العنوان الإمام الشهيد حسن البنا رجل رباني
الكاتب روبير جاكسون
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1984
مشاهدات 64
نشر في العدد 658
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-فبراير-1984
بقلم: روبير جاكسون
حلقه «2»
ترجمة: الأستاذ أنور الجندي
كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة بعد أن نزعت منها، وبعد أن قيل إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان.
وكان يريد أن يكذب قول تاليران: «إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقية» فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه، وأمته.
وكان يعمل على أن يسمو بالجماهير ورجل الشارع فوق خداع السياسة، وتضليل رجال الأحزاب. وكأنما أراد أن ينشئ للشرق روحًا جديدة من المثل العليا، هذه المادة الضائعة التي هزم بها الشرق الدنيا وفتح بها أطراف الأرض.
كان يريد أن ينشئ القوة التي تصمد في وجه الخطرين الداهمين اللذين يهددان العالم وهما :الإلحاد والاستعباد.
كان يريد أن يجعل من الإسلام قوة تدفع الشيوعية الضالة والرأسمالية الزائغة، وكان يطمع في أن يرفع الإسلام ويسمو به من أن يكون خادمًا للاستعمار باسم الديمقراطية، أو للشيوعية باسم الاشتراكية، وإنما كان يرى الإسلام نظامًا كاملًا فوق الشيوعية والديكتاتورية والرأسمالية جميعًا.
وكان يوم الثلاثاء يومًا مشهودًا يتجمع فيه بضع مئات من أنحاء القاهرة، ليستمعوا إلى هذا الرجل الذي يصعد المنصة في جلبابه الأبيض وعباءته البيضاء وعمامته الجميلة، فيجيل النظر في الحاضرين لحظة، بينما تنطلق الحناجر بالهتاف.
ولأول مرة خاطب الجماهير زعيم بما يفتح العيون على الحقائق، ووضع دعوته على المشرحة، وقبل أن يسأل عن أدق الأشياء فيها وفي حياته الخاصة.
ولا تدهشك خطابته بقدر ما تدهشك إجابته عن الأسئلة التي كان بعضها يتصل بشخصيته وحياته وأسرته.
وقد سئل مرة بعد أن ترك عمله في الحكومة ورفض مرتب الجريدة الضخم الذي كان يبلغ مائة جنيه: مم يأكل؟ فقال في بساطة: كان محمد صلى الله عليه وسلم يأكل من مال خديجة وأنا أكل من مال «أخي خديجة»- يقصد صهره
***
وكان أعجب ما في الرجل صبره على الرحلات في الصعيد... هذه الرحلات التي لا تبدأ إلا في فصل الصيف حيث تكون بلاد الوجه القبلي في حالة غليان وفي أحشائها يتنقل الرجل بالقطار والسيارة والدابة وفي القوارب وعلى الأقدام!!
وهناك تراه غاية في القوة واعتدال المزاج... لا الشمس اللافحة، ولا متاعب الرحلة تؤثر فيه ولا هو يضيق بها.
تراه منطلقًا كالسهم، منصوب القامة، يتحدث إلى من حوله ويستمع، ويفصل في الأمور !!
وقد أمدته هذه الرحلات في خمسة عشر عامًا زار خلالها أكثر من أربعة آلاف قرية، وزار كل قرية بضع مرات، بفيض غزير من العلم والفهم للتاريخ القريب والبعيد، للأسر والعائلات والبيوتات وأحداثها وأمجادها وما ارتفع منها وما انخفض، وألوانها السياسية وأثرها في قراها وبلادها ورضا الناس عنها أو بغضهم لها، وما بين البلاد أفرادًا وأحزابًا وهيئات وطوائف من خلافات أو حزازات كان يزور أحيانًا بلدًا من البلاد بلغت فيه الخصومة بين عائلتين مبلغها، وكل عائلة تود أن تستأثر به لتنتصر على الأخرى، فيقصد إلى المسجد مباشرة، أو يغير طريق سفره فلا يستقبله أحد إلا بعد أن يكون قد قصد إلى دار عامل فقير في البلد.
وكنت إذا قلت له فلان... الحسيني مثلًا أو الحديدي أو الحمصاني قال لك: إن هذا الاسم تحمله خمس أسر أو أربع... إحداها في القاهرة والثانية في دمنهور، والثالثة في الزقازيق والرابعة في... فأيها تقصد؟
وكانت هذه الزيارات المتوالية طوال هذه السنوات المتتالية، قد كونت له رأيًا في الناس.
فقل أن تكون قرية في مصر لا يعرف الرجل شبابها وأعيانها ووزراءها ورجال الأحزاب والدين والمتصوفة فيها... ولا يكون قد تحدث إليهم واستمع منهم وعرف آمالهم ورغباتهم.
وكان الرجل من خلال هذه الأحاديث الواسعة المستفيضة يستكنه الضمير الشعبي المصري، على صورة قلما أتيحت لزعيم أو داعية من قبل. فإذا أضفت إلى هذا قراءاته الواسعة واطلاعه الضخم، والتهامه لكل ما كتب في العربية عن الشرق والغرب، ونظريات العلماء والفلاسفة، عجبت لهذه القوة الكبرى التي فقدها الشرق يوم غيب الثرى هذا الرجل ودهشت كيف يمكن أن يملأ هذا الفراغ، أو يسد هذا النقص.
وفي خلال هذه الزيارات كنت ترى الرجل بسيطًا غاية البساطة، ينام في الأكواخ أحيانًا ويجلس على «المصاطب»، و يأكل ما يقدم له.... لا يحرص إلا على شيء واحد هو ألا يفهم الناس عنه أنه شيخ طريقة، أومن الطامعين في المنفعة العاجلة !!
ولقد حدثني أنه كان يدخل بلدًا من البلاد أحيانًا لا يعرف فيه أحدًا فيقصد إلى المسجد فيصلي مع الناس، ثم يتحدث بعد الصلاة عن الإسلام... وأحيانًا ينصرف الناس عنه فينام على حصير المسجد وقد وضع حقيبته تحت رأسه والتف بعباءته.
ولا شك أن هذا الجهد الضخم قد أتاح له أن يلتقي بعشرات الآلاف من الناس خصومًا وأنصارًا، شيوخًا وشبابًا، مثقفين وغير مثقفين إنه قد استمع إليهم وحدثهم، وأفاد منهم خبرة ضخمة واسعة أضافها إلى علمه وثقافته.
وإنني على ثقة من أن حسن البنا رجل لا ضريب له في هذا العصر، وإنه قد مر في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر.....
***
كان لا بد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحول مجرى الطريق شهيدًا، كما مات عمر وعلي والحسين، فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم.
مات في عمر الزهر النضير، وفي نفس السن التي مات فيها كثير من العباقرة ورجال الفكر والفن وقضى وهو يسطع ويتألق.
وعاش الرجل كل لحظة من حياته، بعد أن عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن «نقاء» الفكرة وسلامة الهدف.
لم يحن رأسه، ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات ولا المهددات، وكان الرجل قذى في عيون بعض الناس، وحاول الكثيرون أن يفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم:
إن أنصاره ليسوا عصا في يد أحد، وإنهم لله وحده.
وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه فكان أصلب عودًا من أن يخدع أو ينطوي!!
وكان على بساطته التي تظهر للمتحدث إليه بعيد الغور إلى الدرجة التي لا تفلت متصلًا به أو متحدثًا إليه من أن يقع في شركه، ويؤمن بالفكرة التي يدعو إليها.
