فيه العراق من قدراته العسكرية منذ عام ۱۹۸۲ انحسرت القدرات الإيرانية، وخسرت عشرة آلاف جندي في هجوم بالمشاة على
مراكز عراقية مجهزة جيدًا للدفاع، ومدعمة بالدبابات والمدفعية، وكان في ذلك إشارة
كافية لقوة العراق المتزايدة، لكن تصميم الخميني على معاقبة العراق لم يتغير، وكان
هذا التصميم معززًا باقتناعه بأن المعاناة والشهادة هما الثمن لتحقيق الأهداف
الإيرانية، وقد أدى هذا التصميم الخميني إلى انهيار كل محاولات السلام، وليس هناك
بادرة من أمل في حدوث أي تغير في هذا التصميم طالما أن الخميني على قيد الحياة أو
حتى لو مات، وقد أدت مطالب إیران باستسلام العراق غير المشروط، وإحداث تغيير في
النظام العراقي الداخلي إلى التزام العراق باستمرار الحرب بالرغم من استعداده
للتفاوض، إلا أن هذا الاتجاه قد يتغير إذا تطورت القدرات العسكرية العراقية إلى
درجة تقنع العراق بأنه قادر على فرض تسوية، كما أنه ليس من المحتمل أن يحدث تغير
أساسي في موقف العراق لو ذهب صدام حسين وحتى لو مات، ولهذا يمكن القول بأن الحرب
ستستمر طالما يصر الطرفان على أهدافهما، وبمعنى آخر يمكن القول إن الحرب تجدد
نفسها باستمرار.
ثانيًا- تطورات القتال:
يمكن تقسيم مراحل
تطور القتال إلى أربع مراحل مختلفة لكنها محدودة، ولم تكن تجرى جميعها على نسق
واحد، بدأت المرحلة الأولى من سبتمبر إلى نوفمبر ۱۹۸۰، وبدأت المرحلة الثانية من نوفمبر ۱۹۸۰ إلى سبتمبر ۱۹۸۱، أما
المرحلة الثالثة فقد كانت في سبتمبر ۱۹۸۱ حتى مايو ۱۹۸۲، وبدأت
المرحلة الأخيرة من مايو ١٩٨٢.
ولعل أهم ما يمكن
ملاحظته في هذه الحرب هو أن أحداثها الكبرى كانت ذات طبيعة دائرية؛ بمعنى أن هناك
فترات طويلة من السكون تخللتها صدامات حادة، ويعود ذلك في أحد جوانبه إلى المشكلات
التي كانت تواجهها القيادة إيرانية في تموين إمداد قواتها، لقد كان على الإيرانيين
-وهم يفكرون في تطوير هجوم مدعم- أن يقضوا شهورًا طويلة في تجميع الرجال وتجهيز
الإمدادات في منطقة الجهد الرئيسي، ومن الطبيعي أن يكون هناك توسعًا سريعًا في هذه
الإمدادات عند بدء القتال التالي في الوقت الذي لم يكن فيه لدى إيران إمكانية
التدعيم المتتابع لاستمرار تقدم قواتها، أو الحفاظ على مكتسباتها، مضافًا إلى ذلك
هذا الوقت الطويل المتطلب لإعداد الهجوم، كل هذه الأمور جعلت العراقيين قادرين على
أن يحددوا -مقدمًا وبدقة- المحاور التي يحتمل أن يحدث منها الهجوم الإيراني،
فيستعدوا له ولهذا تكون احتمالات نجاح الهجوم محدودة مع نسبة عالية من الخسائر بين
أفراد القوات المهاجمة، وليس من المحتمل أن تتمكن إيران من حل مشكلات تموين وإمداد
قواتها في المستقبل القريب، ولهذا سوف تظل حرب الاستنزاف أحد الملامح الأساسية في
الإستراتيجية الإيرانية.
