; انتخابات إسطنبول.. تصويت احتجاجي له ما بعده | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات إسطنبول.. تصويت احتجاجي له ما بعده

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الاثنين 01-يوليو-2019

مشاهدات 57

نشر في العدد 2133

نشر في الصفحة 30

الاثنين 01-يوليو-2019

الإعادة شهدت تصويتاً احتجاجياً من شرائح عديدة من ضمنها بعض أنصار العدالة والتنمية نفسه

موجة غضب ومطالبات بالمراجعات من شخصيات سياسية وإعلامية وأكاديمية محسوبة على الحزب

الحزب قد يتعرض لموجة غضب تساهم في استمرار منحى الاحتجاج ربما يتخطى مستوى الانتخابات البلدية الأخيرة

الحزب أصبح أمام مفترق طرق حاسم ومطلوب منه رسالة تغيير واضحة المعالم

أسفرت انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول الكبرى عن فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري وتحالف الأمة المعارض «أكرم إمام أوغلو» مرة أخرى برئاسة البلدية، ولكن هذه المرة بفارق كبير جداً في الأصوات عن منافسه «بن علي يلدرم»، مرشح حزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور.

الفارق الضئيل الذي لم يتجاوز 14 ألف صوت وما يقارب 0.17% فقط من الأصوات في الجولة الأولى، توسع إلى أكثر من 800 ألف صوت (حوالي 9%) من أصوات الناخبين في الجولة الثانية، هذا التغير الكبير خلال أقل من ثلاثة أشهر في انتخابات لم تتغير فيها أسماء المرشحين ولا كشوف الناخبين كثيراً ولا حصلت في حملتها الانتخابية تطورات استثنائية يمكنها تعديل الكفة بهذه الدرجة، يشير إلى أن السبب أبعد من المفاضلة المباشرة بين «إمام أوغلو»، و»يلدرم»، ما يدفعنا للتقدير بأنه كان تصويتاً احتجاجياً من شرائح عديدة من ضمنها بعض أنصار العدالة والتنمية نفسه.

ومما يدعم هذه الرؤية تراجع أصوات «يلدرم» بأكثر من 220 ألف صوت، وفي جميع الأقضية الـ39 التابعة لإسطنبول، في مقابل ارتفاع عدد أصوات «إمام أوغلو» بأكثر من 572 ألف صوت، وتقدمه في كل الأقضية الـ39 لإسطنبول؛ ما تسبب بفارق الـ800 ألف صوت، وفق هذه الرؤية يمكن القول: إن الحزب فشل في استقطاب شرائح جديدة للتصويت لمرشحه، وفي مقدمتها أنصار حزب السعادة والناخبون الأكراد، بل إنه نزف من خزان قاعدته التصويتية الخاصة به، بحسب الأرقام والمعطيات المتاحة.

رسالة احتجاجية

تبدو الرسالة الاحتجاجية الواضحة في نتائج التصويت موجهة بالأصل إلى ثلاثة أمور رئيسة:

الأول: قرار إلغاء نتيجة الانتخابات وإعادتها الذي يبدو أنه لم يكن مقنعاً لطيف واسع من الناخبين، خصوصاً أن القرار شمل انتخابات البلدية الكبرى دون البلديات الفرعية، وبدا أن فيه بعض الإصرار والتعنت من قبل الحزب وبعض الضغوط السياسية على لجنة الانتخابات، بما أعطى انطباعاً للكثيرين بأنه لم يسلّم بهزيمته، وأن رسائل الانتخابات العادية لم تصله بالشكل الأمثل، أو أنه لم يتعامل معها كما يجب.

الثاني: خطاب العدالة والتنمية وحملته الانتخابية التي شهدت انقلاباً سريعاً وجذرياً على الحملة الانتخابية الأولى، من خلال التودد لأنصار حزب السعادة ومغازلة الناخب الكردي وإعادة الانتخابات من مستوى الأمن القومي والأبعاد السياسية الوجودية إلى مستوى الانتخابات البلدية والأبعاد الخدمية، واختفاء خطاب «الخطر الوجودي» لحساب الحديث عن «تحالف تركيا» المكون من مختلف الأطياف.. إلخ.

الثالث: وهو مرتبط بالعنصر الثاني؛ وهو النداء الذي وجهه زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل «عبدالله أوجلان» لأنصار حزب الشعوب الديمقراطي بالوقوف على الحياد في انتخابات الإعادة، وهي الرسالة المسربة التي اعتبرت على نطاق واسع بأنها محاولة من العدالة والتنمية للتأثير على قرار الناخبين الأكراد في المدينة من بوابة «الإرهابي أوجلان» وحزبه الكردستاني الذي طالما اتهم العدالة والتنمية أحزاب المعارضة بالتعاون معه.

تقبل وتفاعل

ساهمت التصريحات الأولية التي صدرت من العدالة والتنمية -إلى حد كبير- في تهدئة الأجواء بعد الحملة الانتخابية الساخنة، حيث هنأ المرشح «بن علي يلدرم» منافسه قبل انتهاء عملية الفرز؛ ما أكد عدم رغبة العدالة والتنمية هذه المرة بخوض مسار الطعون القانونية لدى لجنة الانتخابات، كما هنأ الرئيس التركي بتغريدة له العمدة المنتخب «إمام أوغلو» راجياً له التوفيق.

لم يكتف الرئيس التركي بذلك، وإنما أشار بوضوح خلال كلمته أمام كتلة حزبه البرلمانية إلى أن فلسفة العدالة والتنمية لا تدفعه للغضب من الشعب وإنما إلى احترام قراره، واعداً بإجراء دراسة موسعة للنتائج ودلالاتها ورسائلها للتعامل معها كما يجب لمحاولة استعادة ثقة الناخب مرة أخرى.

ولئن كانت الرسالة المتضمنة في النتائج تتجاوز انتخابات الإعادة إلى عدة ملفات تتعلق بسياسات الحزب وخطابه ومنظومات تحالفاته وبناه التنظيمية وآلات اتخاذ القرار فيها، فإنه يبدو مطلوباً منه تقديم رسالة تجاوب وتفاعل وكذلك تعديل على كل هذه المسارات وربما ما هو أكثر منها، وقد لوحظ انتشار موجة غضب ونقد ومطالبات بالمراجعات والحساب والعقاب داخل الحزب ومن شخصيات سياسية وإعلامية وأكاديمية محسوبة عليه، وهذه المرة في العلن وعلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يعني أن قيام الحزب بعملية تغيير واسعة بات أمراً لا مفر منه.

كما أن الحزب يدرك اليوم أن سيناريو عام 2015م حين استطاع كسب الأغلبية البرلمانية في الانتخابات البرلمانية المعادة لم ينجح اليوم؛ ما يعني أن هناك تغيراً في مزاج الناخب في تقبل التفاعل اللفظي من الحزب ومطالبته بتغييرات عملية وحقيقية بعد النتيجة.

لذا، فإنه من المتوقع أن يلجأ الحزب إلى خطوتين رئيستين في الحد الأدنى على المدى المتوسط خلال أسابيع ربما:

الأولى: تعديل وزاري يشمل بعض الحقائب الوزارية.

الثانية: مؤتمر استثنائي له تجدد فيه الهيئات القيادية، وتبعد فيه بعض الشخصيات التي يمكن اعتبارها مسؤولة عن النتيجة الأخيرة وفق التقييم الذي يجريه الحزب حالياً.

ما دون ذلك، سيكون الحزب أمام موجة غضب أكبر تساهم في استمرار منحى الاحتجاج بين أنصاره وناخبيه بما قد يتخطى مستوى الانتخابات البلدية الأخيرة، وبما قد يشجع بعض القيادات السابقة فيه مثل الرئيس السابق «عبدالله جول»، ورئيس الوزراء الأسبق «أحمد داود أوغلو» على تسريع خططهم المفترضة بإنشاء أحزاب سياسية تنافس العدالة والتنمية.

هذا التطور -إطلاق أحزاب سياسية منافسة من قيادات سابقة- إن حصل فسيكون التحدي الأكبر الذي يواجهه العدالة والتنمية منذ تأسيسه، باعتبار أن هذه الأحزاب ستكون قادرة على منافسة الحزب على قاعدته الجماهيرية والتصويتية بسبب التشابهات الكبيرة في الخلفيات والأفكار فضلاً عن التاريخ المشترك والسير الذاتية الناجحة لقياداتها المنتظرة.

وعليه، يبدو حزب العدالة والتنمية اليوم بعد 17 عاماً من تأسيسه وحكمه منفرداً أمام مفترق طرق حاسم وحساس بعد كل ما قدمه لتركيا داخلياً وخارجياً، وبات مطلوباً منه أن يقدم للشعب والناخبين رسالة تغيير واضحة المعالم لا لبس فيها ولا عموميات، ولا تقديم أكباش فداء لكي يحافظ على شعبيته ومكتسباته، ولكي يستمر في مسيرته بالحكم لتحقيق رؤاه المستقبلية المتعلقة بعام 2023م وما بعده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1146

77

الثلاثاء 18-أبريل-1995

المجتمع الإسلامي (العدد 1146)

نشر في العدد 810

94

الثلاثاء 24-مارس-1987

المجتمع المحلي