; قراءة نقدية: امرأة من أفغانستان | مجلة المجتمع

العنوان قراءة نقدية: امرأة من أفغانستان

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 16-يوليو-1996

خصص علم الاجتماع فرعًا من فروع الدراسة الظاهرة الأدبية هو علم اجتماع الأدب أو ما يطلق عليه "سوسيولوجيا الأدب"، أملًا في دراسة أركان ثلاثة هي الأديب والعمل الأدبي والقارئ من الجانب الاجتماعي، وأنقسم هذا العلم نفسه إلى عدة علوم... ولم يتح لي أن أقرأ عملا أدبيًا ارتبط بمجتمعه أو أديبًا أستمد مادته الأدبية من مجتمع أكثر مما رأيت في المجموعة القصصية امرأة من أفغانستان للأستاذ أحمد منصور- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية.

الفكرة الأساسية التي تنتظم ثلاثًا وعشرين قصة وثلاث مكملات لبعضها تحت عنوان ذيل في هذه المجموعة هي الجهاد الذي استمر خمسة عشر عامًا في بلاد الأفغان، ونسجت مادتها الأساسية من ملابس أبناء المهاجرين المهترئة البالية وسطرت حروفها من دموع الأرامل ودماء الشهداء وصبر المجاهدين ورباطهم وغربة المهاجرين وانتظارهم، كما أعلن المؤلف في مقدمته.. وتناولت في قصصها ثلاث فئات المجاهدين والمهاجرين ثم النساء.

 ولم يطلق عليها المؤلف قصصًا قصيرة، إني لا أدعي أنها تنتمي إلى البناء القصصي بضوابطه وأصوله التي تعارف عليها النقاد، ولكنه يدخل هذه القصص ضمن إطار الرواية الصحفية الواقعية أو التاريخ الأدبي القصصي أو التراجم، وبالفعل تنوعت واختلطت المجموعة بين ثلاثة أنواع هي القصة القصيرة والرواية الصحفية والترجمة.

وإذا كانت القصة القصيرة- في أبسط صيغة في النقد الأدبي- مجموعة من جزئيات الحدث التي تدور حول موقف واحد ويشترك فيها شخص أو أكثر تتكثف أحداثها ومفرداتها حتى تصل إلى ذروة الصراع ويتم بناؤها الدرامي، حتى تنبلج في النهاية فيما يطلق عليه لحظة التنوير التي يمكن أن نعتبرها المصباح الذي يضيء كل كلمة أو حدث جاء في أثناء القصة، لذلك أمكن أن تكون القصة القصيرة صفحة أو نصف صفحة أو صفحات.. فالموقف الواحد هو الفيصل.

وبإطلالة نقدية راغبة في التصنيف يمكن اعتبار كل من »حياة المجاهدين بابا غلام اليوم الأخير في حياة د. عبد الله عزام، وصية مهاجر أفغاني، مولوي عبد الرحيم أرملة شهيد« في باب الرواية الصحفية التي اتسمت بعنصر الولاء الواضح للإسلام، والجهاد الإسلامي، فلا نستطيع القول بحياد المؤلف في عرض صورة الجهاد، قدر حرصه على إبراز صورته المثالية التي تحلق في سماء الحلم الجميل، وهي حقيقة وواجب على الصحفي المسلم القيام به في وقت عاني فيه الجهاد من تشويه صورته على أيدي الإعلام الغربي الذي كان حاضرًا دائمًا، ورغم أننا لم نشرف بالذهاب إلى أرض الرباط- أفغانستان-، فإن لقاءاتنا الصحفية مع قادة الجهاد الأفغاني في الدوحة- حيث أقيم الآن- قد أورثتنا انطباعًا مذهلًا عن هؤلاء الذين أتقنوا فن الجهاد أو فن الموت في العصر الحديث.

المجموعة الثانية التي كانت أقرب إلى القصة القصيرة هي نور الحق فوق الآدمية، أحمد شاه كسرة الخبز أسد جلال آباد الحارس الأنعام امرأة من أفغانستان أم الشهداء، ولو مس البناء الدرامي قلم المؤلف قليلًا لقدم لنا لحظة تنوير مطلوبة في فوق الآدمية.

فكم أجاد حينما جاء الحوار كما يأتي لاحظ مرافق الجريح حيرتي، فقلت له: لابد له من إجراء عملية بتر الآن، حتى لا تحدث مضاعفات والطريق لا يزال أمامكم طويل إلى "كويته"؛ حيث يوجد المستشفى الكبير، لكن لا يوجد عندي بنج الإجراء العملية، فألتفت إلى الجريح وتحدث معه في الأمر ثم فوجئت بالجريح يطلب مني إجراء عملية البتر بدون بنج فقلت له: كيف؟ قال كما أقول لك فقلت له: وكيف تقوى على تحمل الألم، فنظر إلي بإشفاق ولم يتكلم وإنما أشار إلى أن أبدأ في عملي، تصاعد الحدث وأشتد إليه نفس المتلقي.. ولم يكن له أن يزيد على ذلك أو يعلق، بل يترك ذلك أمام القارئ، ولكن الحماسة وأحسست بعد ذلك أني لم أكن أتعامل مع إنسان أو بشر.. أضعفت قوة الحدث الدرامي، وإن لم ينف أن الصدق الذي استطاع المؤلف التقاطه من الحدث الواقعي قد ارتفع به إلى مصاف الأدب العالمي.

"امرأة من أفغانستان": هو عنوان المجموعة وهي امرأة تخصصت في صنع الطعام للمجاهدين مع ابنتها، بينما ابنها- ولو سماهم المؤلف لكان أوفق- ينقل الطعام من البيت إلى مواقع المجاهدين المنتشرة على التلال، ورغم هجرة معظم أهل القرية، واستشهاد زوجها، فإنها لم تهاجر إلى باكستان، بل ظلت مع الأبن والبنت تواصل الليل بالنهار أمام التنور، وبينما تستشهد الأبنة بقنبلة نزلت على المكان وادي بنجشير الشهير، يأتي يوم يتأخر فيه الولد عن المجاهدين ويذهب ثلاثة من المجاهدين لاستطلاع الأمر فيجدون المرأة تجلس كعادتها أمام التنور لإعداد الطعام، وبعد أن ساعدوها في نقل بعض الأخشاب سألها أحدهم عن شيء مستور على أعشاب خضراء فقالت: إنه ولدي خرج كعادته في الصباح المبكر وهو يحمل طعام الفطور للمجاهدين فسقط صاروخ بالقرب منه فاستشهد من شظاياه، فحملته وجنت به إلى البيت وخفت أن أتأخر عليكم في إعداد الطعام فواصلت عملي حتى يصل بعض منكم يحملون الطعام إلى إخوانهم، ويساعدني آخرون في تكفينه والصلاة عليه ثم دفنه.. وكانت تلك هي رواية السيد برهان الدين رباني رئيس دولة أفغانستان الحالي والتي نقلها الكاتب مباشرة عنه، هل يبقى لصاحب مبدأ أية قدرة على المزايدة بالشرف الرفيع أمام هذه المرأة الأفغانية؟

جاءت التراجم عبر العناوين صاحب العنب شهيد في القافلة، خادم المجاهدين، الشيخ محمد صالح الظفير، مولوي شينواري هجرة هاجر ومع أن قليلًا من الحبكة الفنية كان أقرب لراحة الضمير الفني الذي يمتلك التأثير على غير المتعاطف مع الجهاد، فإن هذه لم تكن غاية أحمد منصور، قدر ما أراد هدفًا أساسيًا وهو سد جانب من تقصير العرب خاصة، والمسلمين عامة تجاه الشعب الأفغاني وجهاده على مر السنوات دون أن توجد له مكتبة أدبية مناسبة تعبر عن محنه ومآسيه وبطولات أبنائه وتضحياتهم كما ذكر المؤلف.

وعبر الأنواع الأدبية الثلاثة: الرواية الصحفية والقصة القصيرة والتراجم تأتي مجموعة امرأة من أفغانستان، وهي تمتلك أسلوبًا صحفيًا قويًا يستخدم الحقيقة، التي تبدو- رغم واقعيتها وطهارتها وصدقها- أكثر من مثالية، ويحمل الوصف- في هذا الأسلوب- كل أعباء الخطاب إلى القارئ الذي يصافح لمسة الحنان لجهاد الأفغان الذين أتقنوا فن الموت في سبيل الفكرة، أملًا أن يتقنوا فن الحياة في سبيل الأمة أو الدولة.

ويبقى هذا العمل علمًا على أدب الجهاد الأفغاني الذي قصر الصحفيون الإسلاميون في تغطيته، وجاء حضور أحمد منصور كصحفي يسد نقصًا ويقف على ثغرة، ويضع لمسات ولبنات في باب طويل من أبواب الأدب الإسلامي المعاصر لم يكثف حوله الإبداع، وهو باب الجهاد المعاصر خاصة لدى الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية، أو تلك الشعوب التي تخوض الجهاد والثورة في سبيل الحفاظ على الذات الإسلامية..

الرابط المختصر :