العنوان الإسلام يضيء في الغرب ويكشف فساد نظرياته
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1984
مشاهدات 73
نشر في العدد 654
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-يناير-1984
إنك قد تدهش حين تسمع من الذين يدخلون حديثًا في الإسلام من أهل الغرب كيف يجدون في الإسلام الشيء الذي غاب عنهم طويلًا وطالمًا بحثوا عنه وحاروا في التماسه.
والغربيون الذين يتحولون إلى الإسلام بأعداد هائلة إنما يحدث ذلك لأنهم يجدون فيه اختيارًا قابلًا للتطبيق ولهداية الحياة الإنسانية وإذا بحثنًا في أعماقهم عن أرواحهم وعقولهم نجد أن الكنيسة المسيحية التي انتموا إليها ذات يوم قد خذلتهم وأصبحت عاجزة عن أن تعود بحياتهم إلى الأخلاق والقيم ونجد أن الحياة الغربية والعقيدة السائدة هناك وهي «العلمانية» قد حرمتهم من الملاذ والملجأ الذي يمكن أن يرجعوا إليه عندما تدهمهم المشاكل والمشاكل كثيرة هناك وأغلب المشاكل تتعلق بالفراغ النفسي والخواء الروحي الذي يجعل الحياة الإنسانية خالية من أي معنى.
ومعظم المسلمين هناك من الناس الذين عانوا من مشاكل الفقر والظلم الاجتماعي البشع في مجتمع الوفرة والثراء المريض، فلم يستطيعوا أن يجدوا أي علاج أو اهتمام من أي مصدر سواء كان دينيًا أو اجتماعيا، وكذلك تحولوا إلى الإسلام لأنهم وجدوا فيه عقيدة يمكن أن تصلح حياتهم وتخرجهم من اللا أخلاقيات والمشاكل التي يواجهونها، ووجدوا في القيم الإسلامية: العدل الاجتماعي الذي يتوقون إليه والذي لم تستطع الحياة العصرية أن تحققه لهم. كذلك فإنه بالنسبة للعدد الكبير من النساء اللاتي اعتنقن الإسلام فإنهن قد وجدن في الإسلام ما يحفظ كرامة المرأة ويكرم أنوثتها التي أهدرتها الحياة الغربية المادية ويعلن أن المرأة في هذا المجتمع الغربي الذي يدعي التقدم ما هي إلا دمية لمتعة الرجل ولاستغلال جسدها وفتنتها وعريها في الدعاية والإعلان عن الأفلام والتلفزيون ليكون وسيلة لترويج السلع والبيع، وهو أمر لا أخلاقي يحط من كرامة الأنثى.
ويعلن أن علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع الغربي قد حولت المرأة إلى آلة لمتعة الرجل هي هكذا في نظر هذا المجتمع الذي هو في الواقع مجتمع لا ديني بحجة أنه مجتمع علماني ومدخل الكثيرين من الغربيين إلى اعتناق الإسلام يعود في أحيان كثيرة لرفض المفاهيم التي لا يقبلها العقل ويكشف العلم الحديث زيفها على النحو الذي يتحدث به الدكتور بوكاي: فكرة التثليث ووجود أكثر من إله وتناقض الكتب القديمة، كل هذه الأفكار غير معقولة وغير منطقية ومعقدة لا يقبلها العقل ولكن فكرة التوحيد الإسلامية بسيطة وسهلة ومنطقية وتتمشى مع الفطرة «عبد المنعم سلام» وهكذا ينفرج الستار قليلًا قليلًا عن ذلك النور المبين الذي يهدي القلوب.
وحين يتحدث أشهر أساتذة علم الأديان في أمريكا بروفيسور «بروس لورانس» فإنه يستطيع أن يقول الحق إذا كان منصفًا ولم يكن ممن ألقيت عليهم غلالات التبشير والاستشراق الداكنة: لقد كان الغرب عمومًا ينظر للإسلام والمسلمين على أنهم جماعة من العرب المتخلفين وأنهم يكرهون اليهود ويعادون كل ما هو غربي، وأستطيع أن أقول إن هناك تغيرًا اليوم، فقد أدرك الغرب أن العالم الإسلامي يمكن أن يكون قوة فعالة منذ عام ۱۹۷۳ وأن سقوط الشاه وظهور الخميني دفع الغرب لأن يعيد النظر ويدرس الإسلام في محاولة للتنبؤ بالمستقبل وقد كان من نتيجة ذلك اكتشاف أن الإسلام حضارة كاملة لها تراثها والغرب لديه مرونة كافية ليعرف بخط معتقداته السابقة لكي يفتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي وليعرف أن الإسلام ليس مجرد جماعة من المتعصبين ونقف قليلًا أمام هذه المحاولة من الغرب ولا نظن أنها ستكون مخلصة أو متحررة، وإنما ستكون محاولة لاستقطاب هذه الصحوة والمعرفة أبعادها لتدميرها والقضاء عليها وقد حدث هذا بالفعل وبدأت مخططات كوهين هذه الروح عن منافذ كثيرة سواء عن طريق السياسة أو عن طريق الاقتصاد ونحن نعرف أن الغرب لن يسلم بهذه الحقيقة ولكن سيعمل لمزيد من تعويق امتلاك المسلمين لإرادتهم بإقامة مجتمعهم وتجديد حضارتهم.
ولعل للصهيونية ضلعًا كبيرًا في إفساد تصورات الغرب نحو الصحوة الإسلامية، ولكن لهذه الجولة سلبياتها وإيجابيات ها، وأهم إيجابيات ها تلك النظرة المنصفة التي تكشفت فيها أقلام من أمثال بوكاي وجارودي، ولقد كانت أهم الحقائق التي كشف عنها الأعداء والنصراء على السواء، هو أن الإسلام نظام حياة ومنهج بناء مجتمع لاريب على الرغم من صيحات بعض الساسة العرب بأكذوبة فصل الدين عن السياسة في المجتمع الإسلامي، وإن كانت وكالات الأنباء العالمية وهي خاضعة للنفوذ الصهيوني تحاول أن تزيف الحقائق، بالإثارة، وباستعداء الغرب على المسلمين وبتصدير حضارة المسلمين بصورة الحرب والتسلط وهو ما هي براء منه وتاريخها شاهد.
وفي الحقيقة أن الأبحاث الجديدة تحاول أن تصور عدة أمور هامة:
الأمر الأول: هو الاعتراف بخطأ الغرب في إصراره السنوات الطوال على إنكار فصل الحضارة الإسلامية، والدور العظيم الذي قام به المسلمون في بناء الفكر والعلم والحضارة الإنسانية وقد أشار إلى هذا الدكتور «مارسيل بوازار» كما أشار إليه بتوسع وإطالة الدكتور جارودي في كتبه الأخيرة، وهو ما أشارت إليه الدكتورة «سجريدة هونكه» منذ أكثر من عشر سنوات في كتابها الذائع «شمس الله تشرق على الغرب».
وهي الحقيقة التي تناولها قبل ذلك عدد من الباحثين الغربيين المنصفين أمثال جوستاف لو بون، وكارليل، ودرابر.
الأمر الثاني: محاولة النظر إلى الإسلام نفسه على أنه من الأديان العالمية مع ضرورة الحوار معه والعمل على مواجهة الإلحاد والشيوعية.
الأمر الثالث: تخفيف لهجة الكتابات الاستشراقية، وخفوت صوت التجاهل والتعصب العنيف وأن بقيت روح التشكيك وإثارة الشبهات وظهور كتب جديدة لغربيين فيها روح الاعتدال. ولكن الدعوة إلى الحوار على الرغم من كل مظاهرها ما زالت تخفي جوانب كثيرة تحتاج إلى يقظة وحذر شديد من جانب المسلمين فإن العملية بدأت من جانب الكنيسة واستدرج إليها كتاب علمانيون أمثال طه حسين وغيره في رغبة للحصول على إقرارات إسلامية بالاعتراف بالمسيحية وبالسيد المسيح دون مقابل من الجانب الآخر في نفس الوقت الذي استمرت فيه حركة التبشير التنصيري بكل ثقلها على جوانب كثيرة من العالم الإسلامي وخاصة شرق وغرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا في مخططات قيل عنها إنها رسخت خطة لتنصير المسلمين في هذه المناطق في خلال عشرين سنة أو خمسين مما سنتعرض له من بعد.
ومن هذه الظواهر: عودة الإسلام إلى الأندلس، وزحفه على أوروبا وتزايد أعداد المسلمين في فرنسا وألمانيا وتوسعه في مختلف أجزاء القارة الأوروبية والقارة الأمريكية وأستراليا.
وهذه ظاهرة بعيدة الأثر في إضاءة الإسلام لقلوب عديدة في الآفاق الواسعة فها هو الإسلام يدخل هذه المناطق سلمًا بعد أن استبعد منها وأخرج من الأندلس والبلقان فإذا أضفنا إلى ذلك تزايد عدد المسلمين في العقود الأخيرة على نحو واسع حتى في المناطق التي لا يستطيعون فيها إبلاغ إرادتهم كالمناطق الإسلامية في الاتحاد السوفيتي بينما تتناقص أرقام المواليد في الغرب على نحو خطير جدًا، علمًا أن الإسلام يتدافع في قوة من حيث يمتلك أهله الآن القارة الوسطى الغنية بأنواع الثروة والخامات والطاقة، وقد تزايدت في السنوات الأخيرة مواردهم أضعافًا مضاعفة بعد ارتفاع أسعار النفط كل هذه علامات بارزة في زحف الإسلام وتزايد إيقاعه في القلوب وفي الأرض على نحو يوحي بتغيير شامل في خريطة العالم في خلال هذا القرن الخامس عشر الهجري.
فالمسلمون اليوم يملكون قدرًا وافرًا من العتاد «الحربي والطائرات والدبابات» والأسلحة وإن كانوا لا يملكون مصانع العتاد الثقيل، كما أنهم لا يزالون في الخطوات الأولى لصناعة القنبلة الذرية وقد تعالت الأصوات في العراق وباكستان، ثم خفت قليلًا بينما استطاع العدو الصهيوني أن يمتلك هذه القنبلة وكل الدلائل تؤكد أن العالم الإسلامي مؤهل لأن يصبح قوة فعالة قادرة على أن تتحكم في التوازن الدولي وأن ما يردده البعض في الغرب من أن العالم الإسلامي لم يبرز كقوة سياسية إلا بسبب البترول هو تصور قاصر فإن بين أيدي العالم فيما عدا النفط- الذي ربما انتهى أمره بعد خمسين عامًا- تلك القدرة الاستراتيجية في البحار والقارات الفذة وتلك الثروات المخبوءة تحت الأرض وذلك التفوق البشري الكاسح كل هذا يوحي بأن العالم الإسلامي يتقدم خلال القرن الخامس عشر إلى أفق جديد.
ولقد حققت حركة اليقظة الإسلامية خلال العقود الأخيرة نتاجًا وافرًا حين كشفت عن أمور كثيرة:
أولًا: كشفت عن كنوز الإسلام «في الفقه والعلم والعلوم الاجتماعية التي اقتبسها الغرب وبني عليها نهضته، وأنكر ذلك الفضل حتى كشفت الأيام حدثًا بعد حدث وهو نتاج وافر. فالإسلام هو الذي بنى المنهج العلمي التجريبي وهو الذي أنشأ منهج المعرفة ذي الجناحين وهو الذي قدم عشرات النظريات في الاجتماع والأخلاق والسياسة والدين والاقتصاد مما مذخور في تراث الإسلام، هذا العطاء الذي أفاضه الإسلام على العلوم والفكر والحضارة خلال ألف سنة، في مواجهة تحديات الغرب الذي أنكر في إصرار وعناد وتعصب عطاء الإسلام ثم عاد في العقود الأخيرة يعترف.
ثانيًا: كشفت عن فساد مطروحات نظريات الغرب وأيدولوجياته من الفكر البشري الذي قدمته عقول ونفوس مليئة بالشهوات والمطامع والاستعلاء باللون والجنس على أمم العالم بدعوى حضارة الرجل الأبيض.
كما كشف الإسلام عن المحاذير التي أوقعها الاندفاع وراء الشهوات والأهواء في الغرب حين فصل بين الدين والسياسة وبين الدين والأخلاق وبين الدنيا والآخرة من تلك السموم والاضطرابات والأزمات والتمزقات في الأسرة والمجتمع الغربي اليوم بانتشار أمراض الزهري والسيلان والجنون والانتحار
ثالثًا: ما كشفه أناس من علماء الغرب، ومن علماء اللاهوت أنفسهم عن فساد الكتب القديمة واضطرابها وتناقضها وتعارض ما فيها وما يقرره العلم الحديث مما يؤكد أنها ليست من عند الله -تبارك وتعالى- وإنما هي من أهواء الرهبان والأحبار بينما لا يجد الباحث في العلم الغربي على أعلى مستوى في القرآن ومعطياته عن الحياة والحياة الأخرى وعن الكواكب والفلك والأرض أي ثغرة يمكن أن ينفذ منها ما يشتبه بأنه من الفكر البشري.
رابعًا: زيف وفساد المناهج الغربية الوافدة تحت اسم المنهج العلمي والمنهج الفلسفي ومذاهب الرأسمالية والليبرالية، ومذاهب الاشتراكية والماركسية ومذاهب الفرويدية والداروتية ومذاهب البرجماتية ونظرية ديوي ونظرية لاوجست كونت ومذهب التطور المطلق ونظرية النسبية والتفسير المادي للتاريخ كما تبين فساد منهج المعتزلة والمنطق الأرسطي والمنهج الفلسفي الصوفي، وأنكشف فساد كتابات ابن سينا والحلاج وأبو نواس ورسائل إخوان الصفا وابن عربي كما تكشف فساد دعوات البهائية والقاديانية والفلكلور والماسونية والروتاري.
ويكشف فساد الفكر الباطني والوثني والإباحي المستمد من الفلسفات اليونانية والفكر العنوصي والمجوسي والهندي وعلت الصيحات بالتحرر من سارتر وفرويد وماركس.
خامسًا: ما كشفته حركة اليقظة من مؤامرات على الإسلام عن طريق التعريب والغزو الثقافي والشعوبية وماجري من مؤامرات لضرب الإسلام من الداخل وإثارة الشبهات حول أن الإسلام دين عبادي لاهوتي وإثارة الشبهات حول مفهوم الجهاد وما كشف عن فساد نظریات دارون وماركس ومعاداتها للمفاهيم الإسلامية.
«۱» قال إحصاء المعهد الديمغرافي في الونسي ١٩٧٥م: سيواجه العالم الإسلامي ما بين ۱۹۸۰- ۲۰۱۰ تزايدًا ديمغرافيًا كثيرًا، ففي الشعوب ذات الأغلبية المسلمة سيزداد عددها بنسبة ٥٠ % ومن الناحية النسبية سيزداد نسبة المسلمين بالنسبة لسكان العالم ٢٥% سنة ١٩٨٠ و ٣٥ في المائة سنة ٢٠١٠م وقد عمل الغرب على نشر تحديد النسل في البلاد الإسلامية ولكن هذه الدعوة فشلت هذا بالإضافة إلى اعتناق الكثيرين الإسلام ففي السنغال مثلًا يتحول ١٠% من المسيحيين إلى الإسلام كل عام وقد رصد الغرب ألوف الملايين من الدولارات من قبل مؤسسات وكنائس ليحدد من النسل في العالم الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل