العنوان نقوش على جدار الدعوة: الإيحاءات الجلية في الزيارة السودانية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 58
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
نفسية البناء والنماء والتغلب على المعوقات الحاضرة غالبة على الشعب في السودان.
سياسة الاضطرار التي تتبعها الحكومة السودانية تهز مصداقية الدولة وتفقدها تأييد الكثيرين.
من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، والاهتمام بأمور المسلمين، ومحاولة المساعدة في حلها أو حل بعضها على الأقل يستدعي جهودًا حثيثة، تتواصل وتتماسك لتحدث الغرض المطلوب من هذا الاهتمام بزيادة الخير المرصود وتخفيف الآلام الكثيرة التي أصابت الجسد الإسلامي في كثير من أعضائه، والمشاركة في تخفيف الأعباء عن تلك الأعضاء في جسد الأمة واجب إسلامي لا تفرغ ذمة الأمة منه إلا بالأداء. وقد أكرمني الله- سبحانه- فكنت أحد المدعوين لمنظمة الدعوة الإسلامية لأزور السودان ولأطلع على أحواله وبخاصة بعد ما أصابه من جراء الفيضانات الغزيرة التي أغرقت بعض المزروعات، وهدمت بعض البيوت وشردت عددًا من السكان، فصار العراء مأوى كثيرين، والجوع زادهم، وهم الذين كانت أرضهم في السودان منذ مائة عام تنتج للبلاد العربية الحبوب والغلال، وتمد بلادًا كثيرة مما حولها بالطعام. إنهم -اليوم- بلا مأوى، وبلا طعام، فلا أقل من أن يقف العالم الإسلامي إلى جانبهم يمدهم بما يستطيع. ولقد واكبت- بحمد الله في رحلتي هذه إلى السودان- ركب المساعدات الكويتية التي أمر سمو أمير البلاد بإرسالها إلى السودان، تعبيرًا عن مشاركة الكويت الدول العربية الأخرى في بأسائها وضرائها، وعن المساعدة والمساهمة في تخفيف أعبائها وآلامها.توكل لا تواكل: ورغم ما أصاب السودان من خسائر مادية كثيرة، فإن حماسة الأفراد للتغلب على هذه الأزمة ظاهرة لا تخفى على زائر، إن نفسية البناء والنماء وتجاوز القصور الكامن فوق أرض الواقع غالبة على الشعب هناك، يجاهر بها كل من تلقاه، وهذه الحماسة مرغوبة مطلوبة إن قامت على أساس التوكل بمعناه الإيماني الشرعي الآخذ بكل الأسباب المؤدية إلى النجاح، وهي أسباب ينبغي أن تبنى على الواقع المراد تغييره بالعمل والجد نحو الأفضل والأحسن، فإذا خلا الأمر من اعتبار الأسباب، فقد تحول هذا التوكل إلى نوع من التواكل تكون ثمرته مريرة، ونتيجته على أرض الواقع غير مرضية، لأنه لم يلتزم بما سماه رسول الله ﷺ: «حق التوكل» في حديثه الذي بلّغه إلى الأمة، ليكون عنوان تميزها عن غيرها، وتعميرها للأرض كما أمر الله «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، ولا خوف على السودان من شدة الحصار الذي يتعرض له الآن، والذي يحكم قبضته حوله بحزام من الدول المحيطة به، تساعد على بقاء هذا الحصار وإحكامه، بحيث لا يكون له منفذ يتعامل من خلاله مع جهات أخرى، وتساعد- كذلك- على بقاء الحصار واستمرار المعارضة المسلحة وغير المسلحة، التي تحاول أن تقضي على النظام في السودان، ولو جاع الشعب وهلك الناس، وقلت الأقوات، وزاد الفساد والخراب، وكل ذلك لا يشكل حاجزاً أمام البناء والنماء إن قام على معنى التوكل الإيماني الذي كان طابع المسلمين في كل نهضة.
