العنوان الإيرانيون اليهود يتبرعون بـ (70) مليون ريال لصالح الحرب.
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 47
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 26-أبريل-1988
المفاوضات لا تزال مستمرة بين النظام الإيراني والكيان الصهيوني لتهجير 30 ألف يهودي إيراني إلى فلسطين المحتلة.
اليهود الإيرانيون سلاح ذو أغراض متعددة بالنسبة لدولة العدو الصهيوني.
خلال النشاط الاستعماري التجاري لفرنسا وإنجلترا، كان اليهود الإيرانيون أول من اتصل بالمستعمرين.
اليهود والدعم المستمر للنظام الإيراني. هل يستمر اليهود في هجرتهم إلى فلسطين المحتلة؟
لم يعد خافيًا أن الاتصالات الإسرائيلية الإيرانية التي كشفتها جهات عديدة حتى قبل فضيحة إيران-غيت ما زالت مستمرة، بل هي تتدعم وتتكثف بمرور الأيام في ظل التوافق بين الاستراتيجية الفارسية والاستراتيجية الصهيونية. وإذا كان البعض لا يزال يشك في ذلك مغرورًا بالدعايات الإيرانية فها هي صحيفة كيهان العربي، الصادرة بطهران، تنشر في عددها رقم 1285 بتاريخ 10 جمادى الثاني 1408 هـ، الموافق 30 يناير 1988، على صفحتها الثالثة خبرًا لا يبقي أي مجال للشك حول عمق الروابط التي تجمع بين حكام طهران والدوائر اليهودية داخل إيران وخارجها. يقول الخبر كما نشرته كيهان: إن أحد المسؤولين في طهران استقبل أكثر من ألف من أعضاء الطائفة اليهودية في إيران بقيادة حاخام اليهود في إيران، وقال لهم خلال اجتماعه بهم: «إن اليهود بريئون من حفنة من الإرهابيين الصهاينة المحتلين، والجميع يعلم أن إقامة الكيان الإسرائيلي الغاصب لم يكن على أساس الدين.» وأشار إلى المظالم التي مارستها الدول الأوروبية والنازية بحق الشعب اليهودي، ودعا اليهود إلى البراءة من الصهاينة.
وذكرت الصحيفة أن الطائفة اليهودية قدمت في ختام اللقاء مبلغ 70 مليون ريال دعمًا لجبهات «حرب الحق ضد الباطل» كما أسمتها. وإذا كان هذا الخبر دليلًا آخر على اللقاءات والاتصالات المشبوهة بين الإيرانيين واليهود، والتي خرج بها من نطاق السرية إلى العلنية؛ فإن به مغالطات فظيعة لا بد أن تستوقفنا.
أولًا- أراد المسؤول الإيراني أن يفرق بين الصهيونية واليهودية، وأن يقلل من أهمية الصهاينة بوصفهم بـ «حفنة»، وتبرئة غالبية اليهود مما يقوم به الإسرائيليون في فلسطين المحتلة ومن العداوة التي يظهرها بعضهم للإسلام والمسلمين، ويرى أن الكيان الإسرائيلي لم يقم على أساس الدين. ونحن نتساءل: كيف يذهب هذا المسؤول إلى هذا الحد في استرضاء اليهود ومجاملتهم، بل وتبرئتهم من جرائمهم التي يندى لها الجبين وفي غدرهم وخيانتهم للشعوب التي عاشوا ضمنها؟ نحن لا ننكر أنه ثمة يهود تغلبت في نفوسهم نوازع الخير؛ فأعلنوا استنكارهم للجرائم الإسرائيلية، ومعارضتهم لما يقترف باسم الدين اليهودي، ولكن هؤلاء اليهود من القلة بحيث لا يكادون يظهرون أمام الغالبية العظمى من اليهود العنصريين الحاقدين، فالظاهرة الصهيونية هي ظاهرة يهودية لا خلاف في ذلك، تقوم على أساس ديني عنصري، ولا يغرنا ابتعاد بعض الأفراد اليهود المنفردين عنها؛ فهؤلاء يعتبرون من الشواذ، والشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه كما يقول مثلنا العربي. وقد أشار القرآن الكريم نفسه إلى استحكام عداوة اليهود للمسلمين، فكيف يتجرأ على تبرئتهم؟ يقول -سبحانه وتعالى- في محكم آياته: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (سورة المائدة:82).
