; الإنجاب خلف القضبان.. أمل جديد لأسر المعتقلين الفلسطينيين! | مجلة المجتمع

العنوان الإنجاب خلف القضبان.. أمل جديد لأسر المعتقلين الفلسطينيين!

الكاتب وجدي عبدالفتاح سواحل

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1572

نشر في الصفحة 22

السبت 11-أكتوبر-2003

 أستاذ بالمركز القومي للبحوث- القاهرة

الإنجاب إحدى سنن الحياة لتكوين الأسرة التي هي أساس وعماد الحياة، وحق مشروع لكل زوجين أكدته المواثيق والاتفاقيات الدولية، فقد نصت عليه المادة (١٦) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرته الأمم المتحدة في ديسمبر ١٩٤٨م. ولكن في نفس العام، بدأ سلب هذا الحق من الفلسطينيين، حيث يقبع الآن أكثر من ۸۰۰۰ أسير فلسطيني في العديد من المعتقلات والسجون الصهيونية، فهل يمكن أن تقدم تقنية الإنجاب عن بعد، أملاً للسجناء الفلسطينيين في تحقيق حلمهم في تكوين أسرهم، في انتظار أن يمن الله تعالى عليهم بالحرية والعودة إلى أحضان أهاليهم؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا التحقيق:

 تقنية الإنجاب عن بعد.. حقيقية أم وهم؟!؛ تتلخص فكرة الإنجاب عن بعد في توفير عينات من حيوانات منوية من السجناء الفلسطينيين، إما بأخذها منهم وهم داخل المعتقلات أو أن يقوم الفلسطينيون بحفظ حيواناتهم المئوية مجمدة فيما يعرف ببنوك الأمشاج في نيتروجين سائل تصل درجة حرارته إلى حوالي ۱۹٦ درجة مئوية تحت الصفر، وذلك لاستخدامها، إذا تم القبض عليهم، في عمليات الإخصاب الصناعي، وهي نفس فكرة أطفال الأنابيب. وتتم عملية إنتاج أطفال الأنابيب عن طريق إخراج بويضة ناضجة من الأنثى وتخصيبها بحيوان منوي من الذكر في أنبوبة اختبار تحتوي على وسط غذائي مناسب وبعد فترة من التكوين الجنيني يصل فيها الجنين إلى عدد قليل من الخلايا، تنقل إلى رحم الأنثى لاستكمال التكوين الجنيني حتى الولادة.

وقد طرحت الفكرة من أحد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في عام ۱۹۹۷م، حيث قام بتخزين عينات لدى أحد المراكز الطبية المتخصصة بهدف الإنجاب، ونظرًا لظروف صحية فقد قام بالإنجاب عن طريق زراعة الأجنة المخصبة خارج الرحم حيث أنجب طفلته الأولى، ومن بعدها بطريقة طبيعية طفل، وبعد اعتقاله وانتظاره لأحكام عالية فقد اقترح على زوجته أن تستخدم العينة المودعة في المركز الطبي من أجل الحمل، ورغم عدم تقبلها للفكرة في البداية فإنها عاودت التفكير وقررت الإقدام رغم ما تسببه التجربة من حرج اجتماعي، معتبرة أنها تؤدي رسالة مفادها أن السجن والتفريق الجائر بين الأزواج لن يحول دون استمرار الإنجاب، وهذا يبعث الأمل في نفوس من قد يقضون بقية عمرهم في السجون، حيث إن أكثر ما يقلق المحكومين بمدد طويلة هو الانقطاع من الحياة بعدم الإنجاب، حيث يقبع خلف القضبان الاف الفلسطينيين، وإن الإنجاب ورؤيتهم أطفالهم يكبرون يعطيهم الأمل ويحل أزمة اجتماعية كبيرة تتمثل في انقطاع نسل هؤلاء المعتقلين.

 كانت لويز براون - أول طفلة أنابيب في العالم قد ولدت على يد الدكتور باتريك ستبتو والعالم الفسيولوجي روبرت إدواردز في إنجلترا في يونيو ۱۹۷۸م. وقد كان أسلوب الإخصاب خارج الرحم -طفل الأنابيب - أساسًا لحل مشكلة النساء اللواتي يعانين من انسداد قناة فالوب، وكان الأطباء البيطريون من أوائل من تعامل مع الإخصاب بواسطة أنابيب الاختيار لإنتاج حيوانات الأنابيب - لا لتمكين الحيوان العقيم من الإنجاب كما في البشر- ولكن بهدف تحسين السلالات والحصول على أجناس أكثر صحة وإنتاجًا للحوم والألبان، واستيلاد حيوان متفوق في خصائصه وصفاته الوراثية كما تمكن العالم هيبر لاندت في عام ۱۹۰۲م من إنتاج ما يُعرف باسم نباتات الأنابيب عن طريق إنماء خلية نباتية أو مجموعة من الخلايا على بيئات غذائية صناعية داخل أنبوبة لتعطي نسيجًا من الخلايا المنقسمة التي تتشكل إلى نبات كامل بتغيير محتويات البيئة، وبإضافة الهرمونات النباتية تحت ظروف محكمة من الحرارة والإضاءة، وتساعد نباتات الأنابيب في زيادة الإنتاج الزراعي عن طريق إكثار وزراعة النباتات النادرة بطرق اقتصادية للغاية.

الإنجاب عن بعد.. آراء شرعية

يعتبر رئيس رابطة علماء فلسطين الشيخ حامد البيتاوي «الإنجاب عن بعد» أمرًا جديدًا اضطرتنا إليه الظروف القاهرة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، المتمثلة باعتقال الآلاف من أبنائه وحكمهم لمدد طويلة تصل إلى عشرات السنين أحيانًا. ومن الناحية الشرعية فإن أخذ حيوانات منوية من الرجل وتخصيب الزوجة بها جائز شرعًا، مع ضرورة إشهار العملية: أي أن تتم بمعرفة الأقارب والجيران حتى لا يفاجأ الناس بامرأة تحمل وتضع مولودها في ظل غياب طويل لزوجها. ويذكر الشيخ البيتاوي كيف أن السيدة مريم البتول رمز الطهارة والنقاء، لم تسلم من ألسنة الكفرة والمجرمين، داعيا إلى أخذ المحاذير الضرورية كأن يتم مثلًا التعامل مع مؤسسة الصليب الأحمر الدولي لنقل العينات والنطف وأن يتم توثيق الأمر خطيا وتدوين اسم صاحب العينة، وشهادة موثقة على تسليمها لأصحابها، مع توفير جهات رسمية قانونية لها حصانة وصلاحيات مثل المؤسسات الحقوقية: على ألا يسمح لإدارة السجن الصهيوني بالتدخل في الأمر، خوفًا من إمكانية المصادرة أو التلاعب واعتبر «البيتاوي» أن الضرورة هي التي أوجدت هذه الطريقة في الإنجاب، مطالبًا في الوقت ذاته بالعمل على تحرير الأسرى والمحكوم عليهم بأحكام عالية. وحول إمكانية اقتران فتاة فلسطينية بشاب من داخل السجن، واللجوء لذات الطريقة في الإنجاب أبدى تحفظه الشديد على هذا الزواج لما يلحقه من ضرر بالفتاة، بعكس الإنجاب بين زوجين عرفا بعضهما البعض عن قرب.

ويقول الشيخ عطية صقر - رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا: ما دامت الزوجية قائمة فلا مانع من وضع البويضة الملقحة من ماء الزوج في رحم الزوجة وهي صاحبة البويضة، ويكون الجنين الذي حملته ووضعته منسوبا شرعا إلى الزوج والزوجة، وهذه الصورة من صور التلقيح الصناعي الذي يتم فيه التلقيح بين الماء والبويضة خارج الرحم، ثم تًعاد البويضة إلى الزوجة صاحبتها، وذلك مشروع لا مانع منه مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة. أما إذا تُوفي الزوج في السجن فقد انقطعت العلاقة الزوجية من الناحية الجنسية بالذات بينه وبين زوجته، ووضع هذه البويضة المُلقحة في رحمها أصبح وضعًا لشيء غريب منفصل عنها، فالمرأة صارت غريبة عنه، ولذلك يحل لها أن تتزوج من غيره، بعد الانتهاء من العدة المضروبة لوفاة الزوج. فلو وضعت المرأة - بعد وفاة الرجل - بويضـتـهـا المُلقحة منه قبل وفاته في رحمها وحملت وولدت، كان الولد غير منسوب إليه كولد الزني، وإنما يُنسب إليها هي مع حرمة هذه العملية.

ويقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: قضية الأجنة المخصبة المفروض أن تتم في أضيقنطاق ممكن وحسب ما تقتضيه الضرورة دون زيادة على الحاجة، وما زاد على الضرورة أو الحاجة فلا بأس بتجميده إذا كان بالإمكان الاستفادة به مستقبلًا أو يتم التخلص منه، وهذا هو الأوفق حتى لا توجد شبهة التلاعب أو الاتجار بهذا المني المجمد.

طفل الأنابيب الفلسطيني.. هو الحل

وعلى الرغم من سعي بعض الأسرى الفلسطينيين لتفعيل هذا المطلب، واللجوء إلى محكمة «العدل»!! في الكيان الغاصب، أو توكيل محام للسماح بإخراج العينات الطبية اللازمة للإنجاب من السجون؛ فإن الخشية والرهبة تأتي من عدم تقبل المجتمع الفلسطيني لمثل هذا الأمر، رغم توافر الإمكانات الفنية له فما الآثار المتوقع حصولها على الأسرة والمجتمع؟ وهل سيكون النضال لإخراج العينات من السجن بديلًا عن المطالبة بحق الأسرى في الحرية، أو على الأقل المطالبة بأن يلتقي السجناء مع زوجاتهم في لقاءات منتظمة، وبإشراف مؤسساتي دولي باعتبار ذلك حقاً للسجين لا يزال الاحتلال يتنكر له ولغيره من الحقوق؟

لا بد من تهيئة المجتمع الفلسطيني صاحب العادات والتقاليد والمفاهيم لهذه القضية الجديدة الغريبة تهيئة واسعة وشاملة تطال كل مدينة وقرية ومخيم لإقناع هذه المجتمعات المدنية والقروية والريفية أن إنجاب زوجات المعتقلين في سجون الاحتلال مسألة جائزة وممكنة، وبهذا نستطيع تجنب أزمات ومشكلات اجتماعية خطيرة ورهيبة.

فهناك نساء حرمن من أزواجهن؛ فيجب ألا يحرمن من الإنجاب الذي ربما يسري عنه وربما يكون سببًا في صبرهن وثباتهن، وهناك حقيقة أن الإنجاب يرفع من معنويات السجين عندما يجد له ولدا يزوره مما يؤدي إلى إبعاد شبح الشيخوخة عن نفسه، كما أن السجن لأعوام طويلة يسبب المعاناة الكبيرة للزوجين، ولا خلاف بين النضال من أجل لقاء الزوجات والعمل على الإنجاب بإرسال العينات من السجون هذا الإنجاب مرحب به ما دام له غطاء شرعي يقضي بعدم اختلاط الأنساب.

زيادة فاعلية القنبلة الديموجرافية الفلسطينية: ومع استخدام العدو الصهيوني الغازات لنشر العقم بين الفلسطينيات، واستخدام كل وسائل الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، تأتي تقنية الإنجاب عن بعد لتزيد من فاعلية القنبلة الديموجرافية الفلسطينية التي تثير قلق المحتل. فقد أكدت الدراسات الإسرائيلية أنه يوجد ۱,2مليون عربي يحملون الجنسية الإسرائيلية مقابل خمسة ملايين يهودي يعيشون في إسرائيل اليوم، وهناك ١،٢ مليون فلسطيني تكتظ بهم غزة، و ۱.8 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الأمر الذي يعني أن المعطيات باتت تقترب الآن من التساوي، وتشير أبحاث إسرائيلية أخرى إلى أنه إذا افترضنا وصول ٥٠ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين المحتلة سنويًا، فإن عدد اليهود سيصل في عام ۲۰۲۰ -إضافة للزيادة الطبيعية- إلى ٦,3 مليون نسمة تقريبًا، مقابل وصول عدد الفلسطينيين إلى أعلى نسبة الزيادة الطبيعية في العالم تقدر ما بين ٢.٥ إلى 4% سنويًا، وهذا عام يعني أن عرب ١٩٤٨م سيصل عددهم في عام۲۰۲۰ إلى ٢.١ مليون نسمة، وسكان غزة إلى ٢.٥ مليون نسمة، والضفة إلى ٣.٣ ملايين نسمة. أي أن عدد العرب داخل عموم المناطق الفلسطينية سيصل إلى 8 ملايين نسمة مقابل ٦,٥ ملايين يهودي.

وقد أبدى الكاتب الصهيوني «إيتان هابير» انزعاجه من هذه التقديرات قائلًا: «هناك أوساط في الحركة الصهيونية تدعي أن هدف الصهيونية كله هو كسب الوقت يوما بعد يوم وعامًا بعد آخر. وخلال هذا الوقت نبني بيتًا، ثم بيتًا آخر، وتزرع شجرة، ونجلب مليون مهاجر روسي، وننتصر في حرب تعقبها أخرى ثم نبني الدولة.. أما العرب فلشدة بلاهتهم لا يميزون أن الزمن يعمل لصالحنا، ومع ذلك ظهرت الأبحاث والدراسات الإسرائيلية وكشفت ما يعرفه العرب مسبقًا وهو أنه بعد فترة زمنية سيشكل العرب غالبية في إسرائيل.. أي أن الزمن يعمل لصالح العرب».

 وبالرغم من أن الصعوبات الشديدة التي يواجهها الأسير الفلسطيني داخل المعتقلات الصهيونية ومعاناة زوجته فإنه لابد من تنظيم حملات إعلامية لشرح قضية الإنجاب عن بعد ومطالبة الشعب الفلسطيني بتبنيها وقبولها، وفي نفس الوقت بذل اقصى الجهود المطالبة مؤيدي القضية الفلسطينية وجميع الأحرار ومحبي السلام في العالم للإفراج عن الأسير الفلسطيني ورجوعه لأهله وأبنائه.

الرابط المختصر :