التواضع: وإذا قام هذا التوكل على المعنى الصحيح الموافق للشرع، أثمر التواضع لخلق الله، فيتحقق لصاحبه الرفعة عند الله، إن الأقوياء الأسوياء يتواضعون للناس، لأنهم يعرفون قدرهم، ويدركون أن النعم التي بين أيديهم- مادية كانت أم معنوية- إنما هي من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِن الله﴾ (النحل: 53) فعلام يغترون؟ إن الغرور بما تحت يد الإنسان من قوة إنما هو بداية السقوط في هاوية الخسران، والقوة التي يغتر بها الناس قد تكون مادية أو معنوية وقد تتمثل في موقف من المواقف أو رأي من الآراء أو غير ذلك من المسارب التي يتسرب منها الغرور إلى النفوس فيقضي عليها، والحمد لله فحماسة إخواننا في السودان ومواقفهم من القضايا المثارة على الساحة لم تدفع بهم إلى الغرور، ونسأل الله ألّا يقعوا في مصيدة الغرور لتظل لهم فطرتهم النقية وسيرتهم السوية، وحياتهم الصافية.لا تدفعوهم إلى الاضطرار: الاضطرار حالة تنجم عن طارئ عارض مفاجئ قد لا يكون في الحسبان يدفع المضطر إلى تصرف يأبى فعله في الظروف العادية، لأنه يرتكبه تحت وطأة الضرورة، التي تبيح المحظور بالقدر اللازم لزوال الخطر من غير زيادة أو اشتهاء ورغبة، إنها حالة يلجأ إليها المرء كارهًا غير راغب ولا مشته ليتخلص منها فور زوال العارض الذي دعا إليها.موقف حكوحالات الضرورة الملجئة إلى الاضطرار في حياة الأفراد والدول حالات نادرة قليلة الحدوث، فإذا ما تغير الأمر فأصبح الاضطرار هو الأصل فإن العوج يكون قد ساد، ويكون الخلل منذرًا بكثير من الفساد. وقد كانت بعض مواقف الحكومة السودانية تأخذ هذا الطابع الاضطراري، فقد أيدوا العراق في غزوه الكويت سنة ١٩٩٠م بحجة أنهم اضطروا إلى ذلك التأييد، لأن العراق أمدهم بالسلاح، مع العلم أن هذا السلاح الذي أمدهم العراق به إنما هو سلاح دفعت دول من الخليج ثمنه أيام حرب الخليج الأولى، ولا يد فيه للعراق اللهم إلا أنه أراد أن يتخلص منه فأعطاه للسودان.وعند صياغة الدستور السوداني أدخلت عليه بعض المواد المجافية والمنافية لأبسط قواعد الشرع الإسلامي بحجة أنهم- كذلك- مضطرون لهذا الأمر، لأعذار قد تقبل وقد ترفض.وحتى رؤيتهم للواقع الإسلامي المعاصر يغلفونها بحالة الاضطرار، لتبرير موقفهم في قضية من قضايا الأمة، وأقرب هذه القضايا قضية الحشود الإيرانية تجاه الحدود الأفغانية، فإن الحكومة السودانية كانت مجاملة لإيران بغير تحفظ بحجة أنها مضطرة إلى هذا، فإلى متى تظل سياسة الدول رهنًا بحالات الاضطرار التي تجعل قراراتها غير بعيدة عن الاضطراب؟ وماذا يكون موقف حكومة السودان لو أن حربًا شبت الآن-لا قدر الله- بين إيران وبين العراق؟ هل سيقترن موقفها بحالة الاضطرار؟ أو ستكون حكومة السودان مع أخف الضررين وأهون الشرين؟ إن استمرار هذه السياسة- سياسة الاضطرار- يهز مصداقية الدولة، ويفقدها تأييد كثير من الناس في الخارج، فإلى متى يستمر هذا الوضع؟إنني لأدعو العقلاء والحكماء ألّا يدفعوا السودان لاتخاذ المزيد من قرارات الاضطرار حتى لا يفقد تأييد الكثيرين في الشارع الإسلامي.