; انتحار جماعي | مجلة المجتمع

العنوان انتحار جماعي

الكاتب سلمان فهد العودة

تاريخ النشر السبت 29-يناير-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1937

نشر في الصفحة 34

السبت 29-يناير-2011

وردني سؤال عن رأي الشريعة في قتل النفس تحت ضغط الفاقة والفقر؟
والجواب: أن هذا مما لا سؤال فيه عن»رأي«، بل حكم الله وحكم رسوله ﷺ المجمع عليه خلفًا وسلفًا أن قتل النفس محرم وكبيرة من كبائر الذنوب؛ توعد الله عليها بقوله سبحانه ﴿ولا تّقًتٍلٍوا أّنفٍسّكٍمً إنَّ اللَّهّ كّانّ بٌكٍمً رّحٌيمْا. مّن يّفًعّلً ذّلٌكّ عٍدًوّانْا وظٍلًمْا فّسّوًفّ نٍصًلٌيهٌ نّارْا وّكّانّ ذّلٌكّ عّلّى اللَّهٌ يّسٌيرْا ﴾)النساء(
وفي الحديث المتفق عليه عبدي بادرني بنفسه حرمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وفي لفظ من قتل نَفْسَهُ بِحَدِيدَة فَحَدِيدَتُهُ في يده يتوجًا بها فِي بَطْنَهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خالدًا مخلدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمَا فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مخلدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى من جبل فقتل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلدًا فيها أبدا. (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة). 
والظروف العصيبة التي يعيشها الكثير في العالم الإسلامي تفسر ما يحدث، ولكنها لا تبرره ولا تجيزه، على أننا يجب أن ننأى عن الحكم على الأعيان والأفراد: فإن هذا مما استأثر الله به، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن قطع براجمه بمشاقص فَشَخَبَتْ يَدَاهُ فمات.. فَقَالَ رَسُول الله اللهم وليديه فَاغْفِرُ (رواه مسلم من حديث جابر ). والحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم إلا أنه يقرر مسألة واضحة متفقًا عليها وهي أن المنتحر لا يكفر بمجرد الفعل بل هو من عصاة المؤمنين.
وفي الوقت الذي ندعو فيه حكومات العالم الإسلامي إلى ضرورة المعالجة الفورية الظواهر الظلم والتجاهل ومشكلات البطالة والفقر، والاندماج في مشاريع تنموية جادة ومحاربة الطبقية والفساد المالي والإداري والاستئثار بالثروة حفاظا على سكينة المجتمعات وأمنها، وقيامًا بما أوجب الله من العدل بين الناس وإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تحكموا بالعدل (النساء:٥٨)، فإن مما يدرك بالملاحظة والتجربة وقراءة السنن أن الفقر مدعاة لكل شر، وكان علي يقول، لو كان الفقر رجلا لقتلته، وفي الأثر: كاد الفقر أن يكون كفرًا. 
وليس الأمر مقصورًا على الخبز والطعام على أهميته العظمى وضرورته بل يتعدى إلى حاجة الناس للاعتراف بهم واحترام شخصياتهم، وحفظ حقوقهم ومصالحهم، وتمكينهم من التعبير عن مشاعرهم وتطلعاتهم المشروعة، دون تعسف أو إهدار أو استخفاف ما دامت لا تتجاوز ولا تتعدى إلى ظلم أو بغي أو عدوان على الآخرين. إلا أن تكرار هذه الظاهرة الغريبة من إحراق النفس في العديد من البلاد الإسلامية هو نذير يدل على ما آلت إليه الأمور من اليأس والإحباط وانسداد الأفاق الحياتية التي تعزز
الأمل والتفاؤل، وكما قيل:
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل لقد شغلت كثير من الشعوب عن قضاياها الأممية الكبرى، وتطلعاتها الحضارية بمشكلاتها الخاصة المتعلقة بلقمة العيش ثم اكتشفت أنه حتى لقمة العيش لم يعد الحصول عليها بالأمر السهل، حتى يبذل الإنسان كرامته، ومع هذا تضافرت أسباب عديدة إعلامية وتعليمية واجتماعية على إضعاف قيمة الإيمان والصبر ومواجهة التحديات بثقة وإصرار ومواصلة، وأضعفت روح التكافل والتعاون في المجتمعات الإسلامية بما أفضى إلى أوضاع مأساوية لا يعلم عواقبها إلا الله وحده، قد تعصف بالاجتماع والأمن والاستقرار في أي بلد.
وفي ظل الانفتاح الإعلامي وقيام جمهورية المهمشين، التي تسمح بالتعبير والاحتجاج عبر أدوات الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية والقنوات الفضائية التي صارت تغطي الحدث فورًا وتسمح بالتواصل والتنسيق والتنظيم، وتستوعب مئات الملايين من الناس في الفيس بوك مثلا يضم ٦٤٧,٥ مليون من البشر غالبهم من الشباب، بحيث لو كان دولة لكان ثالث دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند وفي ظل ثورة الآمال والتطلعات التي تجعل من حق أي شعب أن يقارن نفسه بالشعوب الأخرى، ويرى نفسه جديرا بالمستوى ذاته الذي تعيشه من حيث الحريات والرفاه المادي والممارسة السياسية، بل والمركز الحضاري.
في ظل هذا وذاك يغدو التجاهل لهذه المتغيرات نوعًا من الانتحار السياسي لأي نظام لا يريد أن يستوعبها، فهو يدمر ذاته بذاته، ويحكم على مستقبله بمفاجآت غير محسوبة قد تفضي إلى حروب أهلية في أسوأ الحالات وإلى تغييرات جوهرية في أحسن الحالات. وإذا كان انتحار الفرد حرامًا وجريمة نكراء كما صرح بذلك كتاب الله العزيز وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن انتحار المجتمعات والدول لهو اشد حرمة وأعظم جرمًا، وأولى بالشجب والاستنكار. والتعبير عن الغضب أو عن المطالبة يمكن أن يتذرع بالوسائل الشرعية والوسائل المباحة المسكوت عنها في الشريعة، لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن يتساهل في ارتكاب ما حرم الله لأن ما عند الله لا ينال بمعصيته، والحل الحقيقي لكل مشكلات الأمة هو في كلمة التوبة..
توبة الأفراد والمؤسسات والحكومات والشعوب من ذنوب السلوك، وآثار التخلف ومعاصي الجهل، وأوزار الظلم، وخطايا الفوضى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ (التحريم:۸)، لسنا نتحدث عن صيغة مثالية بل عن الحد الأدنى الذي تحفظ به مصالح الدنيا وضرورات الدين، وتهدأ به النفوس الثائرة، ويفتح فيه باب الأمل للناس كل الناس فلا شيء يدمر الحياة كما يدمرها اليأس. 
أرى خلل الرماد وميض نار               ويوشك أن يكون لها ضرامُ 
لئن لم يطفها عقلاء قوم                 يكون وقودها جنت وهام 
فإن النار بالعودين تذكى                  وان الحرب يقدمها الكلام 
أقول من التعجب ليت شعري          أيقاظ أمية أم نيام؟
وللحديث صلة إن شاء الله.. وصلى الله على نبينا محمد وآلة.

الرابط المختصر :