العنوان الإنفاق على التعليم
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 741
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
إلى من يهمه الأمر:
ليس من الغريب أن تكون اليابان وألمانيا الدولتان الخاسرتان في الحرب العالمية الثانية أكثر الدول الصناعية تطورًا... وليس من المستغرب أن يكون اقتصادهما أقوى اقتصاد في الدول الصناعية... فلقد دمر الحلفاء شريان الاقتصاد في تلك البلاد وحطموا مصانعهم ومؤسساتهم ولكن ظل العنصر الاستثماري الثابت مستمرًا ألا وهو الإنسان المتعلم المنتج... نسوق هذا المثال لنؤكد على أن استثمار الثروة في تعليم الإنسان وإعداده لخدمة خطط التنمية يعتبر أفضل استثمار عرفته البشرية وأكثرها ثباتًا وديمومة.
نقول هذا لنؤكد للمسؤولين في الدولة أن الإنفاق على التعليم يجب أن ينظر إليه كمشروع استثماري له مردود ضخم... وعليه يجب ألا تتردد الدولة في زيادة الإنفاق على التعليم... إن الدول المتحضرة تضع نسبة كبيرة من ميزانيتها للتعليم... وتتباهى هذه الدول بأرقام الإنفاق على التعليم... فالفرنسيون يقولون إن أكبر جهاز وظيفي في العالم هو في مؤسسة جنرال موتورز... ويليه في الجيش الروسي، ويليهما الجهاز الوظيفي في وزارة التربية... ويدللون بذلك على نسبة المدرسين مقارنة بأعداد الطلبة... في الوقت الذي تتباهى به دول العالم الثالث بأرقام الإنفاق على التسليح وأجهزة الأمن.
أقول هذا لكي أؤكد أن الإنفاق على التعليم عندنا دون المحدود... فنحن أقمنا جامعة واحدة ونصرخ من مصاريفها... ونتردد في إنشاء جامعة أخرى خشية زيادة نسبة الإنفاق على التعليم...
وأنشأنا معاهد تعليم تطبيقي بمبان آيلة للسقوط وتجهيزات لا تليق بهذا النوع من التعليم... وبأعداد ضخمة من الطلاب.
إن التعليم التكنولوجي بالذات والتدريب بصفة خاصة يعتبران أكثر أنواع التعليم كلفة حيث تقل نسبة الطلاب للمدرس الواحد بحيث يصبح كل سبعة طلاب متدربين مع مدرب واحد في التدريب وكل عشرة طلاب مع مدرس واحد في التعليم. كما تزداد نسبة الإنفاق على الخامات التي تستخدم في التدريب وعلى الأجهزة التي يراد ملاحقة تطورها التكنولوجي سنويًا وحاجة التعليم التكنولوجي والتدريب إلى تجهيزات متطورة تفوق حاجة كلية الهندسة إذ أن الجانب العملي في التعليم التكنولوجي والتدريب يتجاوز ٥٠٪ من المادة الدراسية بينما لا يتجاوز عن 20% في كلية الهندسة ومع ذلك تصبح ميزانية التجهيزات في كلية الهندسة تفوق ٦٠٠ ألف دينار وهو رقم صغير... بينما لا تزيد ميزانية التجهيزات في معهد الكويت للتكنولوجيا على ٨٠ ألف دينار، وهو رقم مخجل يضحك عليه الخبراء والمستشارين... إذ أن رقم ٨٠ ألفًا هو ثمن جهاز واحد بعض الأحيان، أو لا يكفي لتجهيز معمل واحد.
إنني أسوق هذا المثال لكي أبين طريقة تفكير وزارة التخطيط ووزارة المالية في أسلوب توزيع الميزانيات وتقدير الإنفاق في كل مؤسسة.
وأنه من الخطورة بمكان أن يأتي موظف حديث التخرج غير ملم بحاجات البلاد الأساسية ليقرر مصير تقدم أو تخلف نوع من التعليم... إذ أن المال هو غذاء التطوير.
التعصب والتسامح بين النصارى والمسلمين
نشرت الصحافة الكويتية خبرًا هذا نصه «ذكر المهندس المعماري الذي يشرف على بناء مسجد روما الذي تأخر البدء بإنشائه ٥٠ عامًا، بسبب مجادلات في الدوائر الكاثوليكية، أنه لن يكون هناك مؤذن يدعو المسلمين إلى الصلاة في قلب مدينة مسيحية، وأضاف أن المئذنة لن ترتفع أكثر من ٢٧ مترًا حتى لا تكون أعلى من قبة كاتدرائية القديس بطرس التي يصل ارتفاعها إلى ۱۳۲٫٥ متر.
ويذكر أن عدد المسلمين المقيمين في روما يتراوح بين ٢٠ و٤٠ ألف مسلم، وسوف يكلف المركز الإسلامي والمسجد في روما حوالي ۲۰۰ مليون فرنك فرنسي...»
وقد أثار هذا الخبر في ذهني قضية التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام... وتذكرت كتابات بني قومي حول تعصبنا عندما طالبنا بهدم الكنائس التي تعترض مشاريع الدولة كما تهدم المساجد في دولة مثل الكويت... وتذكرت عجز المجلس البلدي في تنفيذ مخططاته لتطوير وإعادة تخطيط مدينة الكويت وخاصة الجزء الذي يتعرض فيه الكنائس في وسط المدينة... كما تذكرت تردد المسؤولين الذين هدموا كل ذكريات الكويت الحلوة، في هدم المستشفى الأمريكاني والكنيسة القابعة خلفها... حتى الكنيسة القبطية «مارمرقس» غير المرخصة لم تجرؤ الحكومة على مسها مدة من الزمن... تذكرت كل هذا وأنا أقرأ الخبر... هذا الخبر يعكس تعصب المسيحية ضد الإسلام من دولة يفترض أنها متحضرة وديمقراطية ولا دينية أي علمانية... فهو يعكس الآتي:
1- تردد المسيحيين في السماح لأربعين ألف مسلم بممارسة شعارهم في مسجد واحد يضمهم... واستغرق هذا التردد خمسين عامًا... في الوقت الذي نحن نتردد في هدم كنائسهم لأنها تتعارض مع إعادة تخطيط المدينة... وفي الوقت الذي وعدتهم السلطات بإعطاء مساحات أكبر وأفضل في مناطق أخرى من الكويت وتعويض مادي كبير لهم يمكنهم من بناء كنائس أضخم من كنائسهم الحالية.
٢- منع المسلمين من رفع الأذان في قلب مدينة مسيحية.. مع أنهم يعلمون أن رفع الأذان جزء من شعائر الإسلام والدعوة للصلاة... ترى ماذا يقول المدافعون عن النصارى من بني قومنا عن هذا الموقف؟! ماذا يقولون لو طالبنا بوقف أجراس الكنائس ومنع قرعها في مدينة مسلمة؟! وسنقول في مطالبتنا هذه أنه طلب حضاري سبقتنا إليه دولة متحضرة كإيطاليا... وولاية في أكبر دولة غربية وهي أميركا.
ودعونا نسأل ما الذي يضير الحكومة الإيطالية من رفع الأذان في مدينة روما من بين آلاف الكنائس... ما الذي يضيرها سوى التعصب.
3- اشتراط عدم ارتفاع مئذنة المسجد أكثر من ٣٧ مترًا حتى لا تكون أعلى من قبة كاتدرائية القديس بطرس التي يصل ارتفاعها 132٫5 متر... أي خمس ارتفاع قبة الكاتدرائية... إنهم يعتقدون أن ارتفاع صوت أو رمز إسلامي في بلد مسيحي هو تحد للنصرانية... وهم يعكسون بهذا الشرط روحًا متعصبة موغلة بالتعصب والتطرف... ماذا لو اشترطنا ألا ترتفع أعمدة أجراس الكنائس -في البلدان الإسلامية- على المآذن؟ ألا نتوقع من يصفنا بالتطرف والتصلب والغلو؟!
لقد احتج المسلمون في مصر على بناء كنيسة في «العباسية» في القاهرة، وذلك لأن تصميم أبراج الأجراس ترتفع أعلى من أي مئذنة في مصر... ويومها احتج الكتاب والمثقفون اللادينيون ووصفوا ذلك كله بالتعصب والتطرف... ولكن تبين أن هذا الشرط شرط حضاري إذ أن دولة كإيطاليا تعاملت به...
إنني استغربت تمامًا عندما مر هذا الخبر دون أن تتناوله الأقلام التي تحارب التعصب والتطرف... والتي تدافع باستمرار عن قضايا الأقليات النصرانية في البلاد الإسلامية. استغربت لأن محاربة التعصب والتطرف مبدأ نطالب به كل الفئات وكل الديانات... وليس فقط نطالب به المسلمين.
إن هذا الخبر يعكس سماحتنا كما يعكس تعصبهم ضد ديننا... وإن حديثهم عن التسامح لا يخرج عن كونه شعارات كاذبة ومخدرات يخدرون بها المثقفين... والله الموفق.