العنوان الإسلام ومحاولات التغريب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980
مشاهدات 81
نشر في العدد 488
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 08-يوليو-1980
في عددها الصادر في ۱/6/۱۹۸۰ قدمت جريدة لوموند الفرنسية مقابلة مع الكاتب الجزائري علي مراد والمجتمع أن تقدم هذه المقابلة إلى قرائها لكي يقف المرء على طبيعة التغريب الذي مس أبناء المسلمين حتى أفرزت حركة التغريب هذا الصنف من هجين مدارس الفلسفة والضياع الفكري.
الكاتب الجزائري علي مراد ولد في مدينة الأغواط بالجزائر ودرس في مدرسة الابتدائية الفرنسية فيها، وهو يدرس الآن في معهد الدراسات العربية الإسلامية في مدينة ليون بفرنسا.
هجوم عنيف على الإسلام من بعض المنتسبين إليه:
الإسلام سجين العقائد المتصلبة
خلال إدانته للتعصب «الديني» الذي لدى أغلبية العلماء «المسلمين» المواطن الجزائري علي مراد أستاذ العلوم الإسلامية في ليون «فرنسا» يتمنى لو يتخلى الإسلام عن تقاليده المختلفة التي يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى!...
وينفتح على العالم الحديث؟!!
س- ما هي انطباعاتكم نحو السلام في الشرق الأوسط؟
ج - إني أنادي بالاعتراف بدولة إسرائيل، وأرجو أن تصبح مدينة القدس مدينة سلام مفتوحة للجميع مدينة استقبال يلتقي فيها الجميع، إني مع الإسلام الذي يحتاج إليه جماهير الشعوب العربية ليتفرغوا لبناء بلدانهم. كما إني أعتقد أنه طالما لم يحصل الفلسطينيون على وطن لن يكون هنالك سلام لا للعرب ولا لإسرائيليين.
س- هل ترون علاقة بين ارتفاع حدة التعصب الإسلامي الحالي وبين مشكلة الشرق الأوسط؟
ج - لا شك من أن الجرح الإسرائيلي الممثل في احتلال القدس المكان المرشح ليوم القيامة والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بالغيبيات الإسلامية كذلك مدينة الخليل حيث يوجد الحرم الإبراهيمي الغالي على المسلمين. بالإضافة إلى عدم قدرة الستمائة مليون مسلم على الانتصار على ثلاثة ملايين من الإسرائيليين، لا شك أن تلك العوامل كلها جعلت الرواسب العميقة المشحونة -لدى هؤلاء المسلمين- تتمسك بشدة على الشيء الوحيد الذي كانوا يملكونه هو الإسلام. لكن قيام دولة إسرائيل ليس العامل الوحيد في رجعة المسلمين إلى الإسلام، بل من العوامل أيضًا إفلاس الحكومات العربية -في سياساتها- منذ استقلال بلدانها مما أدى إلى انحطاط مستوى حياة الفرد هنا وهناك، وجعلت حياة الفلاح سيئة باطراد. والمشكلة الحقيقية هي أن الإسلام الذي يلتفت إليه الإنسان المغلوب على حاله يحمل أفكارًا من النوع الذي كان سائدًا في أوروبا في القرن الثالث عشر إنه دين كانت له عظمته في القرون الوسطى لكن منطقة لا يناسب الحياة الحديثة التي نعيشها اليوم!!
هل تصدق أن بعض العلماء «المسلمين» أدانوا غزو القمر بحجة أن رجال الفضاء لم يكونوا في حالة طهارة عند نزولهم على القمر. بينما وصف بعض علمائنا الدينيين إلغاء حكم الإعدام بأنه هجوم على الله، مع أن الله وصف نفسه «بالرحمَّن» فيما لا يقل عن ستة وخمسين مرة في القرآن الكريم. لكن هذا الغموض لا يمنع «التعصب» الإسلامي من أن يجد من يدافع عنه بين المثقفين الغربيين، ويزين الخطب التي تقدم الإسلام مجردًا من كل ما يمكن أن ينفر منه الغربيين مثل: عدم المساواة بين الجنسين وبين الأديان أمام القضاء، والطلاق وتعدد الزوجات وغير ذلك... وتفتقر تلك الخطب أحيانًا حتى إلى بعض الخطوط المهمة للمجتمع «المحمدي» مثل الإيمان الثابت بالله التأثيم بحب اللذات الجسدية والرزانة عند الموت.
الإسلام أصبح الآن موضة في الغرب وإن كان ذلك للمجاملة أحيانًا، ولكن مهما كان نوع ذلك الشوق -نحو الإسلام- فإنه يبقى نحسًا لأنه يمثل وجهة نظر خاطئة نحو حقيقة الأمر، فبعضهم يظن أنه من الضروري أن يفصل من الإسلام كل الأفكار التي يمكن أن تكون صدمة للجماهير الأوروبية. كما أنهم يصورون الجهاد بأنه ليس حربا مقدسة بل هو محاربة النفس مع أن حقيقة الأمر وأسفاه، والآن في كل مكان يعرض الإسلام في صورة ماء ورد يجعل كل شيء لطيفا وهذا أمر مضحك»
بعض الأوروبيين بالعكس يصورون الإسلام بطريقة مفزعة لإخافة الأوروبيين.
الحكمة إذن هي أن يعرض المسلمون الإسلام كما يعرفونه فالمثل يقول: أهل مكة أدرى بطرقها. لكن إلى أي مسلم يتوجه المرء لشرح الإسلام»؟ فالشباب «المسلم» جاهل غالبًا أو متعصب أو يتصف بالأمرين معًا. بينما الجيل القديم المنفتح على الخارج بدأ يغيب دون أن يترك من يخلف. وهذا جانب مأساتنا، فالذين كانوا يرون أهمية تعديل الأسس العقدية للإسلام من أمثال طه حسين، لم يتمكنوا من ذلك وحدهم، وبقيت تلك الأسس دون تغيير، فكيف يمكن تطوير الشباب إذا كان محتوى التعليم والأساس الديني ما زال كما هو؟
ستظهر موجات وتوترات، لكن المناقشات يمكنها أن تطور الأفكار والمفاهيم لولا استثناءات قليلة مثل اليمن الجنوبي الذي أدخل تعديلات شيوعية على طرق الحياة الإسلامية، وإلا فمحتوى التعليم «الإسلامي» لم يتغير وما زال مرتكزا على العقائد الموروثة من العصور الوسطى.
س - هل ترون ضرورة القيام بثورة ثقافية «إسلامية»؟
ج - لا أرى ذلك، لكن يلزم النظر بطريقة جديدة إلى الوحي الإلهي الذي يعتبره الإسلام مهمًا جدًا.
يجب تطوير الأفكار والحساسيات الازدواجية بين الدين والسلطة أصبحت الآن المشكلة الرئيسية في الإسلام لكن ما دامت المفاهيم «الإسلامية» دون تغيير فإن النداءات الرامية إلى الفصل بين الدين الإسلامي والسلطة لن تلقى أذنًا صاغيةً، وقد نادى بذلك الشيخ المصري علي عبد الرزاق في الفترة ما بين الحربين العالميتين.
س- إنك مشهور بالتعاطف مع المسيحيين فكيف توصلت إلى الميل إلى المسيحية؟
ج - في المدرسة الابتدائية الفرنسية تأثرت برفيقي في الدراسة المسيحي، ويومًا من الأيام اكتشف بعد مطالعة للكتاب المقدس بأنه يحتوي على أمور لم تكن غريبة عني، فالقرآن نور جاء لينضم إلى الأنوار السابقة قبله وأيضًا عام ١٩٥٦ أهدى إليَّ شباب مسيحيون كتابًا من تأليف جان فوكولت في أحد بيوت الشباب في ضواحي باريس. وطالعت الكتاب وتأثرت به فحدثتني نفسي أن أحاول أن أطلع على ما في الديانات الأخرى التي يمكن أن يكون أتباعها أكثر إيمانًا مما نتعلمه في تقاليدنا، وأخيرًا وصلت إلى الشعور بالوحدة والتكامل بين الأديان ولكني حين أعلنت ذلك وجهت إليَّ تهم عديدة من قبل المسلمين، ففي عام ١٩٧٤ عندما حضرت مؤتمر الأديان حول الإسلام في مدينة «لودين» اتهمت أنا ومحمد أركوم بالكفر من طرف اثنين من شيوخ الأزهر لأننا قمنا إجلالًا عند احتفال ديني لغير المسلمين. وقرأت في بعض الصحف الإسلامية المصرية بعد ذلك أن المسلمين المنتمين للغرب عملاء لتنكيس الإسلام. كل ذلك لأن بعض المسلمين الذين أعتبر نفسي واحدًا منهم يحاولون أن يدافعوا عن رؤيتهم المتطورة إلى العالم الإسلامي بينما يتمسك الشيوخ بأفكارهم القديمة المقفولة.
س - هل لديك شعور بأن الإسلام يمكنه أن يبقى كما هو الانفتاح الواسع على عملية التحديث والتطوير التي يشهدها العالم المعاصر؟
ج - أرى أن مثل هذا التجديد سوف يأتينا «من الشرق» من آسيا، حيث وقعت محاولات تجديدية وتعديلية، مثل محاولة علي بوتو التي كانت تتسم بسعة الأفق والشمولية والليبرالية أكثر من نظرية بورقيبة فقد حاول بوتو أن يحدث تغيرات متعلقة بتقسيم الأرض الزراعية بطريقة اشتراكية نوعًا ما، كما طرح فكرة سماها من جسر بين المسلمين وبقية العالم، لكنه اغتيل في مؤامرة للمتدينين العسكريين الذين كانوا ينظرون مصالحهم الخاصة التي أمام الخطر.
في آسيا الإسلامية، الذين كانوا يدعون إلى تجديد الإسلام بعضهم هربوا من بلادهم والبعض معتقلون أو تم إعدامهم، لكن بذرة التجديد قد تم زرعها وما زالت الجهود مستمرة في السر، وهذا التجديد وحده الذي بإمكانه أن يحررنا من تقاليد العصور الوسطى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل