العنوان الإنترنت.. تحديات في زمن العولمة!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-يناير-2000
يُشكل الإنترنت تحديًا جديدًا للعرب والمسلمين، وهو كأي قادم جديد خاضع للنقد والتشكيك، وليس غريبًا أن يرمي بعض العرب هذا الوافد الأمريكي بمفردات القدح والردح، والحقيقة أنني في تجربتي المتواضعة مع عالم الإنترنت وجدت لهذا القدح العربي بعض الوجاهة وخصوصًا في بداية الغزو «الإنترنتي»، حيث كان العرب ومعهم المسلمون يقفون متفرجين عليه وهو يقتحم حدودهم وبيوتهم بل وغرف نومهم! ولأنه ظهر على السطح مع انتهاء الحرب الباردة وبعد أن فردت الولايات المتحدة عضلاتها في عالمنا العربي شرقًا وغربًا، لم يكن أمام بعض العرب إلا أن يرى فيه سلاحًا أمريكيًا لفرض ثقافة العولمة.
وللأسف فإن غالبية الذين هاجموا الإنترنت هم من الذين لا يعرفون ما بداخله ولم يتعاملوا معه فضلًا عن جهلهم بمعنى هذا المصطلح! بل إن كثيرًا منهم ربما لا يعرفون جهاز الكمبيوتر! ولم تتجاوز مسموعاتهم عن الإنترنت سوى أن مواد إباحية يجري بثها فيه! وهم بذلك يلحقون بأصحاب المنهج الرافض لكل تكنولوجيا محدثة لمجرد أنها «بدعة» غربية أو أمريكية.
والحقيقة أن من يريد أن يتصيد للإنترنت سيجد له مدخلًا بل مداخل كثيرة خصوصًا إذا كان من العارفين بظواهره وخفاياه، فأهل الاختصاص هم القادرون على تقييمه وكشف عيوبه تمامًا مثلما هم قادرون على تطويعه واستخدامه في المجالات النافعة، ولم أسمع حتى هذه اللحظة بفتوى تتعرض له بالتحريم وبالتالي يبقى الأمر على أصله وهو «الإباحة»، ومن قال إنه باب مفسدة غلقه أولى من فتحه يجنح بعيدًا عن الفطرة السليمة لأنه توجه يشمل كل وسائل المعلومات والاتصال الأخرى التي تعتبر حيوية، ولأن مفتاح باب الإنترنت ليس بأيدينا نحن العرب أو المسلمين ولأننا - كما هي العادة - مجرد متلقفين لتكنولوجيا عصرية في زمن العولمة، لا بد من التعامل معه كما نتعامل مع وسائل الاتصال الأخرى كالتلفاز والهاتف والإذاعة وغيرها، وقد رأيت بعض المسلمين وهم يستمعون للإذاعة يخفضون صوت الراديو أو يغلقونه عند سماعهم لموسيقى قفزت إلى آذانهم فجأة وهم يسمعون الأخبار أو برامج «مباحة»، فما المانع في أن يكرروا الفعل نفسه عند تصفحهم للإنترنت ومصادفتهم لصورة لا تسر الناظرين؟!
والواقع أن متصفح الإنترنت نادرًا ما يعثر على ما يرفض رؤيته، فهو يدخل على عناوين ومواقع يعرفها ويعرف ما تحتويه، كما أن المواقع «إياها» لا تفاجئ المتصفح كما تفعل موسيقى الإذاعة حين تدهم أذن المستمع، فالذي «يصادف» مواقع إباحية يكون بشكل عام قد قصد الدخول إليها عن سابق عمد وتصميم!
ثم إن هذه المشكلة مع تطور البرمجيات الخاصة بالإنترنت من السهل حلها على مستوى البيت والحكومة، فبعض الدول العربية على سبيل المثال تعمد إلى مراقبة مدخلات شبكة الإنترنت ومخرجاتها من خلال برامج خاصة، وكل من يحاول ممارسة الخيانة البصرية، عن طريق التسلل إلى المواقع إياها سيصاب بالإحباط لأنه ببساطة لن يتمكن، وسيصله على الفور إنذار رسمي وإذا تكرر سيتعرض لمساءلة قانونية وينشر اسمه في الصحف، أي فضيحة وعليها ملايين الشهود!
وحتى في الدول التي لا تفرض رقابة على الإنترنت توجد برامج فلترة يستطيع الأفراد استخدامها لضبط ومراقبة عمليات الدخول على الشبكة الإلكترونية، وبالتالي حماية أولادهم من أي انفلات، وهكذا فإن باب المفسدة يمكن سده بهذه البرامج مع فتح المجال للمشتركين بأن يستفيدوا من خدمات الإنترنت الكبيرة والمهمة وهي كثيرة.
ومنذ فترة طويلة يتهم العرب بأنهم أسوأ محامين لأعدل قضايا، وقد نبعت هذه التهمة من حقيقة أنهم لا يعرفون كيف يخاطبون العالم ولا كيف يستغلون أدوات الإعلام المتاحة لخدمة قضاياهم على الرغم من عدالتها، فما دامت إرادتنا استرداد ما سلب منا بالقوة غائبة ومسلوبة، فلا أقل من خوض حرب إعلامية على جبهات العالم المختلفة نستغل فيها كل ما هو ممكن ومتوافر لتعريف العالم بديننا وقضايانا.
عند استعراض شبكة الإنترنت ترى كيف استغلها الآخرون في كل شيء وتفننوا في تصميم مواقعهم وإعطائها أسماء جذابة، بل وتلاعبوا في إدخالها على محركات البحث حتى يمكن الدخول إليها من كل جانب، وهي حرب إعلامية فرضت علينا، مما أوجب أن نتصدى لها بالسلاح نفسه المستخدم مع مراعاة الخلق الإسلامي وضوابط الشرع في حرب الأعداء الإعلاميين، وربما تكون الحرب الإعلامية عبر الإنترنت بشكل خاص خاص المجال الأكثر إتاحة بالنسبة للمسلمين في الوقت الحالي لعرض قوتهم أو الدفاع عن قضية ما تخصهم دون أن يكلفهم ذلك سوى القليل من الجهد والمال.
ويستطيع أصحاب المواقع الإسلامية إذا ما واجهوا غزوا إعلاميًا مضادًا يحاول اختراق حصن الإسلام المنيع أن يردوا بالمثل أو أكثر عبر الإنترنت، فتلقيم محركات البحث كلمات معينة كفيل بإرغام الدخلاء على القيام بزيارة إجبارية لموقع إسلامي معين لمعرفة وجهة نظر الإسلام من القضية مثار الجدل!! والأمثلة على ذلك كثيرة ويعرفها متصفحو الإنترنت جيدًا، واستخدام كلمات معينة كدليل لدخول مواقع معينة هي أساس عمل محركات البحث على شبكة الإنترنت، ومن الأمثلة على ذلك تسمية مواقع إباحية بأسماء مشهورة.
ولا يخلو التعامل مع الإنترنت من بعض المنغصات والعقبات، لكن حملة الرسالة لا يتوقفون طويلًا أمامها، فالمطلوب أن نقتحم شبكة الإنترنت بخطى حثيثة كي نسخر هذه الوسيلة التي هيأها لنا رب العزة في زمن تصادر فيه حرية الدعوة والتعبير ويحرم فيه المسلمون في بعض بلادهم من حق الدفاع عن قضايا أمتهم، وفي زمن يهيمن فيه اليهود على إمبراطوريات الإعلام الغربية جميعها بلا استثناء!
الإنترنت تحدٍ كبير يواجه العاملين والناشطين العرب والمسلمين، فهل نواجهه بروح عصرية منفتحة تحاول استغلال جوانبه الإيجابية الكثيرة، أم أن الهزيمة التي لازمتنا في ساحات المعارك المختلفة ستصطادنا في شباك الإنترنت العنكبوتية؟!.