العنوان الإنسان.. ومسؤولية الأمانة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2019
نشر في الصفحة 53
السبت 15-سبتمبر-2012
يجب أن ندرك أن الإنسان ليس عقلًا مجردًا، ولا كائنا جامدا يخضع لقانون معلوم، أو إرادة قاصرة.. وليس جهازا حديديا يتحرك ويسير وفق خط محدد مرسوم، وطريق معين معلوم.. فهو عقل وقلب، وإيمان وعاطفة، وطاعة وخضوع، وولع وخشوع، وحب وحنان.
وفي ذلك سر عظمته وشرفه وكرامته، وسر قوته وعبقريته وإبداعه، وسر تفانيه وتضحيته. ومن ثم استطاع أن يتغلب على كل معضلة ومشكلة، وأن يصنع العجائب والخوارق، واستحق أن يحمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال.
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72).
هذه الخلائق الضخمة الهائلة التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو صغيرًا ضئيلًا.. تطيع ناموس الخالق بلا تدبر ولا واسطة، وتجري وفق هذا الناموس دائبة لا تني ولا تتخلف دورتها جزءًا من ثانية تؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها غير شاعرة ولا مختارة. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.
هذه الشمس تدور في فلكها دورتها المنتظمة التي لا تختل.. وترسل أشعتها فتؤدي وظيفتها التي قدرها الله لها، وتجذب توابعها بلا إرادة منها فتؤدي دورها الكوني أداء كاملًا.
وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري الموتى.. وتنفجر ينابيعها وفق سنة الله بلا إرادة منها.
وهذا القمر، وهذه النجوم والكواكب.. وهذه الرياح والسحب.. وهذا الهواء، وهذا الماء.. وهذه الجبال، وهذه الوهاد.. كلها تمضي لشأنها بإذن ربها وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.
لقد أشفقت من أمانة التبعة.. أمانة الإرادة.. أمانة المعرفة الذاتية.. أمانة المحاولة الخاصة ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾، الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره، ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره، ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده، ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد، مدرك يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم القليل القوة الضعيف الحول المحدود العمر الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع!
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فأما حين ينهض بالتبعة.. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة الإرادة ربه.. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها، وفي آثارها، إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر، وكمال في السماوات والأرض والجبال.. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، وهو واع مدرك مريد، فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد.
والإنسان مدني بالطبع، مخالط لبني جنسه... ومن ثم كان متحملا لصفة الأمانة بفطرته.
وها نحن كأمة وسط خيرة نجتاز حلقة مهمة في سلسلة تاريخنا الحديث، ومصيرنا يرتبط إلى حد بعيد بالنتائج التي ستنكشف عنها هذه الحلقة من جهادنا، وكل ما حولنا يهيب بنا أن نكون أشد يقظة، وأصلب عزما، وأرسخ قدما، وأعظم تماسكًا.
وحكاية أن «الثقافة تراث إنساني» لا وطن له ولا جنس ولا دين.. حكاية صحيحة، عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية.. دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية «الميتافيزيقية» لنتائج هذه العلوم، ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعا.. ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد حزب الشيطان الذي يهمه تمييع الحواجز كلها!
وفي أول ذلك حواجز العقيدة والتصور لكي ينفذ أتباعه إلى جسم العالم الإسلامي، وهو مسترخ مخدر، يزاول فيه أتباعه نشاطهم الشيطاني.
والدين القيم يعتبر أن هناك. فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية نوعين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي، والثقافة الأخرى القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة.. هي إقامة الفكر البشري إلها لا يرجع إلى الله في ميزانه.
والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني.. وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائمًا.
ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة لم ينشأ ابتداء في أوروبا.. وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق.. مستمدًا أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته، إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته وأقواته.
ثم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج، واستمرت تنميه وترقيه، بينما ركد وترك نهائيًا في العالم الإسلامي بسبب بعد هذا العالم تدريجيًا عن خصائص التصور الإسلامي ومقوماته بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع، وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من أتباع حزب الشيطان!
ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية، وشردت به نهائيا بعيدا عن الله، في أثناء شرودها عن دور العبادة، التي كانت تستطيل على الناس - بغيًا وعدوا - باسم الله، وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته شيئًا آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي.. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلا للتصور الإسلامي.
ووجب على المسلم أن يرجع إلى مقومات تصوره وحدها، وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه، وإلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي، يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه.
وحكاية فصل «العلم» عن «قواعد التصور الإسلامي» لا يعرفها الدين القيم فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفاهيم العقيدة المؤثرة في نظر الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني، والأوضاع، والقيم، والأخلاق، والعادات، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه، من هذه النواحي.