العنوان الإسلام وبُعده الاستراتيجي أمام التحديات
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1415
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 29-أغسطس-2000
لا يصح أن يتصور عاقل أن عداء الغرب للإسلام مجرد صدفة، أو رمية بدون رامٍ، ولا يجوز أن يتخيل مفكر أن حرب الأوروبيين للإسلام، هي لخوفهم علينا أو لحدبهم على مصالحنا من تعاليم الإسلام التي لو تسربت إلى عقولنا لزادتنا تأخرًا وتخلفًا وبلاءً.
وهم بهذا يريدون لنا الرقي والرفعة والتقدم ولكن الحق الذي لا مراء فيه، والحقيقة التي لا يعتريها شك، أن خوف الغربيين من الإسلام، لتأكدهم من فاعليته في إحياء الأمم، وتحققهم من قدرته على بعث الحامل، ونهضة المتخلف، وإيقاظ النائم ونشر الموات ومقاومته لأسباب الوهن، وجراثيم الضعف وجحافل الصدمات.
عرف هذا الباحثون الغربيون والمراقبون والمثقفون الأوروبيون وأذاعوه وكتبوا وحللوا المنهج الإسلامي من جميع جوانبه، يقول: مارسيل بوازار الفرنسي في كتابه «إنسانية الإسلام»، إن الإسلام روح كل مقاومة يبديها شعب مغلوب سياسيًّا وجوهر الموضوع أنه ما دامت الصدمة موجهة إلى العالم الإسلامي بالدرجة الأولى، فإن الرد سيكون إسلاميًّا، وقد حمل الإسلام راية الصراع مع الاستعمار فالإسلام ذو ديناميكية توحيدية لها قدرة على مواجهة التجزئة والتفتت، وبعث الحامل، وإحياء الموات.
كما يؤكد بوازار، أن العامل الديني في المجتمع الإسلامي يتمثل في معايير الاستناد، وهي البواعث المنشطة، كما يتمثل في الأيديولوجيات الاجتماعية والأخلاقية، ولا يشك المسلمون في أن التعاليم المنزلة، والقيم المتراكمة عبر العصور كفيلة بتقديم حل لمعضلات المجتمع المعاصر بإعادة بناء مؤسسات الإسلام السياسية، وإنعاش أصالته الخلاقة، ومن هنا يؤكد بوازار أن القاعدة الأخلاقية تدفع المسلمين إلى تجاوز الواقع صوب الأحسن، وبما أن الاستعمار يهدف بالدرجة الأولى إلى إرغام الأمة على قبول مؤسساته، وصياغته للحياة، فإن وجود البديل الإسلامي يمثل أهمية بالغة في دائرة الصراع.
ويؤكد هذا روجيه جارودي، فيقول: إن الإسلام لا يقف في مجابهته للاستعمار عند حدود المرحلة التاريخية الاستعمارية، بل يتخطاها إلى المستقبل، ما دام الإسلام في أساسه حركة ضد استلاب الإنسان، فهو أيضًا ضد الصهيونية التي تمثل أشد صيغ الاستلاب الراهن، ولهذا اعتنق جارودي الإسلام بعدما أدرك أنه -أي الإسلام- هو الوحيد القادر على فتح الطريق أمام المستقبل خارج الأديان الأخرى، وخارج النمطين الاشتراكي والرأسمالي.
ويوافق «توينبي»، «بوازار» و «جارودي» في أن الإسلام يمنح الأمة القدرة على مواجهة التحدي، وإذا كانت الوحدة الإسلامية نائمة فإنها ستستيقظ يومًا ما، ومواجهة الإسلام ضد الاستعمار ليست فقط على المستوى الزمني، بل لها بعد جغرافي أيضًا، ففي بلدان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه نجد الإسلام هو الدافع والمحرك ضد الاستعمار، في مصر في الجزائر، في ليبيا، في تركيا، في كل بلد إسلامي، وليس كفاح الإسلام مقصورًا على المستعمر، بل كذلك ضد أعوانه من بني جلدتنا، وضد الظالمين من المنتسبين إليه.
ولذلك ترى في وقتنا الحاضر، أن العداء للإسلام يشمل هؤلاء جميعًا، وأن التنسيق لحربه يتناول أفعال وجهود هذا وذاك ممن يخشون على نشاطهم الحرام، وأعمالهم المجرمة، وأفعالهم الآثمة ولذلك فبالإضافة لقدرات الإسلام الذاتية، هناك قدرات المسلمين العاملين للإسلام قيادات وشعوبًا دلالة على تأكيد إسلامية الرد في مواجهة الصدمات شرقية كانت أو غربية خيانية كانت أو زنادقية، وجميع الانتفاضات التي سادت البلدان الإسلامية في عشرات السنين الأخيرة كانت إسلامية بصورة حقيقية رغم صبغة الأزياء التي ألبستها، ولهذا فالمحاولات الاستعمارية التي ما زالت مستمرة إلى اليوم سواء كانت بأيد غربية أو محلية والترويج لتغريب البلاد الإسلامية اليوم سواء كان بجهود أجنبية أم عربية ستلقى الفشل الذريع، يقول هيلين دانكوس: إن ألف سنة من التربية الإلحادية لا تستطيع أن تستأصل جذور الإيمان من كيان الإنسان، ولن يتم ذلك إلا بتغيير التركيب البشري نفسه، وبعبارة أصح قتل الإنسان، وذلك لأن نزعة التدين مغروسة في جبلة الإنسان عمومًا، فكيف بالمسلم الذي يحمل مؤثرات دين ليس كالأديان.
ولهذا يعلم خسران وبوار العداء للإسلام ورجاله، ويعرف نتائج الحملة على الإسلام ودعاته، وليت هؤلاء المساكين من بني جلدتنا يعرفون عاقبة أمرهم وجهودهم فيقعون عن عنتهم في معاداتهم لدينهم ومنهجهم، وعن محاولة تشويهه والنيل من رجاله وتعاليمه، يقول بوازار: الإسلام يمثل بالنسبة لمجموع المسلمين قوة معنوية عجيبة، وحافزًا اجتماعيًّا لم يستخدم إلا جزئيًّا. ثم يقول: إن فكرة العلمنة فكرة غريبة على المجتمعات المسلمة، إن هذه الأمة ما عرفت يومًا الانفصال والثنائية بين ما هو مادي، وما هو روحي ديني أو دنيوي فالكل يتوحد في عقيدة استطاعت أن تلبي حاجات الإنسان فردًا وجماعة، وإن كان بعض الدول الإسلامية تبنى العلمانية، فإن ذلك على مستوى الحكومات والقيادات غربية الصنعة، أما على مستوى الشارع المسلم فإن قوى الإسلام كل يوم في ازدياد.
ولقد كان بعض المفكرين الغربيين صريحًا للغاية من أمثال: «ليوبولد فايس» و«اتيين دينيه» و «أمیل در منغم» و «بوازار»، إذ يقررون: أن أسباب تخلف المسلمين هي موقفهم من الإسلام وبعدهم عن تعاليمه الدينية الإسلامية، فانحطاط المسلمين السياسي والاجتماعي كان موازيًا لنسيان مبادئ الإسلام الصحيح، ولم ينشأ عن شيء آخر، وأن أتباع محمد لو نهضوا وأفاقوا من سباتهم لرجع لهم عزهم السالف وتاريخهم المجيد، فلسنا بحاجة إلى إصلاح على الإسلام ولكننا في حاجة إلى إصلاح موقفنا من الإسلام، ويوجه أحد الغربيين سؤالًا فيقول: أيهما خير للشعوب الإسلامية نهضة إسلامية قوية خلقية دينية اجتماعية في الشرق، وعلمية بالطبع، أم فساد خلقي وانحلال ومادية جافة مستعارة خاضعة تكون ذيلًا وعميلة للغرب؟. ثم يقرر فيقول الإسلام هو القادر على صياغة المستقبل ليس لأهله فقط ولكن للبشرية جمعاء.
لأنه نقطة البدء الجديد أمام الإنسانية الناهضة".
وصدق الله: ﴿... لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ ...﴾ [البقرة: 143].
نسألُ اللهَ الهدايةَ والتوفيقَ.. آمينَ..