وكان لا يواجه إلا من يعترض طريق دعوته وكان يستر من لم يكشف خصومته، وكان لا يهاجم عهدًا ما دام هذا العهد لا يحول دون الامتداد الطبيعي لدعوته، وكان يدخر قوته للوطن، ويكبر نفسه ودعوته من أن يكونا أداة صراع داخلي... وظن بعض الناس أن هذا ضعف ولين ومسايرة، وما كان كذلك، فالرجل بطبيعته لم يكن يحب الصراع في معركة جانبية، ولا يقبل توزيع قواه، وإنما يؤمن بالتطور والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن دور إلى دور على أساس النضج والتكامل، وكان هذا يزعج خصومه الذين لم يعهدوا سياسة تعلو على المطامع الفردية وتتعالى على الأغراض الذاتية، وتنقي جوها من الدوافع الشخصية الخاصة!!
وكان الرجل على قدرته الفائقة في ضبط أعصابه كيسًا في مواجهة الأمور، لبقًا في استقبالا لأحداث والأزمات!!
وإلى هذا كله كان غاية الاعتدال، فكان يعيش براتب لا يزيد على راتبه المدرسي المحدود، وبين يديه الأموال الضخمة المعروضة من أتباعه وحوله من العاملين معه من يصل دخله إلى ضعف أو أضعاف ما يحصل عليه !!
***
كان في بيته مثال الزهادة، وفي ملبسه مثال البساطة، وكنت تلقاه في تلك الحجرة المتواضعة الفراش ذات السجادة العتيقة والمكتبة الضخمة، فلا تراه يختلف عن أي إنسان عادي إلا ذلك الإشعاع القوي والبريق اللامع الذي تبعثه عيناه، والذي لا يقوى الكثيرون على مواجهته، فإذا تحدث سمعت من الكلمات القليلة المعدودة موجزًا واضحًا للقضايا المطولة التي تحتويها المجلدات.
وكان إلى هذه الثقافة الواسعة الضخمة قديرًا على فهم الأشخاص لا يفاجئك بالرأي المعارض ولا يصدمك بما يخالف مذهبك، وإنما يحتال عليك حتى يصل إلى قلبك ويتصل بك فيما يتفق معك عليه، ويعذرك فيما تختلفان فيه.
وهو واسع الأفق إلى أبعد حد، يفتح النوافذ للهواء الطلق، فلا يكره حرية الرأي ولا يضيق بالرأي المعارض، وقد استطاع أن يحمل الرأي الجديد إلى الجماهير دون أن يصطدم بهم... هذا الجديد الذي لو عرض بغير لباقة لوقفوا ضده وحاربوه... لقد نقلهم من وراثياتهم، وغير فهمهم للدين، وحول اتجاههم في الحياة، وأعطاهم الهدف، وملأ صدورهم بالأمل في الحرية والقوة.
وكان له من صفات الزعماء صوته الذي تتمثل فيه القوة والعاطفة، وبيانه الذي يصل إلى نفوس الجماهير ولا تنبو عنه أذواق المثقفين، وتلك اللباقة والحنكة والمهارة في إدارة الحديث والإقناع. وبهذه الصفات جميعها استطاع كسب هذه الطائفة الضخمة من الأنصار في هذا الوقت القصير من الزمن، فحول وجهات نظرها، ونقلها نقلة واسعة دون ارتطام أو صراع !!
كان سمته البسيط، ولحيته الخفيفة، وذلك المظهر الذي لا تجد فيه تكلف بعض العلماء، ولا العنجهية ولا السذاجة، قد أكسبه الوقار.
ولقد كانت شخصية حسن البنا جديدة على الناس... عجب لها كل من رآها واتصل بها، كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتاب رصانتهم !!
وكان كل جانب من هذه الجوانب يبرز كطابع خاص في الوقت المناسب، ولكل هذه الصفات التي تقرؤها في كتب شمائل الصحابة والتابعين، لم يكن مقدرًا أن يعيش طويلًا في الشرق... وكان لا بد أن يموت باكرًا، فقد كان غريبًا عن طبيعة المجتمع، يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أو لم يأت وقتها بعد.
ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين أمام مثل هذا الرجل الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد، وكشف لرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره، وجمع الناس على كلمة الله، وخفت بدعوته ريح التغريب والجنس ونزعات القومية الضيقة، واعتدلت لهجات الكتاب، وبدأ بعضهم يجري في ركب »الريح الإسلامية».
***
لم تكن هناك دعوة ولا نزعة ولا رسالة، مما عرف العالم في الشرق أو في الغرب، في القديم أو في الحديث، لم يبحثها، أو يقرأها، أو يدرس أبطالها وحظوظهم من النجاح أو الفشل، أو يحمل منها ما يصلح لتجار به وأعماله.
كان يقول كل شيء، ولا تحس إنه جرح أو أساء، وكان يوجه النقد في ثوب الرواية أو المثل، وكان يضع الخطوط ويترك لأتباعه التفاصيل.
كان قديرًا على أن يحدث كلًا بلغته وفي ميدانه وعلى طريقته، وفي حدود هواه، وعلى الوتر الذي يحس به، وعلى «الجراح» الذي يثيره.
رجل رباني
ويعرف لغات الأزهريين والجامعيين والأطباء والمهندسين والصوفية وأهل السنة، ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها، بل إنه يعرف لهجات الجزارين والفتوات، وأهالي بعض أحياء القاهرة الذين تتمثل فيهم صفات معينة بارزة، وكان في أحاديثه إليهم يروي لهم منالقصص ما يتفق مع ذوقهم وفنهم.
بل كان يعرف لغة اللصوص وقاطعي الطريق والقتلة، وقد ألقى إليهم مرة حديثًا.
وهو يستمد موضوع حديثه- أثناء سياحاته في الأقاليم وفي كل بلد- من مشاكلها ووقائعها وخلافاتها، ويربطه في لباقة مع دعوته ومعالمها الكبرى، فيجيئ كلامه عجبًا يأخذ بالألباب.
كان يقول للفلاحين في الريف: «عندنا زرعتان إحداهما سريعة النماء كالقثاء، والأخرى طويلة كالقطن».
لم يعتمد يومًا على الخطابة ولا تهويشها، ولا إثارة العواطف على طريقة الصياح والهياج.... ولكنه يعتمد على الحقائق، وهو يستثير العاطفة بإقناع العقل، ويلهب الروح بالمعنى لا باللفظ، وبالهدوء لا بالثورة، وبالحجة لا بالتهويش.
ويعد «الحديث» عند بعض الناس آيته الكبرى، غير أنني علمت من بعض المتصلين به بأنها آخر مواهبه، فقد كانت أبلغ مواهبه القدرة على الإقناع، وكسب «الفرد» بعد «الفرد» فيربطه به برباط لا ينفصم، فيراه صاحبه صديقًا خاصًا، وتقوم بينه وبين كل فرد يعرفه صداقة خالصة، يكون معها في بعض الأحيان مناجاة، وتنتقل للتعرف على شؤون الوظيفة والعمل والأسرة والأطفال.
وهذه أقوى مظاهر عظمته، فهو قد كسب هؤلاء الأتباع فردًا فردًا، وأصاب منابع أرواحهم هدفًا هدفًا، وإن لم يكسبها جملة ولا على صفة جماعية، وقد استطاع بحصافته وقوته وجبروته أن ينقلها من عقائدها وأفكارها -سواء أكانت سياسية أم دينية- إلى مذهبه وفكرته، فتنسى ذلك الماضي، بل وتستغفر الله عنه، وتراه كأنما كان إثمًا أو خطأ.
ومن أبرز أعمال هذا الرجل، أنه جعل حب الوطن جزءًا من العاطفة الروحية، فأعلى قدر الوطن وأعز قيمة الحرية، وجعل ما بين الغني والفقير حقًا وليس إحسانًا، وبين الرئيس والمرؤوس صلة وتعاونًا وليس سيادة، وبين الحاكم والشعب مسؤولية وليس تسلطًا.
وتلك من توجيهات القرآن، غير أنه أعلنها هو على صورة جديدة لم تكن واضحة من قبل !!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل