العنوان الإيثار والإنفاق في سبيل الله
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 34
السبت 21-يوليو-2012
الإيثار على النفس مع الحاجة فضيلة سامقة وقيمة إنسانية عزيزة، لها أثر كبير في بناء الأخوة وتنمية المودة، وصياغة المجتمع المسلم المتآلف، والمستقر على ركائز الإيمان والتكافل، وقد أشرنا في مقال سابق إلى أن مجتمع الأنصار في مدينة الرسول ﷺ بلغ بقيمة الإيثار ووقاية النفس من الشح، ما لم تشهد له البشرية نظيرًا، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حال، بصورة خارقة لمألوف البشر قديمًا وحديثًا.
ولم يكن هذا المشهد الإنساني والأخوي ليحدث في مجتمع كان من سماته الاحتراب والتنازع على أبسط الأمور، إلا لوجود التوافق في الصدق والوفاء، والموافقة في الدين والإخاء وفرط محبة الإخوان بالحقيقة، والأعوان في الطريقة، وهذا المقام أعلى من حال الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8)
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ (البقرة: 177)
فإن هؤلاء الأنصار تصدقوا وقد يكون لهم حاجة إلى ما تصدقوا به، وآثروا على أنفسهم، مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوا.
وكما جاء عطاء الأنصار فريدًا، كان عطاء المهاجرين أيضًا نوعيًا، فقد تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله، وذلك فيما يرويه الترمذي وغيره بسند حسن عن عمر رضي الله عنه ، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته- قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا.
إن شح النفس هو المعوق عن كل خير؛ لأن الخير بذل في صورة من الصور.. بذل في المال.. وبذل في العاطفة.. وبذل في الجهد.. وبذل في الحياة عند الاقتضاء.. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائمًا أن يأخذ، ولا يهم أن يعطي، ومن يوق شح نفسه فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطيًا باذلًا كريمًا.. وهذا هو الفلاح في حقيقته ومعناه.
والحال أن هذا الإيثار وذاك العطاء لم يكن ليتجلى على هذا النحو المبهر إلا بعد أن أصبحت الأخوة المباركة روحًا تسري في جسد الأمة، ونجوى روح لروح، وهمس جنان لجنان، وهتاف نفس لنفس، وتجانس حس لحس، طالما جمع الروحين هدف، وغمر الجنانين نور، وشمل النفسين شعور، ومزج الحسين أمل.
إن هذا العطاء غير المحدود جاء نتاج أخوة غير مسبوقة، وحيوية زاخرة، وروحانية باهرة.. وإنسانية سامية، وواقعية عاملة.. ومسارعة بالخيرات، وعاكسة صورة بديعة تستوجب أن يتحرك بنو الإنسان في إطارها، تتعاون ملكاتهم كافة، وتتكامل مواهبهم عامة.. فإذا كل أولئك قائم في دائرة الأخوة، ملحوظ بعنايتها، مشارك في حمايتها، مؤيد برعايتها.
ولا شك أن الأخوة الإيمانية حين تخالط دخائل النفس ومكامن الحس، تتحول إلى مزاج من الحب والألفة، والتكافل والتضامن، ومودات الجنان بين الإنسان وأخيه الإنسان، فتجمع شمل دخائل النفس، ومكامن الحس.. وتقرب البعيد، وتلين الجفاف، وترقق الجوانح وتوحد الجوارح، وتربط بين الإنسان وأخيه الإنسان برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق اللسان، وخفقة الجنان.. ترانيم رفيعة القدر من الحب والتعاطف، والقرب والتعارف والسماحة والهوادة، لا ليعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا يعرف مذاقها إلا هذه القلوب.. ومن ثم كان الولاء والتناصر، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63)
إن الأخوة المباركة الطيبة حين تخالط شغاف القلوب، تهتف للبشرية كلها بنداء الحب في الله عز وجل.. وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له، والالتقاء عليه، فإذا استجابت وقعت المعجزة الكبرى التي يعجز القلم عن تصويرها، والتي لا تعرف إلا بالتجربة.
ولا ريب أن الأخوة أغلى من الدنيا، وهي في الحياة أثمن من الحياة، لأن الدنيا تفنى أما فضل الأخوة فيبقى، ولأن الحياة تزول، أما بناء الأخوة فلا يحول، وهذا العالم يبلى، والأخوة وحدها هي التي تجدده، وأعمالها هي التي تخلده.
إنه بالأخوة الإيمانية تتراجع المادية، وتسود القناعة ويحل الرضا، ويتماسك المجتمع وتقوى أواصره، ويطل على الإنسانية نور من التوحيد، وظل من الاتحاد والتآخي وينشر في الروض العبير، ويمحى ظلام الأنانية بآية الإيثار.
وستبقى الأخوة الإسلامية بإذن الله تعالى رابطة وثيقة بين أولئك الذين يعملون في ضوئها المتكامل الذي يسعد به الأخ منفردًا ومجتمعًا، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، كما ستظل الأخوة علاجًا ناجعًا لشقاء الدنيا وكبدها، وعنوانًا عريضًا للتعاون على البر والتقوى، وبلسمًا شافيًا لمعاني الشفقة والرحمة والحنان ورابطة للمودة الصادقة التي تمحو ضباب الأحزان، والله نسأل أن نكون من المتآخين المتآزرين في السراء والضراء.