العنوان البيت الذهبي: انتبه عندما تريد الزواج
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005
مشاهدات 74
نشر في العدد 1683
نشر في الصفحة 58
السبت 31-ديسمبر-2005
كيف يصبح البيت روضة تسر الناظرين؟
كلف الله الرجال بقيادة دفة الأسرة وهي ليست قوامة تشريف وجبروت بل قوامة رعاية وإحسان
حين تحسن النوايا وتتحاب القلوب وتكون المشاركة الوجدانية.. تسير سفينة الزواج بأمان
هل مررت يومًا بصحراء قاحلة، لا زرع فيها ولا ماء، تعصف بك الريح تارة والجوع تارة أخرى، وتتعثر بك الخطى حينا من الوقت، وبينما أنت على تلك الحال إذ بفرج الله يأتي، ويمن الله عليك فينتهي بك المطاف إلى واحة خضراء مليئة بخيرات الله تسر الناظرين، وتبهج السائرين، ومنها يتبلغ المسافرون إلى ما شاء الله، بعد أن يتركوا خلفهم أثرًا يدل على سيرهم في هذا الطريق يوما ما...؟! وهل تذوقت حلاوة الشبع ولذته بعد أن كابدت مرارة الجوع والحرمان، فسكنت نفسك بعد اضطراب، واطمأنت روحك بعد خوف وشتات وهدأت فرائصك واستقرت بعد طول ارتعاد؟
كذلك هو الزواج.. سكينة للنفس وراحة للفؤاد.. سكن للروح وحياة طيبة للأجساد... وهو الواحة الخضراء في صحراء الحياة يتمتع فيها المحبون فتمتزج أرواحهم بحب ووداد، بعد أن أخذوا على أنفسهم العهد والميثاق أن يعيشوا معًا على كلمة سواء، لا اعوجاج فيها ولا التواء، وتعاهدوا معًا على رعاية تلك الواحة الغناء لتستمر خضرتها وتورق أشجارها، وتخرج ثمارًا وبذورًا طيبة وغراسًا صالحة تثقل في الميزان وتجود بالربح الوفير.
مآرب وأهداف
نعم.. إنها آية الزواج.. قارب العبور في خضم الأمواج.. إنها المودة.. الرحمة. السكن.. التآلف.. المشاركة بالقلب والجسد.
إلا ما أعظمها من حياة بعيدة عن حياة العبث والحرام، تتحقق فيها تلك المغرب والأهداف. ومع ما فيه من تضحية وإيثار، وحبس للنفس عن التفلت من تبعاته ومسؤولياته، فإننا نقول لكل من يريد الزواج: انتبه عندما تريد أن تدخل من ذلك الباب فهو أشبه بالقفص الذهبي الذي يغري بريقه الداخلين، لكن محبسه ليس كأي حبس وإنما هو حبس محبب إلى القلوب وتشتاق إليه الأنفس وتحن لذلك فإن لهذا الدخول تبعات، كما أن ذلك القفص الجميل محوط بقيود، وإن كانت ذهبية فانتبه.. لأن لداخله حقوقًا، وعليه واجبات ولا بد من دفع رسوم الدخول!
وحين تحسن النوايا وتتحاب القلوب وتكون المشاركة الوجدانية في الأفراح والأحزان، في الرخاء والشدة، في اليسر والعسر.. وحين يصبح الثاني والحلم والأناة وحسن الظن والتماس الأعذار، والعمل لوجه الله تعالى شعارًا لنا في الحياة.. تسير سفينة الزواج بأمان، فإذا ما اعترضها عارض وتلاطمت الأمواج، وتعالت الصيحات ظهر الريان الحكيم الذي يعرف من القيادة وأصولها، وكيفية إدارة الدقة في اتجاهها الصحيح، فيأخذ بأسباب الأمان ويصل إلى الشاطئ بسلام.
القوامة على الأسرة
وما أحسن القيادة التي تؤتي أكلها وتثمر ثمارها غضة طرية في كل حين، وما أعظمها إن كان التكليف بها من لدن رب حكيم عليم. رحيم بعباده، وهنيئًا لمن قام بما كلف به دون تقصير، ويا لخزي وندامة من لم يقم بما عليه حق القيام في يوم يشيب من هوله الولدان والجزاء من جنس العمل والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.
لقد كلف الله سبحانه الرجال بقيادة دفة الأسرة، وخصهم بدرجة القوامة، قال تعالي: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤).
وهي ليست قوامة تشريف بقدر ما هي تكليف وتبعات ومسؤولية، وليست قوامة تسلط وتعنت وجبروت بل رعاية وعناية وإحسان، لا ضرر فيها ولا ضرار.. قال ﷺ: من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه... وقال: لا ضرر ولا ضرار (رواه ابن ماجه).
اجتياز البوابة
ومن هذا المنطلق تنطلق معا ونجتاز تلك البوابة لتدخل ذلك القفص الذهبي الذي من حرم دخوله تمنى لو عاد قطاره إلى محطته السابقة ليحط برحاله هناك أمام ذلك الباب ليصبح آمنًا في حصن حصين من الشيطان الرجيم... لذا فقد قال رسولنا ﷺ: من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني. (رواه الحاكم).
وقديمًا قالوا: من خير ما يتخذ الإنسان في دنياه كي ما يستقيم دينه، قلب شكور ولسان ذاكر: وزوجة صالحة تعينه.
حقوق وواجبات
إنه الزواج.. العفة والطهارة والإحصان... المودة والرحمة والأمان.. السكن والأنس والاطمئنان.. من رزقه ووفق إليه نال من الخير الكثير، وهو أخذ وعطاء.. حقوق وواجبات.. إيثار وإنكار للذات.. وقبل ذلك طاعة وعبادة وقرية من أجل القربات.. به تطلب الرحمات وترفع الدرجات، قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه نظر الله تعالى إليهما نظرة رحمة، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما». رواه ميسرة بن علي ورمز له السيوطي بالصحة.
ترى أخي الزوج.. أختي الزوجة.. متى نظر كل منكما للآخر نظرة الرحمة تلك؟! ومتى أخذ كل منكما يكف شريكه أخذ عطف ورعاية ومحبة ليكون جزاؤه عند الله من جنس عمله؟ قد يكون ذلك العمل هامشيًا في نظر البعض لا أثر له في موازينهم، لكنه نظر في غير موضعه، فكل ما من شأنه جلب رحمة الله فهو عند الله عظيم.. هي نظرة ولمسة تنزل الرحمات، فما أعظم تلك النظرة، وما أروع تلك اللمسة..
قيد حديدي
وإن كان الأمر كذلك فما بال أقوام جعلوا من ذلك القفص الذهبي المليء بالرحمات قيدًا حديديًا تكبل به الأيدي، وتهان بسببه النفوس وربما تمله وتتمنى الفكاك منه بأي سبيل كان وبأي ثمن يدفع؟ ما الخلل إذن؟ وما الداء؟ وأين نجد الدواء؟ فوالله إنه لشيء عجاب أن تنقلب الموازين وتتحول جنبات البيت الآمن الذي يريده الله كروضات الجنات إلى أرض مستعرة تقذف حممًا بركانية ثائرة تأكل الأخضر واليابس من أمن الدار، وإلى نار تلظى تتأجج بالليل والنهار ترى ما السبب؟ وكيف نتحول بالزواج وبالبيت إلى ما يتمناه كل إنسان سليم الفطرة سوي التفكير، فيصبح روضة تسر الناظرين وبستانًا يضم أحسن الورود وأطيب الرياحين بدلًا من أرض جدباء لا تأتي إلا بالأشواك والهشيم...
الصحبة الطيبة
لقد أوصى الصحابي الجليل أبو الدرداء –رضي الله عنه– زوجته فقال لها: إذا رأيتني غضبت فرضني، وإن رأيتك غضبي رضيتك وإلا لم نصطحب... نعم.. إنها الصحبة الطيبة التي تعرف أن لها حقًا، وللآخرين حقوقًا.. فتعطي قبل أن تأخذ، وتعرف لكل ذي حق حقه.. الحياة شركة مشتركة، والحقوق والواجبات فيها كثيرة.
إصلاح النواة
ولما كان البيت المسلم هو النواة في الأمة المسلمة، ومتى صلح قويت الأمة، فجدير بنا أن نصلح النواة ونحيطها بسياج الرعاية والري والاهتمام، بعيدًا عن الآفات التي تحد من صلاحيتها أو تؤثر فيها.
ولما كان الزوج هو رب الأسرة وقيمها كما أوضحنا، وبه يقتدي أهل بينه ومنه يتعلمون، فلا بد أن يكون على عاتقه الحمل الأكبر من الرعاية والمعرفة التامة بالحقوق والواجبات، وإذا علم ذلك أتبع علمه بالعمل... لذا سنقدم لكم –إن شاء الله– سلسلة القفص الذهبي، يكون مسيرنا فيها معًا على الطريق من أجل أسرة مسلمة سعيدة مستقرة، بعيدًا عن آفات الجهل بالحقوق والواجبات نتطرق معًا لبعض المؤثرات على تلك الأسرة سلبًا وإيجابًا، من أجل بناء أقوى وزواج أبقى.