العنوان الإصلاح المزيف.. هل يستمر؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 02-يوليو-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1607
نشر في الصفحة 47
الجمعة 02-يوليو-2004
كلمة إصلاح تدل على أن هناك خللًا وأخطاءً لا بد أن تُصحح، وأن هناك فسادًا ينبغي أن يزول، وعوائق وعقبات يجب أن تُنحى وتفسح الطريق، وهذا شيء واضح وضوح الشمس في رائعة النهار.
ولكن وللأسف الشديد يُراد للإصلاح أن يكون بمزيد من الإفساد وبكثير من الخلل والتجاوزات، يُراد له أن يتم بعيدًا عن الشعوب، وبعيدًا عن واقع الأُمّة وعن الحريات، وعن الدراسات الصحيحة والأساليب الحسنة التي تؤدي إلى النتائج المفيدة، ويراد له أن يتم بأيدي ملوثة، وعقول ملتاثة، وأفكار منحرفة، وعصابات متخصصة في الإجرام، وعتيدة في التحكم والاستئصال، يُراد له ألا يقوم بفتح الأبواب والنوافذ الأفكار والإبداعات، ولكن بفتح السجون والمعتقلات وكبت الآراء وقتل المبدعين والشرفاء.
كيف يكون هناك إصلاح والأحكام العرفية مسلطة على رقاب الناس والمحاكم العسكرية تحاكم المدنيين بغير الجريرة ولا يستطيع أحد أن يراجعها في حكم أو يعارضها في اتهام؟ «إذًا فلا حرمة لقانون».
كيف يكون هناك إصلاح ومال الناس يغتصب ويسرق حتى تجرد نساؤهم من حليهن، ثم تؤمم شركاتهم، وتغُلق متاجرهم، وتستباح أموالهم «إذًا فلا حرمة لمال أحد»؟
كيف يكون هناك إصلاح مع القتل والتعذيب بغير ذنب أو جريرة، أو بغير أحكام عادلة، أو قضاء نزيه، أو دفاع حر يرد عن المظلومين الإفك؟ «إذًا فلا حرمة لدم».
كيف يكون هناك إصلاح والأفواه تكمم، والآراء تؤدي بأصحابها إلى الجحيم، والكفاءات تبعد، والمنافقين يقربون، والسراق يُقلدون المناصب؟! «إذًا فلا حرمة لرأي»؟
كيف يكون إصلاح وعائل الأسرة الشريفة يمتهن أمام أسرته، ويُضرب أمام أولاده، وتتعرض الأسرة لقطع الأرزاق والجوع والحصار الاقتصادي، «إذًا فلا حرمة لأسرة».
كيف يكون هناك إصلاح، ولا شورى أو ديمقراطية، أو تبادل للسلطة وإنما ديكتاتوريات وعبادة للكراسي، وإقصاء للآخر، ونهب للمال العام؟ «إذًا فلا حرمة لشعب».
كيف يكون هناك إصلاح ولا تفكير في أحوال الأُمّة أو الالتفات إلى ما تعانيه من تدهور في الاقتصاد، وغلاء في المعيشة، وارتفاع للبطالة، وسرف في الإفساد، وتبديد لعرق العاملين الكادحين المحرومين وعدم رعاية مصالحهم؟ «إذًا فلا دراسة ولا استعداد لتحمل التبعات لإسعاد الشعوب».
فأين هو الإصلاح المزعوم؟
والحقيقة أنه لا إصلاح، وإنما هو خداع للشعوب، وتعمية على الناس، واستدراج للفرائس التي تقع كل يوم في شراك الدجالين الذين مرضوا على الشعوذة والنفاق، وخلف الوعود، والتلاعب بالألفاظ، والتلويح بالأكاذيب، وهل يمكن أن يستمر هذا الهزر، وتنطلي على الأُمّة هذه الأراجيف؟
ولِمَ هذا الخداع النتن في ساعات.. الأُمّة أحوج ما تكون فيها إلى الجهد؛ خاصة أمام أعدائها وأمام المتربصين بها، وأمام ما تتعرض له كل يوم من إذلال وقهر في شتى مناحي الحياة، تكنولوجيًا، واقتصاديًا، وحربيًا، وأصبحت الفجوة كبيرة جدًا حتى بيننا وبين عدوتنا «إسرائيل»، وأصبحت منظومة الأقمار الحربية والتجسسية الإسرائيلية تعد على العرب أنفاسهم، وتحصي عليهم خطواتهم؟! وكان آخر ذلك، القمر الصناعي التجسسي «أُفق-5»، وقد تعمقت هذه الفجوة أكثر في ظل اتفاقات السلام العربية الإسرائيلية، حيث راح العرب في نوم عميق، فيما أخذت «إسرائيل» تعمل بقوة في تطوير مشاريعها العسكرية، ما بين نووية وصواريخ باليستية، ومنظومة صواريخ مضادة للصواريخ، وبرامج للأقمار الصناعية والعلمية والعسكرية، وشتان ما بين أقمار العرب، وأقمار «إسرائيل»، فـ«إسرائيل» تصنع أقمارها، والعرب يستوردون أقمارهم، «أقمار جاهزة الصنع، تحمل بين طياتها ما يعرفه العرب من أسرار تعمل في سمائهم ما تريد».
وأقمار «إسرائيل» لتعزيز الناحية العلمية والقدرات العسكرية والتجسسية، وقد انتقلت من خلال هذه الأقمار من الاعتماد على الصور التي تزودها بها أمريكا من أقمارها التجسسية إلى الاستقلال الكامل في مجال التجسس الفضائي، ووصف رئيس «إسرائيل» هذا الإنجاز بأنه إنجاز تكنولوجي مذهل، يثبت مجددًا تفوق «إسرائيل» واحتلالها مكانة بارزة في صدارة نادي الفضاء، كما تعزز أقمار التجسس الإسرائيلي قدرة «إسرائيل» على رصد تحركات الجيوش العربية ومتابعة مناوراتها، ورصد الاتصالات بين القوات ومراكز القيادة، وهو ما يتيح للقوات الإسرائيلية القدرة على شن ضربة وقائية، وإجهاض أي تحرك مضاد.
أما أقمار العرب التي اشتروها فهي أقمار تلفازية للزمر والطرب والرقص الشرقي والغربي، وقد تعاملت الدول العربية مع الأقمار الإسرائيلية كأنها تستهدف مكانًا آخر غير محيطنا العربي والإسلامي، ولم يكلف أي مسؤول عربي عسكري أو سياسي نفسه عناء بحث الأمر أو التعليق عليه، والموتى لا يتكلمون ولا يسمعون ولا يتحركون، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر: 22).
إن بلادنا تدرك أنه لا بد لها من إصلاح حقيقي على يد الشعوب صاحبة المصلحة في التغيير الذي يبدأ بتربية الذات الكفء، وصدق الله بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، ويثني بالعمل على إحلال سلطة القانون التي تحفظ لكل ذي حق حقه، وتردع الظلمة والبغاة والطغاة، حتى يأمن الناس على أرزاقهم وأنفسهم، ويلتفتوا إلى الإبداع، وصدق الله بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (قريش: 3)، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 4)، ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135).
ويثلث بالتربية على تحمل المسؤولية ومراقبة الله، والإحساس بالواجب والعمل بما يقتضيه هذا الواجب، لأنه من صلب ديننا الحنيف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته» ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: 44).
أما الأنظمة والعصابات التي استباحت الشعوب، واستولت على المال العام، وسرقت حتى البنوك، وحولت الثروات العامة والموارد العمومية إلى ملكية شخصية، وقتلت الإبداع في نفوس الناس، وأراقت دماء الشرفاء والمخلصين، وكذبت على الأُمّة، واستمرأت ذلك أزمانًا، فيستحيل أن يأتي على يديها خير أو إصلاح، أو تقدم، وإنما للإصلاح رجاله الذين يتحملون في سبيله كل شيء، ويضحون له بكل نفيس وغالٍ، نسأل الله التوفيق والسداد.. آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل