; الإعلام الفرنسي.. و «الربيع العربي» | مجلة المجتمع

العنوان الإعلام الفرنسي.. و «الربيع العربي»

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1982

نشر في الصفحة 28

الجمعة 30-ديسمبر-2011

  • منابر إعلامية فرنسية مثل قناة «فرانس ٢٤» تفتح المجال لقيادات وشخصيات إسلامية للتعبير عن رأيها بكل حرية
  • روبار بايار: الثورة في بعض البلاد العربية تعبير عن غضب أناس فقراء ومرهقين لا يرون في نخب بلادهم سوى مجموعات من العصابات التي تريد تحويل ثرواتهم لوضعها في البنوك الغربية

لتحليل هذا الموضوع فإنه لا يمكن الحديث عن موقف واحد، وإنما عن مواقف إعلامية بحسب الانتماءات الأيديولوجية لسياسة التحرير لكل وسيلة إعلامية، من الصحافة المكتوبة إلى وسائل الإعلام السمعية البصرية إلى الصحافة الإلكترونية.. ثم إن الأمر يختلف بين نقل الأحداث، وبين التحليل الذي يمثل وجهة نظر الوسيلة الإعلامية، وبين وجهات نظر القراء والخبراء التي لا يمكن الجزم بتصنيفها في خانة الموقف الرسمي لوسيلة الإعلام أو في خانة الرأي الآخر.

من هنا يتجلى التعقيد في الحكم على الإعلام الفرنسي – الغربي جملة بالتحيز أو الموضوعية، باعتبار تنوع المداخل والمنطلقات والأهداف.

تخوفات ومحاذير

وتتفق جل وسائل الإعلام حول أهمية ما حدث منذ عام في المنطقة العربية وتداعياته على المنطقة، وعلى العلاقات العربية – الغربية، فالمستقبل هو الهاجس البارز في الإعلام، وهو تعبير في الواقع عن هواجس الرأي العام الأوروبي الغربي قيادات وشعوبا ونخبا .. وداخل دائرة المستقبل تتعدد التساؤلات والإشكالات التي تشغل اهتمام الإعلاميين الفرنسيين – والغربيين عموما من القضايا التي يتم التركيز عليها مسألة الإسلام السياسي»، وتطبيق الشريعة والتوجهات السياسية للجاليات العربية المقيمة بفرنسا، وتأثير التطورات التي تشهدها المنطقة العربية على العلاقات الفرنسية - العربية والمنظومة الأوروبية.

فهناك تخوفات على مستقبل المكاسب التي حققتها المرأة المتحررة» في بعض البلاد الإسلامية، والمقصود بـ«التحرر من منظور غربي علماني «التفلت من قيود القيم الدينية والتمرد عليها، وخاصة بالنسبة للحالة التونسية التي تعتبر المثال لهذا المنحى التحرري.

كذلك التخوفات على مستقبل الأقليات المسيحية في المنطقة العربية الإسلامية في ظل صعود الإسلاميين للسلطة، خاصة بالنسبة للحالة المصرية التي يتواجد بها الأقباط.

علاوة على التخوفات على مستقبل العلمانية»، فاليوم ترتقي إلى أعلى هرم السلطة حركات وأحزاب ذات مرجعية إسلامية بارزة، بمصداقية شعبية واسعة في بلاد جنوب البحر المتوسط، في فضاء متاخم لبلاد أوروبية لاتينية، ومن بينها وأهمها فرنسا بلد الثورة الشهيرة» التي أرست نهجاً علمانياً، ليكون نموذجاً «كونيا» يقطع مع المرجعية الدينية في السياسة والمجتمع.

سلامة الكيان 

وهناك تخوفات على «السلام» في المنطقة؛ بمعنى أمن «إسرائيل»، فقد أجرت مجلة «باري ماتش في فبراير ۲۰۱۱م مقابلة مع روبار بايار»، الخبير في شؤون العالم العربي، وصاحب كتاب سقوط وكالة الاستخبارات الأمريكية» التي عمل بها لمدة عشرين عاماً، عبر خلالها عن تخوفاته من تداعيات الربيع العربي» المقلقة بالنسبة للسلام، واعتبر التطورات الحاصلة في المنطقة ذات طبيعة كارثية، وهي مقدمات المرحلة من الاضطرابات الكبرى في الشرق الأدنى والشرق الأوسط .. وأضاف: «في كل مرة تحل الفوضى في هذه المنطقة من العالم، فإن الإسلام الراديكالي ينصب نفسه ملجأ وحلا .. ووصف الثورة في بعض البلاد العربية بأنها تعبير عن غضب أناس فقراء ومرهقين ولا يرون في نخب بلادهم سوى مجموعات من العصابات التي تريد تحويل ثرواتهم لوضعها في البنوك الغربية».

مقاربات ثلاث

بالرغم من أن هذه التخوفات تبدو مشروعة من منظور غربي، فإن تناول أحداث «الربيع العربي» في الإعلام الفرنسي – تختلف بين مقاربات ثلاث مقاربة أولى . تقوم على معالجة سطحية للتطورات بقيت تراوح مكانها في النظرة التقليدية المتحيزة . تجاه التيار الإسلامي، واعتباره «خطرا» - سواء كان في المعارضة أو في الحكم، حيث عاد أصحاب هذه المقاربة الذين ينتمون . إلى تيارات أيديولوجية وسياسية مختلفة إلى الخطاب القديم الجديد» حول تطبيق الشريعة بالمعنى الضيق؛ أي إقامة الحدود وإلى موضوع تعدد الزوجات، وتقييد الحريات والعودة إلى «عصر الظلمات»... أما أصحاب المقاربة الثانية، وهم الأغلبية على مستوى الإعلام الفرنسي، فهم في حالة من التردد والارتباك في التحليل ذلك أن تطورات المنطقة العربية أفرزت وضعا غير معهود وصعب التفسير بكل المقاييس الوضعية؛ حركات إسلامية تتصدر الحكم، وتتبنى الديمقراطية ومبدأ احترام إرادة الشعوب، والانفتاح على الأطراف العلمانية، ويغلب على هذه المقاربة الأهداف التجارية، عبر محاولة الظهور بمظهر المواكبة للأحداث والتفاعل معها، دون أن يكون ذلك مقدمة لمراجعات في الموقف.

مثال على ذلك، مجلة «روفي» في عدد لها مؤخراً، خصصت ملفاً لـ«الربيع العربي» بعنوان كبير في الغلاف «الإسلاميون على محك السلطة»، وعناوين أخرى فرعية الإسلام السياسي عام ۲۰۱۲م»، «الشريعة .. أوهام وحقائق»، «الوجه الحقيقي للإخوان المسلمين»، ونجد داخل المجلة عنوان «هل يجب الخوف من الإسلاميين؟».. ومن المواقف البارزة في المجلة قولها : «إن على التيار الديني السياسي أن يثبت – بعد نجاحه في «الربيع العربي – قدرته على التكيف مع الحداثة واحترام قواعد الديمقراطية».. وتم التأكيد على أن إسلاميي بداية القرن الحادي والعشرين ليس هم إسلاميو السبعينيات والثمانينيات، وقبلوا بأن الحكم يأتي بصناديق الاقتراع وليس بالعنف». 

وأما أصحاب المقاربة الأقرب للموضوعية فهم يحاولون تقديم قراءة جديدة لوضع المنطقة العربية، وخاصة لمسألة «الإسلام السياسي» الجديد في الخطاب الإعلامي الفرنسي – ويمكن تعميمه على النطاق الغربي – يتمثل في السعي إلى التفريق بين الإسلاميين «المعتدلين»، والإسلاميين الراديكاليين والذين يقصد بهم التيار المتشدد، وهذا التصنيف الجديد هو تعبير عن مقاربة إعلامية إستراتيجية تعكس مراجعات في الطرح والخروج عن السياق القديم المتحامل أو المتحيّز في معالجة قضايا الإسلام والمسلمين، ويتم ذلك عبر معالجة عميقة وطرح الأسئلة الجوهرية بعمق ورؤية مستقبلية استشرافية.

ومن بين الأمثلة صحيفة لوموند ديبلوماتيك التي نشرت في عدد مؤخرا ملفا بعنوان « من دمشق إلى طرابلس.. زلزال في العالم العربي»، وكتب «آلانقراش» مقالا في نفس السياق بعنوان «الزلزال الجيو . السياسي في الشرق الأدنى»، تحدث فيه عن الديمقراطية التي أصبحت محل الرهان في المنطقة التي يتنازعها العديد من الصراعات في ظل الجغرافيا – السياسية العالمية، وهي تتهيأ للقيام بدورها بكل استقلالية بعيدا عن هيمنة القوى الكبرى، وخاصة الولاياتالمتحدة حليفة «إسرائيل».

كما يلاحظ أن عددا من المنابر الإعلامية مثل قناة «فرانس ٢٤» (الدولية)، وإذاعة فرانس أنفو الإخبارية، و«راديو فرانس إنتارناسيونال» (الإذاعة الدولية تحاول تقديم وجهات نظر مختلفة، وتفتح المجال للقيادات والشخصيات ذات التوجه الإسلامي للتعبير عن رأيها بكل حرية، وتطرح ملفات وقضايا ذات بعد استشرافي .

 

الرابط المختصر :