العنوان الإسلام والكونجرس ٤٦: إسرائيل في الجنوب بين الترحيب والترغيب
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 52
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-أبريل-1990
انتهينا في الحلقة الماضية من عرض
وبيان كل ما جاء في مذكرة الدكتور نورتون عن حركة أمل، وقسمناها إلى ثلاث مراحل:
المرحلة من ظهور الصدر وحتى اختفائه، ومرحلة ما بعد اختفاء الصدر، ثم مرحلة ما
يسمى بالتحالف الموضوعي بين أمل والجيش الإسرائيلي.
وهناك مذكرتان أخريان يعتبر ما جاء
فيهما استكمالًا للمذكرة السابقة، وهاتان المذكرتان للدكتور نورتون أيضًا. ضمت
الأولى إلى اجتماعات اللجنة برقم (٥) تحت عنوان «صنع الأعداء في
جنوب لبنان.. حركة أمل والجيش الإسرائيلي وجنوب لبنان» والثانية
برقم (٦) بعنوان «المخاطر الوظيفية والتقاعد المخطط
للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان».
راجعنا المذكرة
رقم (٥) على مذكرة نورتون الأصلية عن حركة أمل، ووجدناهما مطابقتان
تمامًا باستثناء عدة نقاط لم يوردها نورتون في مذكرته الأولى، وتتعرض هذه النقاط
لعدة موضوعات تتناول شخصيتي نبيه بري وحسن الحسيني، وميلشيا الكتائب، وحادثة
النبطية، والآثار التي تركتها فتوى الشيخ شمس الدين إثر الحادثة على الوجود
الإسرائيلي في الجنوب..
وستتناولها على النحو التالي:
1- نبيه بري ظاهرة غير
محترمة في لبنان، وحسن الحسيني ينحاز إلى شمس الدين في النضال لتحديد من يتحدث
باسم المجتمع الشيعي.
يمثل نبيه بري القائد الحالي لأمل
صورة مصغرة من الشيعة الجدد الذين يسعون لتأكيد هويتهم، وعلى عكس الزعماء الآخرين
تجده محاميًا في الثالثة والأربعين من عمره، ولا يمكنه الادعاء بأنه ينحدر من أسرة
وجيهة، وقد قال عنه أحد الزعماء بازدراء من هو هذا ابن مصطفى بري؟ وذلك يعني أن
بري يفتقد إلى الكارزمية والتوهج تلك التي يتمتع بهما منافسوه من الزعماء الشيعة،
ويمثل نبيه بري ظاهرة غير محترمة في لبنان بدرجة كبيرة، ويعني وجوده ظهور طبقة
سياسية اجتماعية جديدة لا يرضى عنها الزعماء..
حسن الحسيني رجل مثقف ومخلص من عائلة
شيعية لها اعتبارها.. ينحاز إلى شمس الدين في النضال لتحديد من يتحدث باسم
المجتمع الشيعي.
2- إسرائيل تسمح للكتائب
بالعمل في الجنوب.
سمحت إسرائيل لميليشيات الكتائب بأن
تعمل في الجنوب، وقد ركزت أحد التقارير الصحفية على أهمية الكتائبيين في الصراع
الدائر، وخاصة بعد أن ازدادت خطورة هجومهم على الشيعة إلى درجة أن إسرائيل
تدخلت لتقيد من أنشطتهم.
3- حادثة النبطية وفتوى
الشيخ شمس الدين.
في أكتوبر ۱۹۸۳ قتل القائدان
الشيعيان للميليشيا التي تدعمها إسرائيل، وعززت إسرائيل جهودها لبناء ميليشيات
شيعية لتضعف بها قيادة أمل في الجنوب. وفي نفس الشهر وقعت حادثة النبطية، كان
خمسون ألفًا من الشيعة يحتفلون بيوم عاشوراء، وحاولت قوة عسكرية إسرائيلية أن تشق
طريقها وسط هذا الزحام، فحدثت مواجهة بين الفريقين قتل فيها اثنان من الشيعة وجرح
آخرون بعد أن فتح الجنود الإسرائيليون النار عليهم.
وبعد هذه الحادثة أفتى الشيخ شمس الدين
بفتوى تحث الشيعة في الجنوب على القيام بعصيان مدني شامل للغزو الإسرائيلي، فأعطت
هذه الفتوى شرعية لمعارضة المحاولة الإسرائيلية تأسيس بناء شيعي يسمح لها بأن
تضع الجنوب اللبناني تحت قبضتها، كما صعبت من أن يجد الشيعة المتعاونون مع
إسرائيل تبريرًا لهذا التعاون.
4- «كان بإمكان إسرائيل أن
تعجب بنا لو عاملتنا بشرف، لكنها حولتنا إلى أعداء»
صرح أحمد خليل رئيس بلدية
صيدا: أن عند إسرائيل الكثير الذي تعجب به، وكان بإمكانها أن تعجب بنا لو
عاملتنا بشرف، لكن الإسرائيليين حولونا إلى أعداء، لقد قاموا بغزو بلادنا لطرد
الفلسطينيين ثم بقوا بها واحتلوها.
ويتفق معظم اللبنانيين مع موشى أرينز
وزير الدفاع الإسرائيلي في مقولته: إن اللبنانيين ضحايا سوء الحظ؛ إذ وقعوا
تحت احتلال لعناصر عسكرية أجنبية بلا ضرورة وبلا مبرر، ويدخل العديد من اللبنانيين
الجيش الإسرائيلي في هذه القائمة الأخيرة.
5- تلاشي السرور الذي صاحب
الغزو الإسرائيلي
وقد أدى نمو عدم التعاطف مع الغزو
الإسرائيلي إلى بعث النشاط في أمل، وأيا كان السرور الذي صاحب الغزو الإسرائيلي في
عام ۱۹۸۲ فإنه الآن قد تلاشى.
هذه هي النقاط الخمس التي وردت في
الملحق رقم (٥)، ولم تكن واردة في مذكرة نورتون الأصلية عن حركة
أمل.
ننتقل الآن إلى المذكرة الملحقة
بمحاضر اجتماعات اللجنة التي تحمل رقم (٦).
تتناول هذه المذكرة عدة قضايا مهمة
تلقى الضوء على المسائل الآتية:
1- تعتبر لبنان بعد العراق
دليلًا آخر على فشل مبدأ تصدير الثورة الإيرانية إلى الشيعة في المناطق المجاورة،
إذ لم يكن يرغب اللبنانيون في محاكاة النموذج الإيراني لاعتقادهم بأن
تكاملهم کمجتمع يرتبط ببقاء لبنان.
2-
تبرز هذه المذكرة أن إسرائيل قد اكتشفت ما
يسمى «بالجن الشيعي» بعد أن أسقطت المارون والدروز من حساباتها، وأنها قد
أخطأت التقدير في تعاملها مع الشيعة في البداية حينما اعتمدت على جيش لبنان
الجنوبي، وقد اعترف الإسرائيليون بخطأ حساباتهم إلا أن نورتون قد رأى أن الصفقة مع
الشيعة كانت ممكنة إذا تمت بهدوء، وأرجع خطأ إسرائيل إلى أنها لم تقرأ الأوضاع في
الجنوب القراءة الصحيحة، فكان طبيعيًا أن يحل التطرف محل الاعتدال.
3- أوضحت المذكرة أن
إسرائيل هي التي صنعت أعداءها في الجنوب؛ لأن عداء الشيعة لها مستقل عن الاحتلال
الإسرائيلي للمنطقة، خاصة وأن نورتون يرى أن التطرف ليس سمة دائمة من سمات
الشيعة، وإنما هو رد فعل فقط.
4- كشفت المذكرة عن مصلحة
كل من الدروز والنصارى في استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في الجنوب.
ونعرض الآن للمذكرة طبقًا لتسلسل ما
جاء بها من موضوعات:
1-
ملابسات قرار الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب:
لم يكن
قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي في يناير ١٩٨٥ بسحب القوات الإسرائيلية من جنوب
لبنان مجرد قرار قد فات أوانه لتخليص هذه القوات من الشرَك الذي وقعت فيه، ولكنه
كان تسليمًا بالهزيمة وتعبيرًا عن الذعر من البقاء في لبنان.
ولم تكن الخطط التي وضعتها إسرائيل
لهزيمة الفلسطينيين وتأسيس حكومة صديقة لها، وإيجاد حزام أمن في جنوب لبنان إلا
مجرد محاولة غير ناجحة لفرض قوة خارجية للسيادة على لبنان.
وتبعًا للتقارير المنشورة كان من
المقرر أن تسحب إسرائيل قواتها على ثلاث مراحل تنتهي الأولى في فبراير،
وتستكمل الأخيرة مع نهاية صيف ١٩٨٥.
كان الهدف في الحقيقة مغادرة لبنان
بأسرع وقت ممكن، وربما مع أوائل الصيف، ما إن توجد القوات النائبة عن إسرائيل
وجهاز المخابرات والبعض من الارتباط بإسرائيل.. لقد فهم رئيس الوزراء الإسرائيلي
بيريز ووزير الدفاع إسحاق رابين (1985) تمامًا مخاطر البقاء في لبنان،
متفقين في ذلك مع رؤية الجماهير الإسرائيلية، وإن كان ذلك لا يعني القول بعدم
إدراكهم أن هناك مخاطر أيضًا في طريق الانسحاب من لبنان.
2- الاكتشاف الجديد
لإسرائيل بعد سقوط المارون والدروز من حساباته:
إن الموقف الإسرائيلي في لبنان،
وللشيعة مكانهم في لبنان الذي يسوده المارون لكن الأخيرين أثبتوا أنهم أضعف من أن
يعتمد عليهم وأنهم كالقصبة الضعيفة غير الثابتة. هناك كارت آخر يمكن اللعب به..
إنهم الدروز اللبنانيون، لكن هذا النصف مليون من الشيعة الذين يعيشون في الجنوب
كانوا هم الحليف الموضوعي لإسرائيل، وكانوا كغيرهم يعترفون بالعقلية العملية التي
تعمل على ضرورة الحفاظ على علاقات سليمة مع جارهم الإسرائيلي القوي عسكريًا.
كان صانعو السياسة الإسرائيلية
يجهلون بدرجة غريبة هذا التطور المهم للشيعة في لبنان، ويفاجأ الزائر لإسرائيل بأن
المسؤولين فيها قد اكتشفوا الآن فقط هذا المجتمع الشيعي، لقد كسر الشيعة عزلتهم
السياسية وأسمعوا أصواتهم للآخرين عبر تنظيماتهم المتعددة.
3- فشل مبدأ تصدير الثورة
الإيرانية للشيعة في البلاد المجاورة:
لم يكن لدى معظم الشيعة اللبنانيين
الرغبة في تكرار النموذج الإيراني، إنهم يريدون ببساطة أن يعيشوا في منازلهم
آمنين متمتعين بمكانة اجتماعية واقتصادية جيدة. ومن السهل أن نلاحظ أن الشيعة لم
يكونوا ببساطة «شيعة»، إنهم شيعة لبنانيون؛ ولهذا فإنهم يفهمون جيدًا أن
تكاملهم كمجتمع شيعي يرتبط ببقاء لبنان.