والواقع أن هذا النمط
من حرب الاستنزاف الذي ميّز القتال الجاري قد تكلف عشرات الآلاف من الأرواح، مقابل
باردات قليلة من الأرض، وأدي اعتراف الإيرانيين بهذه الحقيقة إلى استبعادهم الهجوم
بالأعداد الكبير، واستبداله باستخدام قوات متسللة صغيرة وراء الخطوط العراقية على
النمط الذي كانوا يستخدمونه في أوائل معاركهم، في عام ۱۹۸۱ و ۱۹۸۲ حاولت إيران بهذا
الأسلوب السيطرة على الأرض دون أن تتكبد خسائر عالية في الأرواح، إلا أن العراقيين
قد أحبطوا هذا الأسلوب حينما شنوا هجومًا مضادًا شرسًا، وبهذا الهجوم تحولت
الأوضاع العسكرية البرية إلى (مأزق).
أدى هذا المأزق
الجديد الذي استمر حتى أغسطس ۱۹۸۲ إلى
تحول في طبيعة الحرب، كان القتال منحصرًا بدرجة كبيرة في الحرب البرية عبر الحدود
بين الطرفين، لكن العراقيين بدأوا منذ التاريخ السابق في الاستخدام الإستراتيجي
المتزايد للقوات الجوية في ضرب المدن الإيرانية، وشبكة تصدير البترول، وجزيرة خرج،
والمواقع المرتبطة بها، وضرب السفن من وإلى الخليج، كانت هذه الإستراتيجية محاولة
عراقية لتهديد الحياة الاقتصادية الإيرانية، والضغط عليها لتقبل التفاوض، وكذلك
أيضًا لرفع شعور العالم بهذه الحرب التي تجاهلها، وتوازت هذه الإستراتيجية
العراقية مع الإستراتيجية الإيرانية التي كانت تعمل جاهدة على حصار العراق
والتهديد البحري في الخليج، ومحاولة هزيمة العراق اقتصاديًا بالتنسيق مع بعض الدول
المتحالفة معها لإغلاق خطوط أنابيب النفط العراقية الهامة.
نجحت حرب الاستنزاف
وهذه الإستراتيجية الاقتصادية نجاحًا محدودًا خاصة أنه لم تكن هناك نهاية قريبة
للحرب، وكان على الأطراف المتحاربة أن تحدث تعديلات أساسية في جهدها القتالي، وأن
تبحث عن إستراتيجيات أكثر فعالية كان العراقيون قادرين بصفة خاصة على تحسين قواتهم
الجوية، وعلى توجيه ضربات إلى المواقع الإيرانية التي أشرنا إليها، ولم يكن
الإيرانيون قادرين على الاستجابة لهذا الهجوم العراقي بأسلوب مماثل فلجئوا إلى
تهديد دول المنطقة بأساليب عدة، ويجب علينا ألا نستنتج من ذلك أن استمرار الحرب هو
من صالح أحد أو أنه لا يمكن مواجهة مخاطر انتشار الحرب، وأنه طالما أنه ليس
باستطاعة أي من الجانبين المتقاتلين تحقيق نتيجة حاسمة في هذه الحرب فإنها
سيستمران في محاولة عزل كل منهما للآخر دوليًا.
● حرب الخليج وحرب لبنان قلبت النظريات القائلة بأن حروب الشرق الأوسط
حروب قصيرة الأمد.
ثالثًا- دروس من الحرب:
من وجهة النظر
العسكرية التكتيكية هناك دروس محددة يمكن تعلمها من هذه الحرب، يستخدم العراق
معدات وتكتيكات سوفياتية، كما اشترى الإيرانيون معظم معداتهم العسكرية من الولايات
المتحدة، وتعلموا التكتيكات الأمريكية.
وعلى الرغم من ذلك
فإن كلًا من الطرفين المتحاربين لم يستخدم مُعداته، ولم ينشر قواته بالطريقة التي
يستخدمها الأمريكيون أو السوفيات، إلا أنهما أظهرا تميزًا في ذلك، استخدم
الإيرانيون المدفعية وتكتيكات التسلل، كما استخدم العراقيون تكتيكات الإمداد
الأعاشي والتحصينـ ويمكن القول إن هناك دروسًا قليلة يمكن لجيش الولايات المتحدة
أن يتعلمها من هذه التكتيكات، ومن الاعتماد على المعدات السوفياتية والأمريكية
وطول مدة استخدامها.
أما الدروس الإستراتيجية التي كشف عنها هذا
الصراع فهي:
أولًا- أظهرت أسباب الحرب أكثر الدروس أهمية، وهي أن دول العالم الثالث مهما
كانت صغيرة فإنها تستطيع بالقليل من الوسائل والقدرة التسليحية أن تستخدم القوة في
حل صراعاتها، وأنها مستعدة لذلك، بل وتريد فعل ذلك، أيضًا الإيرانيون يريدون إحداث
تغيير في العراق، والعراقيون يسعون لتحقيق أهدافهم بما لديهما من قدرات ووسائل،
ولن تستطيع الضغوط الخارجية إنهاء الحرب إذا لم ترغب الأطراف المتحاربة في ذلك،
خاصة إذا لم تكن هناك آمال في هزيمة عسكرية لأحد الجانبين من الآخر.
● الحرب العراقية الإيرانية كشفت ضعف الدول الكبرى في وقف تسرب السلاح
للطرفين.
ثانيًا- كشفت هذه الحرب أنه من السهولة على الدول المتحاربة أن تحصل على
السلاح حتى وإن لم تكن الظروف مواتية لها، ويؤدي انتشار مصادر السلاح وتوافره إلى
التقليل من أهمية استخدام بيع السلام كوسيلة من وسائل الضغط، إن الإمداد بالسلاح
يجعل لصاحبه تأثيرًا ونفوذًا على مشتريه، ومع توافر مصادر بديلة تخف حدة هذا
النفوذ وهذا التأثير، وهي الفكرة التي كان مبالغًا فيها في الماضي.
إلا أن ذلك لا يعني أن بيع السلاح لن يظل وسيلة هامة تستخدم في
السياسة، وإنما يعني أن استخدام هذه الوسيلة يحتاج إلى مزيد من النظر والتفكير.
ثالثًا- كان التصور القائم قبل اندلاع حرب الخليج أن الحروب في منطقة الشرق
الأوسط -قياسًا على نمط الحروب العربية الإسرائيلية- هي حروب قصيرة الأمد عادة،
لكن حرب الخليج وحرب لبنان أوضحتا أن ذلك ليس صحيحًا تمامًا.
فالحرب يمكن أن تطول
مما يكون له أثره على دول المنطقة وعلى أصحاب المصالح فيها، وصحيح أن طول الحرب
وعنفها قد لا يشجع الدول الأخرى في المنطقة على اللجوء إلى القوة، لكنه من الأهمية
أن ينظر إلى نتيجة الحرب، فإذا نجحت إيران وانتصرت فإن هذا سيشجعها ويشجع غيرها
على استخدام القوة، مما يعني أن للحروب الطويلة خطرها، وخاصة مع احتمالات تصعيد
القتال سواء في مجاله أو في شدته.
وبالرغم من أن
الدولتين المتحاربتين قد كانتا مقيدتين في هذا الأمر إلا أن استخدامهما للصواريخ
بعيدة المدى، والغاز، والهجوم على المدنيين، واتساع المواجهة لتشمل السفن العابرة في
الخليج- قد بين أن توسع الحرب وشدة العنف فيها أمر غير مستبعد.
وحقيقة الأمر أن قدرة
دول المنطقة على الاستخدام الجيد المتزايد والعقلاني للقوات الميدانية والأسلحة
بمختلف أنواعها له انعكاساته الهامة على الولايات المتحدة الميدانية والأسلحة
بمختلف أنواعها، له انعكاساته الهامة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي،
وخاصة إذا ما لجأت إحداهما إلى إسقاط قواتها في المنطقة، إن الحرب تعني الاحتمال
المتزايد لشدة الصراع في المنطقة، ومن ثم فإن هناك تكاليف محتملة تترتب على
الاستخدام المباشر للقوة سواء من قبل الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي ضد
قوات دول المنطقة.