ثم من أين استنتج المسؤول الإيراني أن الكيان الصهيوني لم يقم على أساس الدين؟ ألم يرفع مبعوثو إيران إلى فلسطين المحتلة رؤوسهم ويقرؤوا الشعار التوراتي الذي كُتب على مدخل الكنيست، والذي يقول: «من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل»؟ ألم يتساءل لماذا يجد الإسرائيليون في الحفر والتنقيب بجوار المسجد الأقصى المبارك وعما يبحثون؟ لماذا يتسرع بالحكم قبل أن يتساءل عن تسمية هذا الكيان بـ «إسرائيل» وعن عدم قبول غير اليهودي به مواطنًا؟ وإذا صح أن نفرق بين الصهيونية واليهودية على النحو الذي ذكره، فبماذا يعلل الإيرانيون اتصالاتهم بكبار المسؤولين في الكيان الصهيوني وإبرام الصفقات معهم؟ وبماذا يبررون إرسال طياريهم للتدرب في القواعد الجوية الإسرائيلية في فلسطين المحتلة كما كشفت عن ذلك صحف إسرائيلية؟ هل هذه اتصالات ومعاملات مع اليهود وليست مع الصهاينة؟
ثانيًا- يصدق المسؤول الإيراني مزاعم اليهود بالمظالم التي مارستها الدول الأوروبية والنازية بحقهم، فيعزف نفس النغمة التي طالما عزفها اليهود حتى مجّتها الأسماع؛ وذلك من أجل استدرار العطف، والظهور دائمًا بمظهر الضحية والتغطية على جرائمهم الحالية وأعمالهم التي تجاوزت في فظاعتها النازية. ونحن وإن كنا لا ننكر الوقائع التاريخية؛ فإننا لا بد مع ذلك أن نضعها في إطارها، ونبحث عن أسبابها الحقيقية. تقول بعض الدراسات التي ظهرت أخيرًا في أوروبا إن «الهولوكوست» الذي صوره اليهود لذرف الدموع إنما هو في جانبه الأكبر من صنع خيالهم ومن اختلاقاتهم الشيطانية. وعلاوة على ذلك لا ننسى أن هتلر وغيره لم يمارس ما مارسه من قسوة على أولئك اليهود إلا بعد أن تفطن لغدرهم ولأدوارهم القذرة ولخياناتهم أثناء الحرب. ولنا أن نتساءل: لماذا استهدفت القسوة الهتلرية اليهود دون سواهم؟ لماذا لم يمارس هتلر أعماله الفظيعة -وهذا لا يعني أبدًا تبرير تلك الفظائع- وهو في عز قوته على غير اليهود من الشعوب التي سيطر عليها؟ إنها مجرد أسئلة لعل الواقع الصهيوني اليوم يجيب عليها، وكأن المسؤول الإيراني يجري مع التيار اليهودي، ويرفع صوته إلى جانب أصواتهم، كيف وقد برأ اليهود من حفنة من الصهاينة المارقين؟
ثالثًا- نأتي إلى قضية تبرع اليهود الإيرانيين بالأموال دعمًا لمجهود إيران الحربي، وهي قضية هامة وخطيرة في دلالاتها ومغزاها. ونتساءل بادئ ذي بدء: هل يعني هذا ولاء هؤلاء اليهود إلى إيران وحكامها واقتناعهم بطروحاتها وتعبيرًا منهم عن وطنيتهم الإيرانية؟
لقد عاش اليهود في إيران منذ أكثر من 2500 سنة، ومع ذلك لم يمتزجوا بشعوبها، وحافظوا على هويتهم وعلى لغة خاصة بهم، واستخدموا الخط العبري في كتابة الفارسية. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت أول جمعية يهودية إيرانية تُنشأ على أرض إيران، هي جمعية «أصدقاء كل «إسرائيل»».
وخلال النشاط الاستعماري التجاري لفرنسا وإنجلترا كان اليهود الإيرانيون أول من اتصل بالمستعمرين، وساعد على ذلك النشاط.
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توالى إنشاء المؤسسات والمراكز الصهيونية التي لا همّ لها سوى توثيق الروابط بين يهود إيران ويهود الشتات الآخرين والصهاينة في فلسطين المحتلة. ونذكر من هذه المؤسسات على سبيل الذكر لا الحصر:
• فرع الوكالة اليهودية في طهران وهو يعمل لصالح الكيان الصهيوني.
• مكتب «كنز المعرفة» الصهيوني، وهو فرع للمؤسسة الأم بنيويورك، وتعمل هذه المؤسسة على تربية الجيل على الأهداف الصهيونية.
• نادي «فورش الكبير» وهو أكبر مركز للنشاط الصهيوني في إيران، ويستقطب شخصيات إيرانية بارزة لكي يكون قريبًا من القرار الإيراني ومؤثرًا فيه.
وإذا أضفنا إلى كل هذا ما صرح به شامير رئيس وزراء العدو الصهيوني للصحافة العالمية عندما سئل عما إذا كانت «إسرائيل» قد أمدت إيران بالأسلحة فأجاب: «إن السياسة الإسرائيلية يحركها الحرص على مساعدة اليهود الإيرانيين» يصبح من الصعب جدًا التصديق بموالاة يهود إيران لتوجهات حكام طهران وتضحيتهم في سبيلها، ويبقى السؤال لماذا يدفع اليهود إلى إيران؟ ولماذا يتسلح الإيرانيون برشاش العوزي الإسرائيلي؟ ولماذا يحمل بعض يهود إيران السلاح على جبهة القتال ضد العراق؟
اليهود الإيرانيون قناة لتغذية الحرب الإيرانية العراقية ولتغذية الآلة البشرية الصهيونية:
يقال إن عدد يهود إيران وصل في عهد رضا بهلوي -والد شاه إيران الأخير- مائة ألف نسمة، وإن أوضاعهم كانت طيبة وفي ازدهار مستمر، ولذلك لم يهاجر منهم إلى فلسطين المحتلة حتى سنة 1948 سوى 3539 شخصًا فقط. وبعد الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني تواتر ارتفاع الهجرة حتى بلغ عدد المهاجرين منهم 28 ألف شخص، ثم انخفضت نسبة الهجرة في الستينات والسبعينات رغم تمتين العلاقات بين شاه إيران والصهاينة؛ بسبب النهوض المالي والاقتصادي الذي شهدته إيران بعد ارتفاع عائدات النفط. وتقول بعض المصادر إن يهود إيران يعدون حاليًا ما بين سبعين وثمانين ألف شخص، وإن كل الجهود في اللقاءات السرية الصهيونية والإيرانية تنصب على تهجير أكبر عدد منهم إلى فلسطين المحتلة بعد أن صار هاجس الصهاينة تغذية آلتهم البشرية لتلحق بتقدم الآلة العسكرية، ولتواجه ما يسميه بعضهم بالقنبلة البشرية الفلسطينية والعربية.
وبعد أن اندلعت الحرب العراقية الإيرانية رأت الدوائر الصهيونية الفرصة سانحة للعب بورقة اليهود الإيرانية؛ لتحقيق أكثر من هدف تشترك فيه مع الإيرانيين، إضافة إلى الهدف الأساسي وهو ضخ إمدادات بشرية داخل الكيان المصطنع. ومنذ فضيحة إيران غيت كشفت تباعًا عدة صفقات مقايضة يهود إيرانيين بأسلحة ومعدات عسكرية إسرائيلية.
نذكر من ذلك مثلًا أن إيران سمحت عام 1985 بهجرة مجموعة من اليهود الإيرانيين لفلسطين المحتلة مقابل حصولها على ذخائر مدفعية وعلى 80 دبابة سنتوريون وتي 54 وتي 55 سوفياتية الصنع من العدو الصهيوني.
وفي بداية العام الحالي ذكرت مجلة الأوبزرفر الإنجليزية، ومجلة نوفال أوبسرفاتور الفرنسية، الصادرة بتاريخ 12/2/1988، أن مفاوضات سرية جرت بين دولة العصابات الصهيونية وإيران في مكان ما من أوروبا لتهجير 30 ألف يهودي إيراني إلى فلسطين المحتلة، وأشارت المجلة إلى أن زعيمًا إيرانيًا بارزًا يترأس الوفد الإيراني، وقالت المجلة إن الدفعة الأولى من «فلاشا» إيران تضم مهندسين وفنيين، وإن الصهاينة سيزودون إيران مقابل هؤلاء المهاجرين بأسلحة ومعدات حربية.
ولكن لا يجب النظر إلى هذه الصفقات على أنها صفقات مقايضة براغماتية لا غير؛ إذ إن الصهاينة لا يتخذون أي خطوة دون مراعاة أهدافهم الاستراتيجية، ومن أهدافهم هذه تغذية نيران الحرب في الخليج؛ ولذلك هم لا يكتفون بإمدادات الأسلحة للإيرانيين، بل يستغلون اليهود الإيرانيين لدعم المجهود الحربي الإيراني بالمال وحتى بالرجال، ألم يقل الصحافي الإسرائيلي تيسفي ليزار الذي زار طهران: «هناك مجندون يهود يحاربون مع جيش الجمهورية الإسلامية ضد العراق من مواليد عام 1986.»
ولا يفسر بعض الملاحظين توالي الصفقات عوض عقود صفقة واحدة بتكتم إيران وإصرارها على سرية هذه العمليات، التي تكشف حكام طهران على حقيقتهم، بل من أجل الاستمرار في التزود بالأسلحة الإسرائيلية، لا سيما وأن بعض الأبواب بدأت تغلق في وجوه الإيرانيين أو هي في طريقها إلى الإغلاق.
لقد وجد كلا الطرفين غايته في صفقات المقايضة تلك، بل إن هذه الصفقات ساهمت إلى حد بعيد في تعزيز التقارب بين الإسرائيليين والإيرانيين، ومهدت إلى توثيق علاقات التعاون بينهما في كافة المجالات، وفي هذا الإطار نفهم لماذا:
• يسمح النظام الإيراني للتجار اليهود بتحويل أموالهم إلى الخارج، ولا سيما الكيان الصهيوني، ولعل ما قبضه أحد المسؤولين الإيرانيين هو دليل شكر اليهود الإيرانيين على ما يتخذه حكام طهران من خطوات «إيجابية» تجاههم.
• يستمر وجود مقعد لليهود في مجلس الشورى الإيراني.
• يتوغل الصهاينة داخل المؤسسات وهيئات النظام الخميني.
• تتوسع أعمال الشركات اليهودية في إيران، مثل: شركة «سوليل يوني» وشركة مكوروث، والشركات الإسرائيلية التي تضاعفت مبيعاتها في السوق الإيرانية.
اليهود الإيرانيون هم إذًا سلاح لأغراض متعددة بالنسبة «لإسرائيل»: غرض عسكري واستراتيجي لإضعاف العراق، وشغله عن توجهه العربي، واستنزاف قدراته ومنعه من أن يصبح دولة متطورة تشكل خطرًا على الكيان الصهيوني، وغرض اقتصادي باستنزاف الثروات الإيرانية عبر مبيعات الأسلحة وأعمال الشركات الصهيونية في إيران، وغرض قديم جديد هو ضم أكبر عدد ممكن من يهود الشتات إلى الدولة المصطنعة. فهل يعي حكام طهران أنهم يلعبون اللعبة الصهيونية، وأن المخادعة لم تعد تجدي؟