; الإسلام والكونجرس - 15 - أوراق أمريكية عن حرب الخليج | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس - 15 - أوراق أمريكية عن حرب الخليج

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 928

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 15-أغسطس-1989


  • التقرير يكشف الفهم الأمريكي لموقف المسلمين من الثورة الإيرانية في بدايتها.
  • كيف تبدأ النظرة الأمريكية إلى مرحلة ما بعد الحرب... ولماذا؟
  • صورة لموقف القوى الكبرى من أحداث المنطقة من خلال ما تمارسه على أرض الواقع.
  • لم يحقق أحد طرفي الحرب أي هدف من الأهداف التي كانت متوقعة قبيل الحرب.

انتهينا في الحلقات الأربع عشرة الماضية من عرض وبيان وقائع الجلستين اللتين عقدتهما لجنة أوروبا والشرق الأوسط المنبثقة من لجنة الشؤون الخارجية التابعة للكونجرس التاسع والتسعين لمناقشة ما يسمونه بالأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي، ونبدأ اعتبارًا من هذه الحلقة في عرض وبيان وتحليل ما دار في الجلسة الثالثة التي انعقدت في تمام الساعة الثانية من يوم الإثنين الموافق ٣٠ من سبتمبر ١٩٨٥ في الغرفة رقم (۲۲۰۰) بمبنى راي بيرن، عقدت هذه الجلسة برئاسة «بنيامين جيلمان» وخصصت لمناقشة حرب الخليج.

ننفرد هذه الحلقة لعرض بيان ومذكرة الدكتور «آديد داويشا» أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج ماسون وكذلك للبيان الذي ألقاه الدكتور «ووليام أولسن» بمعهد الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية الحرب في كارلايسل بولاية بنسلفانيا، أما المذكرة التي أعدها الدكتور «أولسن» فستكون موضوع الحلقة القادمة.

بدء الجلسة:

رئيس الجلسة: سيبدأ الآن انعقاد اللجنة الفرعية، ستنعقد اليوم اجتماعات هذه اللجنة في جلسة مفتوحة المناقشة الحرب العراقية الإيرانية والموقف الحالي للقتال والجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب وتأثير الحرب على سياسة الولايات المتحدة وما ينتج عن استمرارها.

 تدخل الحرب الآن عامها السادس، ولم تحظ هذه الحرب إلا باهتمام محدود من قبل أمتنا لكنها أدت إلى مأساة بالنسبة للشعبين المتحاربين وتهدد بالانتشار في منطقة الخليج، وامتد الصراع بين الطرفين إلى أعالي البحار وإلى السفن العابرة في الخليج

إنه لمن دواعي سعادتنا أن يكون معنا اليوم الدكتور «آدید داویشا» زميل مرکز ولسون. والدكتور «وليام أولسن» من معهد الدراسات الإستراتيجية التابع لكلية الحرب في كالاريسل ببنسلفانيا، والدكتور «جاري سيك» ضابط برنامج الشؤون الدولية التابع لمؤسسة فورد. وقد كان الدكتور «سيك» أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي عند قيام الثورة الإيرانية وهو مؤلف كتاب حديث يتناول سياسة الولايات المتحدة أثناء الثورة.

أيها السادة سنرفق مذكراتكم التي أعددتموها بكاملها مع سجلات المجلس، ونرجو أن تقدموا لنا بياناتكم موجزة طبقًا لأبجدية الأسماء. بيدو ياد. «داويشا» إنك تجلس في دورك أتسمح بأن تبدأ بافتتاح الاستماع؟»

طابقنا البيان الذي ألقاه الدكتور «داويشا» أمام اللجنة بالمذكرة التي أعدها فلم نجد هناك فروقًا ذات بال بينهما سوى في ثلاث نقاط، تناولت الأولى الفوائد التي قد يجنيها العراق من تحقيق نصر سريع على إيران، وتناولت الثانية بعض الإحصائيات التي لم ترِد في البيان عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق قبل اندلاع الحرب، أما الثالثة فقد كانت عن الخسائر التي تكبدتها العراق إثر الهجوم الإيراني على محطات الزيت العراقي ومواقع صناعة الحديد.

الوضع الاقتصادي العراقي:

أما البيان نفسه فقد اشتمل إلى جانب تركيزه على أوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية قبل الحرب وأثنائها على نقطتين هامتين:

الأولى: الفهم الأمريكي لأسباب تعاطف المسلمين مع الثورة الإيرانية عند قيامها، وكذلك للدلالات التي تعنيها الثورة الإسلامية بغض النظر عن النموذج الإيراني عند المحللين الغربيين، وذلك قبل أن يكتشف المسلمون تمركز الثورة حول القومية الإيرانية.

الثانية: ما الذي كان يقصده الأمريكيون من إعلانهم الحياد في هذه الحرب، وماهي أهدافهم من السعي نحو إيقافها؟

وفيما يلي نص بيان الدكتور «داويشا».

د. داويشا- أشكرك يا سيدي الرئيس.

نحن لا نبلغ الحقيقة تقريبًا إذا قلنا إن الحرب العراقية الإيرانية تعتبر من الناحية الاقتصادية والاجتماعية أكثر الأحداث دمارًا في تاريخ العراق المعاصر، قبل بدء الحرب في سبتمبر ۱۹۸۰ كان العراق من الناحية الجغرافية في موقع مركزي ومن الناحية الاقتصادية كان غنيًّا، سكانه ديناميكيون يملؤهم الفخر بأنهم طبقة وسطى متعلمة جيدًا. وبعد انسحاب مصر من ميدان السياسة العربية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد كان خليفتها المعقول كرائد للعالم العربي هو العراق.

لكن هذه التقديرات قد اضطربت بعد عودة آية الله الخميني إلى طهران ليضطرب توازن المجتمع العراقي ويخرب بدوره الخطط الموضوعة بعناية من قِبَلِ النظام البعثي.

آثار جديدة:

وقد كان لظهور أول ثورة حقيقية عميقة الجذور نجحت في الإطاحة بحكم الملكية العلمانية آثارها على المسلمين في العالم العربي بدت ثورة إيران كبرهان ودرس حي لما يستطيع المسلمون تحقيقه لو تمسكوا بدينهم بشدة، ونظر العديد من المسلمين إلى الثورة الإيرانية على أنها الانتصار الأول للمسلمين على غير المسلمين منذ القرنين السادس منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر حينما كانت الإمبراطورية العثمانية في أوج قوتها.

كان انتصار آيات الله في عامي ۱۹۷۹، ۱۹۸۰بالنسبة للمسلمين العرب يمثل إحلالًا بطوليًّا جديدًا للقوة والإصرار على الحق الإسلامي، أكدت هذه الثورة للمسلمين بما فيهم العرب– هؤلاء الذين عانوا لعدة قرون من السمو العسكري والثقافي والتكنولوجي الغربي.

إن هذا الإنجاز قد تحقق عبر الإسلام ولم يتحقق عبر العلمانية أو القومية فظهر العالم الإسلامي منتصرًا، وهذا هو نفس ما أكدته للإيرانيين أيضًا «لم يشر الدكتور داويشا لا في بيانه ولا في مذكرته عن تغير موقف المسلمين العرب بالذات من الثورة إثر ظهور الجانب القومي فيها بصورة جلية».

وحينها قرر رجال الدين في طهران (والكلام هنا لازال للدكتور داويشا) وكرروا قولهم بأنهم يقصدون تصدير ثورتهم إلى الدول المجاورة رأى القادة العراقيون أن الصراع العسكري قد أصبح حتميًّا، وبدأ خريف ۱۹۸۰ للعراقيين أثمن فرصة لشن هجوم عراقي. وكانت تحليلات الخبراء وتقارير المخابرات تظهر أن هناك إحساسًا بخيبة الأمل يسود بين الإيرانيين بعد الحيوية الأولى للثورة بسبب الانقسامات الداخلية وعدم خبرة الحكومة الثورية في طهران وعزل إيران الكامل وانخفاض الروح المعنوية للجيش الإيراني وافتقاد معداته العسكرية إلى قطع الغيار.

الناحية العسكرية

اعتقد العراقيون أن الإيرانيين من الناحية العسكرية لا يستطيعون مجاراة الجيش العراقي المجهز جيدًا، ولهذا كانوا يهدفون إلى الهجوم على كازاخستان الإيرانية التي لا تنتج كل النفط الإيراني تقريبًا فحسب وإنما لأن سكانها الذين يتحدثون العربية طالما طالبوا بالاستقلال الذاتي عن طهران، ولهذا تصور العراقيون أن انتصارًا عسكريًّا متوقعًا هو أمر حتمي ويمكن تحقيقه بسرعه، لكن الأمور لم تجر في الطريق الذي توقعه العراقيون إذ كانت هناك مقاومة إيرانية شديدة أخلت بحسابات العراقيين تمامًا وتحول الأمر إلى مواجهة عسكرية لم تنته في أيام قليلة، كما كان متوقعًا لها وإنما أصبحت مأزقًا تحول إلى حرب استنزاف طويلة كانت ذات تأثير مدمر لكلا البلدين، تخندق العراقيون في حدودهم وخسر الجانبان أعدادًا مروعة من جنودهما ودمر اقتصادهما وانزلقا إلى حرب لا معنى لها كلفتهما الكثير، كانت العراق قبل الحرب قد حققت نجاحًا كبيرًا في الميدان الاقتصادي والاجتماعي  يثير الإعجاب، انطلق دخلهما البترولي في عام ۱۹۷۹ إلى ۲۳ بليون دولار وكان اندفاعها الأساسي في خطط التنمية سياسيًّا كما كان اقتصاديًا أيضًا، وقد صممت خطط التنمية لتصل الهوة بين الفقير والغني، ومع أوائل ۱۹۸۰ تناقصت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل ملموس إلى درجة جعلت من العراق واحدًا من أكثر دول الشرق الأوسط تحقيقًا للمساواة الاقتصادية والاجتماعية، قفز متوسط العامل سنويًّا في عام ۱۹۷۹ من ۸۰۰ دولار إلى ۳۱۰۰ دولار نقدًا ولم ترتفع الأسعار على المستهلك إلا في حدود ۷% فقط، يضاف إلى ذلك أنه كان قد أدخل في عام ١٩٧٥ العديد من برامج الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية التي استهدفت الطبقات الفقيرة أساسًا واشتملت على تحسينات سريعة للجماهير في مجالات الإسكان والتعليم والخدمات الطبية، كما صدرت تشريعات للضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجور وحقوق المعاش.

التدمير:

وجاءت الحرب لتدمر كل ذلك الذي أطلق عليه الرئيس العراقي صدام حسين «بمعجزة» العراق الاقتصادية والاجتماعية.

وصل دخل العراق من النفط في عام ۱۹۷۹ إلى ۲۳ بليون دولار إلا أنه تقلص في عام ٨٣ – ٨٤ إلى ٦ بليون دولار فقط، وكان ذلك بالطبع في وقت تكلفت فيه جهود الحرب ما يقدر بـ ١٥ بليون دولار في السنة، وتضاءل الاحتياطي الكلي الذي كان مقدرًا بحوالي ٣٥ بليون دولار في السنة في عام ۱۹۸۰ إلى ما بين ٣ – ٥ بليون دولار في عام ١٩٨٤.

ولم يكن هذا الاحتياطي بقادر على سد ديون البلاد الدولية التي قدرت في عام ١٩٨٤ ما بين ٨ إلى ١٢ بليون دولار وازدادت حدة متاعب العراق الاقتصادية إلى درجة أنها بدأت تتأخر في دفع أجور تعاقداتها مع الشركات الأجنبية العاملة فيه.

انهيارات:

وبالرغم من ذلك فإن احتمالات حدوث انهيار اقتصادي يتبعه انهيار عسكري لم تكن أمرًا واردًا وذلك لعدة أسباب:

أولًا: اتخذت الدولة في نهاية عام ۱۹۸۲ إجراءات صارمة أوقفت بمقتضاها مخصصات العقود الجديدة كما أجلت توقيت بدء العديد من المشروعات التي تمت الموافقة عليها وخفضت من الإنفاق على المشروعات الاجتماعية وهذا يعني أن التقدم الاجتماعي العراقي يجب أن يتوقف في الوقت الحالي على الأقل لتكريس الجهود كلها نحو الحرب.

ثانيًا: في بداية عام ۱۹۸۲ أمدت دول الخليج العراق بتسهيلات ائتمانية وقروض ميسرة وصلت إلى حوالي ١٥ بليون دولار في السنة.

ثالثًا: كان العراقيون مع بداية ١٩٨٤ قادرون على توفير المال اللازم لشراء الكثير من المعدات العسكرية عن طريق قروض ميسرة من كل من الاتحاد السوفييتي وفرنسا.

وبات واضحًا بدخول الحرب عامها السادس أن العراق يمكن إذا تطلب الأمر أن يكون قادرًا على الصمود لحرب استنزاف طويلة جدًّا، ولم يكن واضحًا أن بإمكان الإيرانيين تحقيق نصر عسكري حاسم أو أن على تصعيد هجومهم على السفن التي تعبر الخليج وعلى جزيرة خرج ميناء النفط الإيراني.

ويمكن القول باختصار أن العراقيين يريدون للحرب أن تنتهي وكان تصعيدهم الأخير لها بمثابة رسالة تحذير إلى إيران عن خطر الاستمرار في الحرب، لكن التصميم الإيراني على مواصلة القتال بغض النظر عن تكاليفه من شأنه أن يؤدي إلى انفجار وصراع بين القُوى العظمى قد لا يمكن تجنبه، وقد رأت الولايات المتحدة أن تتجنب ذلك فحاولت أن تعمل على عدم إمداد إیران لا عن طريق حلفائها ولا عن طريق الممولين الآخرين بمختلف الأسلحة التي تضمن لها الاستمرار في الحرب ومن ثَمَّ يكون أمام الإيرانيين دافع قوي لإنهاء الحرب والحضور إلى مائدة المفاوضات وخاصة بعد أن يشعر الآيات بهذا الانهيار الدرامي في قدرات إيران على استمرار الحرب.

صفقات السلاح:

وفي الوقت الذي تحصل فيه إيران على بعض الأسلحة السوفييتية من بلاد مثل ليبيا وسوريا فإن معظم صفقات شرائها للسلاح هو لأسلحة أمريكية الصنع وهذا هو السبب في حرص الولايات المتحدة على قطع إمدادات السلاح لإيران لكي تزيد من احتمالات إجبارها على اللجوء إلى تسوية سليمة، ولا يحتاج ذلك إلى أي إشارة يظهر فيها ميل الولايات المتحدة الدائم أو الموقت تجاه العراق؛ لأنه يؤكد ببساطة الاهتمام والتصميم الأمريكي على إجبار إيران على التفاوض وتستطيع الولايات المتحدة بعد بدء المفاوضات وتخفيف حدة العداء أن تحكم على القضية بموضوعية وأن تقنع الجانبين بحيادها الكامل، ويمكنها أن تعلن بعد ذلك أنها تتوقع من إيران ألا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق وأن تتوقع من العراق العودة إلى حدوده السابقة، وأن يعود الوضع السياسي والجغرافي والإستراتيجي للبلدين الى ما كان عليه قبل إلغاء المعاهدة الجزائرية من جانب واحد في ١٧ سبتمبر عام ١٩٨٠

وبعد أن تنتهي الحرب لن تعاني الولايات المتحدة بسبب موقفها المحايد من تقلص دورها ونفوذها في المنطقة؛ ولهذا يجب الوصول أولًا إلى مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن الآمال في الوصول إلى هذه المرحلة يضعف طالما أن إیران ترفض نداء وقف إطلاق النار وترفض المفاوضات وطالما أنه تصلها إمدادات كثيرة من الأسلحة الأمريكية الصنع.

ثلاث نقاط هامة

هذا هو نص البيان الذي ألقاه الدكتور «داويشا» أمام اللجنة أما هذه النقاط الثلاث التي وردت في مذكرته المُعَدَّةِ والتي أشرنا إليها فيمكن بيانها على النحو التالي:

١- إن تحقيق نصر عراقي سريع على إيران يحقق للعراق ثلاث فوائد:

أولًا: يؤدي إلى الانتقاص من هيبة الخميني بين الشيعة والمسلمين الآخرين في العراق ودول الخليج.

ثانيًا: يضع خوزستان والنفط الإيراني في قبضة العراقيين ومن ثَمَّ يعطهم يدًا قوية للمساومة في أي مفاوضات مستقبلية مع حكومة طهران.

ثالثًا: يؤكد هذا النصر أن العراق هو القوة الأساسية في الخليج.

٢بالنسبة لأوضاع العراق قبل الحرب:

ارتفع متوسط دخل الفرد من ١٨٤٠ دولار في عام ١٩٧٨ إلى ٢٤٥٠ دولار في عام ۱۹۷۹، وكان العراق في مجال النفط في عام ۱۹۸۰ الدولة الثانية بعد السعودية ووصل إنتاجه منه إلى ٣,٤٧ مليون برميل يوميًّا مما ساعده على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وصلت قيمتها إلى ۱۷,۷ بليون دولار في عام ۱۹۸۰ أي ضعف ما حققه من تنمية في عام ۱۹۷۸.

٣- بالنسبة لتأثير الهجوم الإيراني على العراق

نجحت إيران في الشهور الأولى من الحرب في ضرب محطة النفط في جنوب العراق التي كانت تنتج من النفط العراقي، كما ضرب الإيرانيون مواقع إنتاج النفط ومواقع التكرير الأخرى في العراق ومواقع صناعة الحديد أيضًا تلك التي كلفت العراق في بنائها أكثر من ۲۰ بليون دولار، وتضاعفت مشكلات العراق الاقتصادية حينها أغلقت سوريا خطوط الأنابيب التي كانت تسمح للعراق بضخ سبعمائة ألف برميل يوميًّا من الزيت إلى مواني بانياس وطرابلس وتقلصت مع عام ۱۹۸۲ إمكانيات تصدير الزيت العراقي إلى ستمائة ألف برميل يوميًّا عبر الأنابيب التركية.

بيان وليام أولسن:

هذا هو كل ما ورد في بيان ومذكرة الدكتور داويشا، وننتقل الآن إلى بيان الدكتور وليام أولسن الذي تضمن الخطوط الأساسية الآتية:

أولاً: كشف عن جهل الأمريكيين من غير العاملين في حقل السياسة بأحداث العالم، وعدم قدرتهم على التمييز بين الشرق.

ثانيًا: بين كيف أن حرب الخليج قد تحدت كل توقعات وتحليلات الخبراء، وخاصة في مجال تأثيرها على أسعار النفط ومصادر الإمداد بالأسلحة.

ثالثًا: ألقى الضوء على قضية هامة نتعرض لها بتفصيل أكبر في الحلقات القادمة تتعلق بالدور الحقيقي الذي تمارسه الدول العظمى في المنطقة والبيان يتحدث عن محدودية هذا الدور بمعنى أن الاعتقاد بأن كل ما يجري في المنطقة إنما يجري بتحريك الدول الكبرى اعتقاد مبالغ فيه.

رابعًا: يتوقع البيان أن حرب الخليج ستولد دولًا عظمى في المنطقة ويحث الولايات المتحدة على البحث عن سبل تطوير علاقات مستقبلية مع هذه الدول، كما يوضح البيان تمامًا لماذا تساعد الولايات المتحدة دول المنطقة عسكريًّا واقتصاديا.

وهذا هو نص بيان الدكتور أولسن.

د. أولسن – أشكرك، أود في البداية أن أشكركم وأشكر هذه اللجنة على هذه الفرصة التي أتحتمُوها لي للحديث عن الحرب العراقية الإيرانية التي راح فيها الألوف من الضحايا ودمرت فيها منطقة من أهم مناطق العالم وأود أن أبدأ حديثي بالقول بأن ما أقوله أمامكم ما هو إلا تعبير عن رأيي الشخصي ولا يمثل وجهة نظر الجيش الأمريكي أو أي هيئة أمريكية رسمية.

 حينما كنت أعد بياني هذا حاضرت أمام جماعة من المديرين في بنسلفانيا عن قضية الشرق الأوسط وتحدثت إليهم عن العديد من المشكلات المعاصرة للمنطقة، وتصورت أني قد ألقيت أمامهم محاضرة طيبة، وبعد فترة وصلتني منهم رسالة يعبرون فيها عن شكرهم على هذه المحاضرة القيمة التي ألقيتها عن «أمريكا اللاتينية» لكني سعيد اليوم بأني أتحدث أمام اللجنة المعنية.

مظاهر بعض التطورات

تناولت في مذكرتي المكتوبة الحديث عن خلفية الحرب لكني سأتناول في بياني هذا باختصار شديد بعض مظاهر التطورات الحالية للحرب ولماذا يجب أن نهتم به.

راح ضحية هذه الحرب من نصف مليون إلى ثلاثة أرباع المليون دمرت السلام في المنطقة وتحدت كل جهد للحل ولا يبدو أمامنا الآن مستقبل محدد؛ ولهذه الأسباب أعتقد أنه من المهم لنا أن نتعامل بوجه خاص مع التهديدات التي تشكلها الحرب واحتمالاتها المستقبلية.

لقد تحدت الحرب حتى هذه اللحظة آراء العديد من الخبراء عن طبيعتها واتجاهاتها. توقع الناس أن الحرب ستنتهي سريعًا لكن ذلك لم يحدث، شك الناس أن الجانبين المتحاربين قد لا يتمكنان في الاستمرار في الحرب دون الاستعانة بإمداد خارجي لكن ذلك لم يحدث، فقد كانت القوتان المتحاربتان قادرتين على إيجاد مصادر بديلة من الإمداد واستمرتا في الحرب بفاعلية أكثر، كانت هناك توقعات بأن الحرب ستصيب مجتمع النفط بالذعر لكن ذلك لم يحدث فقد كان تأثير الحرب على النفط تافهًا، لم تزد أسعار النفط بل انخفضت حتى مع الهجوم على ناقلاته في الخليج وهناك نقطة هامة أخرى أبرزتها الحرب وهي أنها أوضحت أن قوة الدول العظمى في المنطقة قوة «محدودة» وذلك بالرغم من النظرة التي يعتنقها معظم الناس والتي تقول «بأن الحرب ما هي إلا ناتج أو استمرار لناتج التدخل المباشر لواحدة أو لكلا القوتين العظميين في المنطقة». وأعتقد أنه من المهم أن نلاحظ منذ البداية أن هذه ليست هي الحقيقة أن الحرب ناتج للتنافس بين الدولتين المتحاربتين، وإنها يحتمل أن تستمر لعدم قدرتهما على إيجاد حل لها.

لقد شجبتُ حديثًا في جريدتي «إزفستيا» و«البراقدا» هذه التوصية التي تقول إن على الولايات المتحدة أن تتبع سياسة استنزاف الطرفين المتحاربين وأنا لا أعتقد أن الولايات المتحدة في وضع تجعلها تفعل ذلك أو إنها تسعى إلى ذلك ولا يجب عليها أن تفعل ذلك.

اتجاه الحرب

ما أريد أن أقوله اليوم هو أن أشير إلى بعض الأمور التي أرى أنها أمور متغيرة في طبيعة الحرب، لا أريد أن أركز على الماضي أو الحاضر القريب، بل أريد أن تنظر إلى أين تتجه الحرب وكيف يمكن أن نضع نهاية لها، إن من الأمور الهامَّة التي يجب علينا أن نلاحظها في طبيعة هذه الحرب هو انخفاض مستوى الضعف في میدان القتال. لقد تبين للإيرانيين بعد هجومهم في السنوات الثلاث الأخيرة أنهم عانوا من خسائر غير معقولة في هذه المعارك ولهذا فإنهم قد آثروا اتِّباع سياسة أو إستراتيجية تعمل على التقليل من خسائرهم في ميدان المعركة، فتحركوا نحو شن غارات تسللية محذورة وراء الخطوط العراقية في محاولة منهم لشق طرق داخلية نحو المراكز العراقية لعلها تحدث انهيارًا فيها، لقد انخفضت نسبة الغارات الهجومية الأساسية التي اعتدنا عليها في الماضي، وإني أعتقد أنه يحتمل أن تستمر هذه النسبة من الانخفاض، وهناك شيء آخر علينا أن نلاحظه وهو ازدياد قدرات العراق في الحرب والتحسن الثابت في قدرة القوات المسلحة العراقية وخاصة في استخدامها لقواتها الجوية، إلا أن دراما الحرب التي برزت في الثلاث سنوات الأخيرة تمثلت في الهجوم على الشاحنات حيث وصلت أعداد الهجوم على السفن الدولية في منطقة الخليج من ۱۲۰ – ۱۳۰هجومًا معظمه قامت به العراق

كما بدأ العراقيون مؤخرًا في الهجوم على جزيرة خرج وهي أكثر مواني تصدير النفط الهامة لإيران كان لهجوم العراقيين في الماضي آثار محدودة على الجزيرة إلا أن الهجوم قد تزايد في قدراته وفي حدته واستمراريته فكان له آثاره بعيدة المدى على قدرات إيران على تمويل الحرب، ومن هنا جاءت إستراتيجية العراق المتمثلة في الضغط على إيران لإجبارها على الحضور إلى مائدة المفاوضات كما لاحظ الدكتور داويشا أن إيران هي الجانب الأكثر عنادًا إنها ترفض المفاوضات ولهذا كان بحث العراق عن إستراتيجية يكسر بها حدة هذا العناد الإيراني.

أهداف لم تتحقق

إن أهم ما يجب أن نركز عليه هنا هو أن الجانبين لم يصلا إلى أهدافهما من هذه الحرب أراد العراق أن يوقف تدخل الإيرانيين في شؤونه فيشن هجومه عليهم لكنه لم ينجح. الآن يريد الإيرانيون إحداث تغيير في شؤون العراق الداخلية لكنهم لم ينجحوا أيضًا. العراقيون الآن معنيون بالسلام أو بشكل من أشكال المفاوضات على الأقل الإيرانيون أقل اهتمامًا بمسألة المفاوضات ومكمن الخطر هنا هو أنه حينما يستعد الإيرانيون للمفاوضات قد يشعر العراقيون أنهم في وضع أكثر قوة فيرفعوا من ثمن مطالبهم، وبمعنى آخر إن الحرب ستجدد نفسها كلما غير أحد الجانبين أهدافه أو بحث عن مزايا جديدة.

وأعتقد أن مثل هذا الأمر يطرح اهتمامًا بعيدًا المدى بمسألة الانتشار الممكن للحرب والطريقة التي تنتشر بها، وقد لاحظنا أنه على الرغم من أن الصراع قد اقتصر على ميدان المعركة وأنه من المحتمل أن يظل كذلك، فإن مخاطر انتشار الحرب في الخليج هي مخاطر حقيقية وهناك العديد من الطرق التي يمكن أن تجعلها كذلك.

من هذه الطرق التي يمكن أن تنتشر بها الحرب في الخليج تلك الزيادة في استخدام القوة الجوية في الخليج، كما ظهر ذلك من قبل العراقيين ومنها أيضًا التهديد بالإرهاب والتخريب وهي أمور يجب أن يحسب حسابها بالطبع.

اهتمام أمريكا

إن على الولايات المتحدة أن تعطي اهتمامها وعنايتها إلى طبيعة واتجاه الحرب وأن تبحث بشتَّى الوسائل لكبح جماح الحرب إن لم يكن إيقافها.

لقد أوصى البعض بأن نستغل سياسة الباب المفتوح لإيران كمحاولة لحل مشكلة الحرب وهذا يعني إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، صحيح أن هناك إشارات مشجعة في هذا الاتجاه لكني أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نسعى للسير في هذا الاتجاه، وأن نبحث عن أي تغير في العلاقات مع إيران، وكما أعتقد هناك العديد من الأسباب التي تدفعني إلى قول ذلك، إن النظام الإيراني لا يملك حتى الآن مسألة تنظيم شؤونه داخل حدوده ومن ثم فإننا بدخولنا حلبة السياسة الإيرانية نكون قد أخرجنا القادة الإيرانيين المعتدلين. وسيكون احتواؤنا في السياسة الإيرانية فرصة للعناصر المتطرفة لتربك سياستنا.

وأعتقد بالإضافة إلى ذلك أنه إذا كان هناك أي تفكير في إعادة العلاقات مع طهران فيجب أن يكون على أساس تخليها عن ممارساتها وتأييدها لجماعات مثل جماعة الجهاد الإسلامي وإني أعتقد أن هناك أدلة قليلة على أن إيران مستعدة لذلك.

وأنا لا أعتقد لهذه الأسباب أن الوقت الحاضر يمثل فرصة مواتية لحدوث تغيرات جوهرية في علاقة الولايات المتحدة مع طهران وصحيح أنه يجب علينا ألا نتجاهل هذه الفرص لكنه يجب علينا أن نضعها في مكانها الصحيح.

هناك قضايا أخرى في هذه الحرب يجب على الولايات المتحدة أن نتعامل معها، وهناك سياسة هامة يجب على الولايات المتحدة أن تنميها في المنطقة واضعة في اعتبارها التهديد المحتمل بالإرهاب والتخريب والتدمير وعلى هذه السياسة أن تكون طويلة المدى وتتضمن كيفية التعامل مع الإرهاب.

إجراء هام

لقد ناقشتُ طويلًا في بياني المكتوب هذه الأمور ولن أدخل هنا في تفاصيل وأرى أن هناك إجراء هامًا يجب على الولايات المتحدة أن تضعه في اعتبارها خاصة إذا ما استمرت الحرب هو احتمالية ظهور قُوى عُظمى في المنطقة بعد الحرب يحتم على الولايات المتحدة أن تستمر في تطوير جهودها في تقوية علاقات الصداقة مع هذه القوى من أجل إيجاد نوع من الروابط الضرورية التي تقوم على علاقات طويلة المدى بين الولايات المتحدة وهذه الدول.

ما أريد أن أقوله هو أن على سياسة الولايات المتحدة ألا تركز على الحرب، وإنما على الكيفية التي تتعامل بها في المستقبل في الخليج، إن الحرب مع ذلك يجب أن تنتهي وأعتقد أنه من المهم لنا أن نشجع سُبل التعاون المحلي بين دول المنطقة وأن نمدها بمساعدات عسكرية واقتصادية كأحد سبل تطوير تأييد سياسة الولايات المتحدة في المنطقة».

                                                                                                                                                                                       =يتبع=

 

الرابط المختصر :