ويجب علينا أن نضع في اعتبارنا أن القوات العسكرية لدول المنطقة ليست
بالقوات الهزيلة، إنها قوات قد يساء قيادتها، وقد لا تحارب جيدًا مثلما تحارب قوات
الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي، لكنه من غير الممكن أن تعتبر ذلك حقيقة
مُسلَّم بها.
لقد تفوق العراقيون
في العمليات الدفاعية، وقد درست القوات المسلحة في الدول العربية الأخرى التكتيكات
العراقية بإحكام، وهذا يعني أن انتشار هذه التكتكيات يزيد من حدة أية مواجهات في
المستقبل.
رابعًا- كشفت الحرب عن الدور المحدود لنفوذ الدول العظمى، فعلى الرغم من أن
الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يريدان لهذه الحرب أن تنتهي، فإنهما في واقع
الأمر غير قادرتين على الضغط المنفرد على الدولتين المتحاربتين لإنهاء القتال، وقد
أدى هذا الأمر إلى التفكير في قضية هامة، وهي (هل حرضت إحدى الدولتين العظمين على
نشوب هذه الحرب، أو أن الحرب مستمرة؛ لأن واحدة من هاتين القوتين تريد لها أن
تستمر). كان هذا هو الرأي السائد في الخليج حينما ذرته في ديسمبر ١٩٨٤، فلا
الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفياتي يريدان للحرب أن تستمر، لكن كليهما محدود القدرة
في التأثير على نتائج هذه الحرب، مما يعني أن عليهما أن يزيد من اهتمامها بالحرب،
وأن يحاولا التأثير عليها، والحد من آثارها.
خامسًا- كشفت الحرب أيضًا عن
توطن العنف وعدم الاستقرار في المنطقة، وعن توطن الصراعات الدينية والسلالية بين
دولها، وكذلك عن توطن الصراع الناتج عن التنافس على المصالح القومية، ولو افترضنا
أن الحرب انتهت غدًا فلا يعني هذا أن هذه الصراعات سوف تختفي، إنها ستبقى لتدمر السلام
في المنطقة، إن الواحد منا لا يستطيع أن يتحكم في مستقبل الحرب أو في عدم اندلاع
ثورة إسلامية أخرى.
هناك مناطق قليلة في
العالم بعيدة عن العنف والصراعات الخطرة، وتستطيع أن تفخر بأنها بعيدة عن الفوضى
وعدم الاستقرار والتهديد بالعنف المفاجئ، وذلك على عكس ما يجرى الآن في الخليج،
لكن هذا لا يعني أن دول هذه المنطقة مستسلمة تمامًا إلى موجة من التعصبات
الإسلامية؛ فالحرب لم تزد أسعار النفط بحدة، ولم يسبب انخفاض الإنتاج منه إلى أي
انهيار مالي ملحوظ، كما لم تؤد الحرب إلى انتشار الصراع وتعميمه.
حقيقة الأمر أن
العراق وإيران يمكنهما أن تتحملا سنوات أخرى من الحرب دون أي توتر داخلي هام، وهذا
مقياس على قوة احتمال واستمرارية القدرة على التحمل عند دول المنطقة، ويمكننا أن
نلاحظ أيضًا أن المخاطر لا تكمن في كل مكان في المنطقة.
لقد أظهرت دول
المنطقة أن لديها استعدادات جيدة في القدرة على مواجهة التهديدات المتنوعة، كما
أظهرت أيضًا براعة ومرونة في حماية مصالحها حتى أن الدولتين المتحاربتين تمكنتا من
الحرب وفق قواعد وحدود معينة.
أخيرًا:
يمكننا أن نشتق من
النقطتين الأخيرتين حقيقة هامة، وهي أن الحرب قد وضعت خطًا تحت قضية هامة، وهي (أن
على الولايات المتحدة يجب أن تتعلم وهي تصيغ سياستها في المنطقة ألا تذهب بعيدًا
في اعتقادها أن هذه المنطقة سهلة الاعتقاد للحلول الأمريكية، وأن تتعلم أن هناك
ديناميكية في الشؤون الإقليمية لهذه الدول، وأن هذه الديناميكية منفصلة تمامًا عن
مصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وعن سياساتهما في المنطقة).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل