العنوان الإسلام والكونجرس (۹)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 922
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 27-يونيو-1989
محمد قطب: لا يجوز لمسلم أن يشارك في مجلس يشرع بغير ما أنزل الله، ويعلن بسلوكه العملي أنه يرفض التحاكم إلى شريعة الله.
- عمر عبد الرحمن: مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية
تترك مفاسد كثيرة، وتوقع الجماهير العريضة في الحيرة والتضليل،
والالتباس، والشك، والإحراج.
- الفهم الأمريكي المشاركة الإسلاميين في العملية السياسية.
ركزنا في الحلقة الماضية على تحليل الدكتور (فؤاد
عجمي) لما يسميه بالشيعية الجديدة في لبنان، الذي انتهى بتصوره أن الولايات
المتحدة هي صاحبة رسالة التغيير والمساواة، وأن الشيعة والفلسطينيين قد وعوا هذه
الرسالة جيدًا، وقاموا بتطبيقها ضد الولايات المتحدة.
ونعرض في هذه الحلقة للخطاب الذي ألقاه الدكتور
(أوغسطس نورتون) الأستاذ بالأكاديمية العسكرية الأمريكية أمام اللجنة، والذي يلخص
فيه حصيلة دراساته عن حركة أمل وحزب الله طيلة خمس سنوات.
إلا أننا بعد أن راجعنا نص
خطاب الدكتور (نورتون) على المذكرة التي أودعت مع محاضر الجلسات تبين لنا أن هناك
نقاطًا هامة احتوتها المذكرة، ولم ترد في الخطاب، تتناول قضية مشاركة الإسلاميين
في العملية السياسية.
- المشاركة الإسلامية في السياسة:
وقبل أن نعرض للموقف
الأمريكي من مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية من المهم أن نقف هنا على
رأيين آخرين في نفس القضية، أولهما لواحد من رجال الرعيل الأول، ومن كبار المفكرين
الإسلاميين، وهو الأستاذ (محمد قطب) والآخر لواحد من أبرز رجال الحركة الإسلامية المعاصرين، وهو
الدكتور (عمر عبد الرحمن).
يرى الأستاذ (محمد قطب) أن مشاركة
الإسلاميين في العملية السياسية (عبث لا يؤدي
إلى نتيجة، وتفكير ساذج مهما كانت مبرراته، وينطوي على مزالق خطيرة تصيب
الدعوة في الصميم، وتعوقها كثيرًا بالرغم مما يبدو لأول وهلة أن هذه المشاركة تمكن
للدعوة في التربة، وتعجل لها الخطوات).
ولو افترض جدلًا أن
الإسلاميين توصلوا إلى تشكيل برلمان مسلم مائة في المائة يطالب كل أعضائه بتحكيم
شريعة الله، فإن هذا البرلمان لن يستطيع أن يصنع شيئًا بدون قاعدة مسلمة، وأنه
يمكن لانقلاب عسكري أن يحل البرلمان، ويقبض على أعضائه فيودعهم جميعًا في السجون
والمعتقلات، وينتهي كل شيء في لحظات.
ويحدد الأستاذ (قطب) المزالق التي
تترتب على مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية في ثلاث:
أولًا- المزلق العقائدي: لا يجوز للمسلم -من زاوية العقيدة- أن يشارك في مجلس يشرع بغير ما أنزل
الله، ويعلن بسلوكه العملي في كل مناسبة أنه يرفض التحاكم إلى شريعة الله؛ وذلك
لأن الدين يأمر المسلم بالتحاكم إلى شريعة الله وحدها دون سواها، ويقول له إن
كل حكم غير حكم الله هو حكم جاهلي لا يجوز قبوله، ولا الرضا عنه، ولا المشاركة
فيه، يضاف إلى ذلك أن هذا المجلس الذي يشرع بغير ما أنزل الله يلزم الأعضاء بقسم
اليمين له، والتعهد بالمحافظة عليه وعلى الدستور الذي ينبثق منه، والله -تعالى-
يقول: ﴿وَقَدْ
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ ﴾ (النساء: ١٤٠) ،
والحديث الدائم للسياسيين هو مخالفة شريعة الله والإعراض عنها.
والقول بأن الإسلاميين
يمكنهم عبر المشاركة السياسية هذه إسماع الساسة والناس بصوت الإسلام، وإعلان
الرفض المستمر للتشريع بغير ما أنزل الله، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله في منبر
رسمي، هو في واقع الأمر تبرير لا يبرر تلك المخالفة العقيدية الواضحة.
- من السيرة النبوية:
أما عن الاستناد إلى أن
النبي (صلى الله عليه وسلم) ذهب إلى قريش في ندوتها ليسمعها كلام الله، فهذا صحيح لكنه
مردود عليه بأن النبي (صلى الله
عليه وسلم) لم يشاركهم في ندوتهم، ومن ثم
يكون الادعاء بأن المشاركة في العملية السياسية والعضوية فيها إنما هي إتاحة
الفرصة لتبليغ كلمة الحق ادعاء لا سند له من دين الله.
ثانيًا- مزلق تمييع القضية بالنسبة للجماهير في
الوقت الذي يقال فيه للجماهير في كل مناسبة إن الحكم بغير ما أنزل الله باطل، وإنه
لا شرعية إلا للحكم الذي يحكم بشريعة الله، ترى الجماهير أن هؤلاء الذين يقولون
لها ذلك يشاركون فيها يدعون إليه الجماهير بعدم المشاركة، ولهذا لا نتوقع من
الجماهير أن تمتنع عن المشاركة في كل حكم غير حكم الله وهي ترى أن الإسلاميين
يشاركون فيه.
والقول بأن دخول البرلمان
عمل ييسر قيام القاعدة الإسلامية لأنه يدعو لها من فوق المنبر الرسمي الذي له عند
الناس رنين مسموع- هو في الحقيقة إعاقة لقيام هذه القاعدة بهذا التمييع الذي يظهر
في قضية الحكم بما أنزل الله، فلا يصبح عند الجماهير تصور واضح للسلوك الإسلامي
الواجب في هذه الأمور، ولن تكون هذه القاعدة بالحجم المطلوب لقيام حكم إسلامي حتى
يصبح وعي الجماهير وتعلم علم اليقين أن عليها (عقيدة) أن تسعى لإقامة الحكم الإسلامي
وحده دون أي حكم سواء، وألا تقبل وجود حكم غير حكم الله.
- الوقوع في اللعبة:
ثالثًا- مزلق الوقوع في اللعبة السياسية: تبين
تجارب القرون كلها أن اللعبة السياسية لعبة يأكل القوي فيها الضعيف، ولا يتاح
للضعيف فيها أن يغافل القوي فينتزع من يده شيئًا من السلطان، والقوة والضعف في هذه
اللعبة لا علاقة لها بالحق والباطل، ولا بالكثرة والقلة؛ لأن النظام محمي في
الداخل بقوة عسكرية، وتسانده في الخارج قوى كبرى، والخاسر في هذه اللعبة السياسية
هم الإسلاميون والكاسبون هم أعداء الإسلام الذين ينظفون سمعتهم أمام الجماهير
بتعاون الإسلاميين معهم، أو اشتراكهم معهم في أي أمر من الأمور، أو بتمييع قضية
الإسلاميين في نظر الجماهير وزوال تميزهم في الساحة.
والتوهم بأن أعداء الإسلام
سيظلون غافلين حتى يتسلل الإسلاميون إلى مراكز السلطة على حين غفلة من أهلها
فينتزعون السلطة، ويقيمون الحكم الإسلامي تصورًا ساذجًا للغاية، وتكفي تجربة
السودان لإبطال هذا الوهم إن كان له وجود حقيقي.
وينتهي الأستاذ (محمد قطب) إلى
القول بأن من المفروض على الإسلاميين ألا يشاركوا في جاهلية السياسة من حولهم، وأن
يعرف الناس عنهم أنهم أصحاب قضية أعلى وأشرف من كل التشكيلات السياسية الأخرى
التي تريد الحياة الدنيا وحدها، وتتصارع على متاع الأرض، ولا تعرف في سياستها
الأخلاق الإسلامية ولا المعاني الإسلامية، فضلًا عن مناداتها بالشعارات الجاهلية،
وإعراضها عن تحكيم شريعة الله، ولم يحدث مرة واحدة أن استطاع المستضعفون في اللعبة
السياسية أن يديروا دفة الأمور من داخل التنظيمات السياسية التي يديرها أعداؤهم؛
لأن الترس الواحد لا يتحكم في دوران العجلة، ولكن العجلة الدائرة هي التي تتحكم في
التروس.
أما ما يحدث من إصلاحات
جزيئة عارضة في بعض نواحي الحياة على يد الإسلاميين فإنه أمر لا يطيقه أعداؤهم،
وسرعان ما يمحونه ويبطلون آثاره، وتظل الآثار السيئة التي يسببها تمييع القضية
باقية لا تزول، وشرها أكبر بكثير من النفع الجزئي الذي يتحقق بهذه المشاركة.
وينتهي الدكتور (عمر عبد الرحمن) إلى نفس
الرأي أيضًا؛ حيث يرى أن مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية تترك مفاسد
كثيرة، وتوقع الجماهير العريضة في الحيرة والتضليل والالتباس والشك والإحراج،
ويعتبر اشتراكهم أي الإسلاميين دليلًا على شرعية الحكومة التي تصدر قوانين وضعية،
ويرد الدكتور (عمر عبد الرحمن) على الادعاء بأنه يمكن تبليغ رسالة الإسلام عبر هذا
المنكر بأنه ادعاء يضمحل أمام المنكرات التي تمر أمامهم، ولا يستطيعون التحرك كما
يجب، ويقول أيضًا: (إن وجود الإسلاميين في تلك
المجالس هو شبه عار في جبين المعارضة الإسلامية؛ إذ لولاها لما تبجح النظام بأنه ديموقراطي).
- الموقف الأمريكي:
نأتي الآن إلى الموقف
الأمريكي من هذه القضية، كنا قد أشرنا في الحلقة الثالثة إلى ما جاء في ص (٣١) من
التقرير الذي قدمه السفير (إليتز) الذي يقول فيه (وجدت العديد
من الحكومات أنه من الحصافة أن تسير في هذا الاتجاه -ويقصد به اتجاه استرضاء
الإسلاميين واحتوائهم- ولو بدرجات مختلفة، وخاصة تلك الحكومات التي تربطها علاقة
وثيقة بالولايات المتحدة) وعن علم
الإسلاميين بهذا الاسترضاء وهذا الاحتواء يقول التقرير: (وهناك من الإسلاميين في هذه الدول من يدرك أن حكومته
تحاول استرضاءهم، وأن توفق بينها وبينهم، أو أنها تتراجع عن مواقف لها مع
الأصوليين قبل أن يفوت الأوان ويصبح الوقت متأخرًا)،
ويعترف التقرير بأن تكتيك احتواء الإسلاميين في مصر قد حقق بعضًا من النجاح.
أما عن رأي الدكتور (نورتون) فإنه يعد
-في تصورنا- لطمة قوية لمن يرى بجدوى مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية؛ إذ
وصف الإسلاميين أمام اللجنة -وهو يحاول طمأنتها إلى أن خطورة الإسلاميين ليست بالصورة
الحقيقية- وصفهم بالبراجماتية (الذرائعية).
يقول الدكتور (نورتون) في المذكرة
التي أعدها في ص (۱۱۳ و ۱۱4) (هناك دول قليلة في الشرق الأوسط
نجحت في تمكين مواطنيها من أن يكون لهم صوت قوي في الحكومة، لكن المشاركة السياسية
في شكل انتخابات أو استفتاءات عامة زائفة هي في الغالب عملية استعراض أكثر منها
كشيء حقيقي، ومع استثناءات قليلة يمكن القول بأن التمثيل السياسي يحقق مصالح
الممثلين أكثر من الممثلين، ويسخر الدكتور (نورتون) من المشاركة
السياسية للإسلاميين في البرلمانات، في الوقت الذي تنافس فيه ميزانية الشرطة
السرية الميزانية المخصصة لأمور الصحة العامة، ويحذر (نورتون) من أهمية
المسجد والمركز الديني فيقول: (إنه في الوقت الذي نجد فيه في بعض الدول تنافس
ميزانية الشرطة السرية ميزانية الصحة العامة، فإن المسجد والمركز الديني يكونان
بمثابة مكان للقاءات البعيدة عن عيون الرقباء).
- اتهام بالبراجماتية:
وعن اتهام (نورتون) للحركات
الإسلامية بالبراجماتية يقول: (إنه مما
يلفت الانتباه بوجه خاص هو هذه البراجماتية التي تميز العديد من الحركات الإسلامية
في الوقت التي تصر فيه هذه الحركات على أنها صاحبة مبدأ، ففي مصر على سبيل المثال
وجدنا الإخوان المسلمين (المهابين) في تحالف انتخابي مع حزب الوفد الجديد الذي كان في صورته
القديمة قبل عام ١٩٥٢ العصا الضاربة للإخوان).
وأخطر ما في مذكرة الدكتور (نورتون) قوله في ص
(١١٥): (نحن في حاجة إلى أن نذكر أنفسنا
إلى أن السياسة الإسلامية هي (سياسة) كما هي في مجال السياسة العالمية، تميل إلى أن تتعايش مع سمات
أقل منها مهابة). وهو ما عبر عنه الأستاذ (محمد قطب) بفقد التميز
على الساحة السياسية.
- الإسلام المصداقية الثقافية:
أما عن الإسلام نفسه
فيقول الدكتور نورتون: (إنه ليس
صحيحًا -كما يرى البعض- أن الإسلام قد أعيد اكتشافه من جديد؛ لأنه في واقع الأمر
جزء لا يتجزأ من ثقافة الشرق الأوسط، وهو بالنسبة للمسلمين مظهر متجدد لمصداقية
ثقافية ولغة معتادة للتظاهر والفعل السياسي، والإسلام على عكس الشيوعية
والليبرالية والاشتراكية لم يفسد لارتباطه بالغرب؛ فلازالت المنطقة تهاجم الغرب،
وتتهم أفعاله في الماضي والحاضر بأنها أفعال أمبريالية).
ولا يختلف (نورتون) عن غيره من
الباحثين في نظرتهم إلى الإسلام كأيديولوجية سياسية، وكوسيلة للفعل السياسي
المؤثر، بمعنى تفريغه من كونه كعقيدة ينبثق منها نظام لمعالجة مشكلات الحياة في
المقام الأول، وقد تفسر لنا النظرة إلى الإسلام كأيديولوجية وليس كعقيدة جانبًا من
الأسباب التي تدفع بعض الإسلاميين للمشاركة في العملية السياسية.
يقول (نورتون) في ذلك: (الإسلام مثله مثل أي أيديولوجية سياسية يكون موضعًا للاستخدام
والاستغلال من قبل السياسيين أيًا كانت هويتهم سواء أكانوا رجال دين، أو من ضباط
الجيش السابقين، إنهم جميعًا يتنافسون لملء هذه الرمزية الإسلامية سواء بأسلوب
فعال أو غير فعال).
- تهوين قدرة الإسلاميين:
نعود الآن إلى الخطاب الذي
وجهه (نورتون) إلى اللجنة، حاول (نورتون) في تصورنا أن يهون على أعضاء اللجنة من خطورة الإسلام
والإسلاميين قصور لهم أن هذا الذي يشاهدونه على الساحة لا يمثل كيانًا واحدًا
للإسلام، إنما هو خليط متعدد الأوجه من الأحزاب، والمجتمعات متعددة الأهداف،
والبرامج والدوافع، وأن هناك القليل الذي تشترك فيه الحركات الإسلامية بالرغم من
انطوائها جميعًا تحت راية الإسلام، وكان (نورتون) قد صاغ هذه
التهدئة لمخاوف الأمريكيين في المذكرة التي قدمها للجنة أيضًا فقال في ص
(۱۳): (أعتقد أن هناك اتجاهًا يقترب من دراسة الحركات الإسلامية، كما
لو أنها ناتج آخر من غموض الشرق وألغازه، وبالرغم من أننا لا نشك في أن هناك مظاهر
خفية لهذه الحركات، فإني أريد أن أقول إننا يمكن أن نلاحظ فيها شكلًا
سياسيًا شاملًا أقل صعوبة في فهمه مما نفترضه أحيانًا).
وقد استهل الدكتور (نورتون) بالآتي: أشكرك جدًا يا سيدي الرئيس، سيدي الرئيس، أعضاء اللجنة
الفرعية، إنه لمن دواعي سعادتي أن أكون هنا لتقديم شهادتي أمام اللجنة الفرعية،
وقبل أن أبدأ أود أن أشير إلى أني قد حضرت هنا بصفتي باحثًا، وليس بصفتي ممثلًا
للأكاديمية العسكرية الأمريكية، أو أي مؤسسة أخرى تابعة للحكومة الأمريكية،
باختصار أنا أعبر عن وجهة نظري الخاصة.
أود أن أبدأ حديثي بملاحظة
واضحة، ولكنها هامة جدًا، وهي أن الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي ليس كيانًا
واحدًا، إنها خليط متعدد الأوجه من الأحزاب والمجتمعات والحكومات ذات أهداف وبرامج
ودوافع تخص كل تجمع منها، باختصار نحن لا نشهد طوفانًا ضخمًا يلهمه الدين عبر
الشرق الأوسط، هناك القليل الذي تشترك فيه هذه الحركات الإسلامية بالرغم من
ادعاءاتها بأنها تتجمع تحت راية الإسلام.
- قضية العداء لأمريكا:
أنا لا أهدف إلى التقليل من
أهمية البعث الإسلامي، ولكني أريد أن أؤكد هنا أن هناك العديد من الأشكال السياسية
لهذه الحركات، ومع تغايرها فإنها ليست جميعها معادية للولايات المتحدة، وإني أعتقد
أن نقاطي ستكون أكثر وضوحًا بالحديث عن حالة خاصة في هذه القضية، ولهذا فإني أود
أن أتحدث للحظات قليلة عن الشيعة في لبنان، هذا المجتمع الذي درسته لفترة تتراوح
من أربع إلى خمس سنوات.
وفي تصورنا أن هذه
الأحكام التي أصدرها الدكتور (نورتون) وعممها على كل الحركات الإسلامية متأثرة تمامًا بالفترة التي
قضاها دارسًا لحركة أمل وحزب الله، وقد يكون من المفيد هنا أن نعرض لبعض الجوانب
من دراسة الدكتور (تورتون).
*حركة أمل:
يقول (نورتون) عن حركة أمل: (كانت حركة أمل تسير في طريقها لقيادة الحركة الشيعية في لبنان
في أواخر السبعينيات، إلا أن الاختفاء الغامض لقائدها الملهم (موسى الصدر) في ليبيا في
عام ١٩٧٩ الذي شكل باختفائه معنى رمزيًا لهم، وكذلك الثورة الإيرانية التي قدمت
لهم نموذجًا للفعل الجمعي المؤثر لهم، ورجال الدين الساكنون، وأخيرًا هذا الاستياء
والكراهية العميقة للفلسطينيين الذين احتلوا الكثير من المناطق المأهولة في لبنان،
أدت هذه العوامل الثلاثة إلى نمو متحرك لحركة أمل في السبعينيات وأوائل
الثمانينيات، ووجد الشيعة في حركة أمل وسيلة تضامن قوية تحقق لهم دفاعًا
ذاتيًا جمعيًا.
وعلى الرغم من أن حركة
أمل تحسب على أنها جزء من حركات الشيعة، فإنها تعكس في واقع الأمر الشعور السياسي
الجمعي للشيعة، إن حركة أمل مثلها مثل كثير من الحركات الشيعية تفتقد ولا تزال
تفتقد إلى برنامج سياسي محدد، إلا أنه ليس من الصعب تمييز الخطوط العامة لبرامجها،
وباختصار شديد يمكن القول بأن حركة أمل تسعى إلى ما يلي:
1.
التكامل الإقليمي واستقلال لبنان.
2.
إعادة بناء الشرعية السياسية والحالة المدنية في لبنان.
3.
دور أعظم في القوة السياسية للشيعة.
- الفروق بين أمل وحزب الله:
وبالنسبة للنقطة الأخيرة
فإننا نرى أنهم يرفضون أن توزع القوة السياسية طبقًا للتركيبة الطائفية القائمة،
وعن الفروق الأساسية بين حركة أمل ومنافسها حزب الله يقول (نورتون).
حركة أمل تريد لبنان
علمانيًا، ويتم الاحتفاظ بداخله على كل التغايرات الدينية، وهي لا تعمل على تشويه
سمعة النموذج الإيراني، لكن قائد الحركة أعلن بوضوح تام أن النموذج الإسلامي ليس
مناسبًا للبنان، وقد أعلنت إيران عدم رضاها عن حركة أمل بسبب توجهاتها
اللا إسلامية.
أما حزب الله فيرى أن لبنان
لا بد أن يحكم بالقانون الإسلامي مع ارتباط وثيق مع النظام الإيراني، أما عن
درجة قوة كل من الفريقين فإن حزب الله يتمتع بفصائل معدة من القادة الذين يجنحون
إلى التشدد، كما أنه يتمتع بتمويل سخي وهو مسلح ليس فقط بالأسلحة والبنادق
العادية، وإنما بتلك الأسلحة المضادة للدبابات وللطائرات والمدفعية المحمولة.
وبالرغم من حالة الفوضى
الاقتصادية التي يعيشها لبنان، فإن حزب الله يدفع لمقاتليه رواتب سخية، وعلى
عكس ذلك نجد أن حركة أمل تعتمد على ميلشيا لبعض الوقت وذات رواتب ضعيفة، قد لا
تدفع لهم أحيانًا؛ لأن مصادرها المالية محدودة.
- خوف أمل من الاستئصال:
إلا أن حركة أمل قد اضطرت
تحت شبح الخوف من الاستئصال أن تلعب دورًا أكبر في مقاومة الغزو الإسرائيلي،
ومع أواخر عام ١٩٨٤ كانت الحركة أكثر نشاطًا على المسرح السياسي، وقد اعترف (نبيه بري) بأن على
الشيعة أن يتوافقوا مع الحقائق السياسية الحاضرة وإلا فإنهم سيخرجون من الحلبة).
وبدون الدخول في مزيد من
التفاصيل عن دراسة (نورتون) فإنه يهمنا منها أن نقف على التصورات الأمريكية التي تقول إن
ليست كل الحركات الإسلامية معادية للولايات المتحدة.
حدد (نورتون) أن هناك
أعداء (دائمين) وأعداء (موقفيين) للولايات المتحدة التي يجب عليها أن تسعى وتؤكد على
التمييز بين هؤلاء الذين يقعون في القائمة الأولى، والآخرين الذين يقعون في
الدائرة الثانية.
ومرة أخرى نقول إن هذا الحكم
من (نورتون) مبني على دراسته على الحركة الشيعية في لبنان.
يقول (نورتون) في ص
(۱۱۰): (إنه من المهم أن نعترف بأن هناك من الإسلاميين من لا يمكن
اعتبارهم أعداء دائمين للولايات المتحدة، هناك أعداء موقفيون للولايات المتحدة،
والشيعة اللبنانيون مثال لذلك ليس معظم الشيعة اللبنانيين على وجه التحديد من
الأعداء الدائمين للولايات المتحدة، ولكنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تتحمل
قدرًا كبيرًا من اللوم بسبب الأحداث التي جرت في السنوات الأخيرة، ونحن لا نعترف
في الولايات المتحدة بأن إسرائيل ينظر إليها على أنها الجواد الصائد للقوة
الأمريكية، ولما غزت إسرائيل لبنان في عام ۱۹۸۲ شعر كثير من العرب
أن الولايات المتحدة قد غزت لبنان أيضًا، وأيًا كانت جدوى أو عدم جدوى الغزو
الإسرائيلي للبنان فإن الشيعة في لبنان والعديد من المسلمين الآخرين يرون أن
الولايات المتحدة تعمي بصرها، وتصم سمعها عن الأفعال الإسرائيلية.
*العداء لأمريكا ثانية:
وعن عداء الحركات الإسلامية
للولايات المتحدة يعطي (نورتون) تفسيرًا سيكولوجيًا -كعادة الأمريكيين دائمًا- لكنه من المهم
هنا أيضًا أن نبين أن هذا التفسير ينصب أساسًا على نظرته لعداء حزب الله للولايات
المتحدة، لكنه يعمم هذا التفسير على الحركات الإسلامية.
يقول (نورتون) في ص (۱۱۰)
أيضًا: (إني أضع
حزب الله في قائمة الأعداء الدائمين للولايات المتحدة، إن حزب الله (وجماعات أخرى مثله) هم أعداء
ليس من المستطاع الوفاء بمتطلباتهم، ولا يمكن تلطيف درجة هذا العداء مهما فعلنا،
إن مثل هذه التنظيمات تحتاج إلى عدو لكي تعبئ تأييد الناس ضده، ومن السهل عليها أن
تلوم الولايات المتحدة بدلًا من أن تلوم نفسها، ومن هنا -بالنسبة لحزب الله- فإن
الولايات المتحدة هي وراء كل المصائب التي يعاني منها الشيعة.
- التغلب الأمريكي على المشكلة:
أما عن كيفية تغلب الولايات
المتحدة على المصاعب التي تواجهها مع الإسلاميين فيقول (نورتون): بوضوح تام
نحن نحاول أن نتغلب على مصاعبنا مع ظاهرة سياسية صعبة بدرجة عميقة سواء في لبنان
أو في أي مكان آخر، وهي ظاهرة ليست مفهومة جيدًا دومًا في الشرق الأوسط، وبدرجة
أقل بكثير في الغرب.
لا نقول إن هناك حلولًا عامة
في حد ذاتها، وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا قوة لها، إن الالتزام المستمر
بمبادئ العدالة وحكم القانون والحرية الفردية على سبيل المثال سوف يخدم مصالحنا
جيدًا، بالإضافة إلى ذلك فإنه يجب علينا أن نستمر في الاعتراف بأنه في تعاملنا مع
مشاكل الشرق الأوسط يجب أن تكون الدبلوماسية الصبورة هي فضيلة محددة، ولا يعني
الصبر عدم الاهتمام أو الإهمال، إن مشاكل المنطقة لن تختفي؛ فالمناطق الساخنة
ستصبح أكثر سخونة إذا لم تعالج، إننا لا ننصح بالتأكيد بالإهمال أو عدم الاهتمام بالنظر
إلى تعقد وحدة المشاكل.
وختم (نورتون) خطابه
قائلًا: (في النهاية أخشى أن أتنبأ بأن
هذه اللجنة قد تضطلع بعقد جلسات أخرى عديدة عن الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي،
هذا الموضوع الذي سيعيش معنا لسنوات عديدة قادمة).
(يتبع).