; انتفاضة العراقيين.. بين التغيير والتخدير! | مجلة المجتمع

العنوان انتفاضة العراقيين.. بين التغيير والتخدير!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

مشاهدات 63

نشر في العدد 2087

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

المرجعية الدينية العليا في النجف تحث العبادي على انتهاج برنامج إصلاحي شامل وفاعل

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية دعا العراقيين إلى دعم حكومة العبادي

العبادي في تسريب من لقاء رفيع المستوى مع وزرائه: إنه قلق من تنامي الجزء الموالي لإيران في الحشد الشعبي

مليشيات الحشد الشعبي تسعى لاستغلال تبرم الجماهير في ظل حكومة فاسدة فاشلة إلى إحداث انقلاب يُسقط تلك الحكومة

بغداد: محمد الطائي 

كرة ثلج، لم يتوقع حكام العراق - ولا محرِّكوهم - أنها ستبلغ هذا المبلغ، بدأت تدحرجها عندما اشتدت موجة الحر في العراق، وقد انهارت منظومة الكهرباء المتهالكة فيه، وصارت ساعات وصول التيار الكهربائي في اليوم لا تتجاوز أصابع اليد الواحد المبتورة؛ فخرج العشرات من الناس إلى الشارع بشكل عفوي؛ معبرين عن احتجاجهم على دولة فاشلة صرفت (بل سرقت) المليارات من الدولارات وهي تدعي في كل مرة إصلاح منظومة الكهرباء، وتعدهم بمدد طويلة من عدم الانقطاع، وكان ذروة ما كان من تظاهرات بهذا الشأن في محافظة البصرة، الأكثر سخونة وتضرراً.

حاول بعض الفاسدين من السياسيين (من دولة القانون، والمجلس الأعلى) ومليشيات الحشد ركوب الموجة، وبدؤوا بالتصريحات المنافقة دعماً للمتظاهرين، وأنهم سينزلون معهم داعمين لهم في دعواتهم للإصلاح، فطُرد البعض، وأُنذر آخرون، وكانت ردود الأفعال الحكومية والسياسية والدينية سريعة بعد أن تبين لهم أن التظاهرات باتت تشكل خطراً عليهم، وأن هناك تهديدات باتت تتكلم عن اقتحام المنطقة الخضراء، ومقرات الدولة، بل وحتى مقرات بعض المرجعيات، حيث تجاوزت الهتافات العالية الحديث عن الفساد والمفسدين في الحكومة إلى المطالبة بطرد السياسيين كافة من مواقعهم ومناصبهم، ووصل الأمر إلى استهداف المراجع الدينية، كما كان بالنسبة لعمار الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، بل وحتى المرجعية الدينية في النجف، ولأول مرة وبشكل علني باعتبارها المشجع الأول على انتخاب هذه الأحزاب الفاسدة ورجالاتها المُفسدين! 

فجاءت تصريحات المرجعية الدينية العليا في النجف تحث رئيس الوزراء العبادي على انتهاج برنامج إصلاحي شامل وفاعل، بينما سارع رئيس الوزراء العبادي إلى إصدار حزمة من الإصلاحات، تدعو إلى محاربة الفاسدين وإقالتهم وإعادة التعيين في المناصب الوزارية والدرجات الخاصة في الدولة على أساس الكفاءات والمعايير الموضوعية والخبرة المهنية، وليس على أساس المحاصصة الطائفية (على حد وصف مدير مكتبه الإعلامي)، ليحاول الهروب من المأزق الذي تمر به حكومته الفاسدة، وليرمي الكرة في ملعب البرلمان. 

وكان النائب عن دولة القانون في الائتلاف الشيعي جاسم محمد جعفر قد أعلن قبلها في تصريح لصحيفة "المدى"، أن العبادي قد تلقى اتصالاً هاتفياً من المرجعية الدينية في النجف حول تظاهرات واحتجاجات المواطنين، وتمخض الاتصال عن تشكيل لجنة من رئاسة الوزراء والمرجعية في النجف، لتدارك الوضع الخطير، ووضع خطة إصلاحية سريعة على ثلاث مراحل؛ تمثل مرحلتها الأولى إصلاحات تشمل المناصب سواء كان بالتغيير أو المحاسبة، بينما أعلن جعفر أن المرحلتين الثانية والثالثة لا يمكن الحديث عنهما الآن. 

ردود الأفعال

وكعادة عراق ما بعد الاحتلال، فإن ردود الأفعال كانت على أساس المذاهب والقوميات وقوات الاحتلال فيه، فبينما رحب الجانب الأمريكي بالخطوات الإصلاحية التي دعا إليها العبادي، مشترطاً أن تتضمن الإصلاحات ملف المصالحة الوطنية (في إشارة إلى التغول الشيعي وتهميش واستهداف أهل السُّنة العرب)، نجد أن الموقف الإيراني كان حذراً من هذه التظاهرات الفاضحة لفساد الحكومات الشيعية المدعومة أصلاً من قبلهم، حيث دعا رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء "حسن فيروز آبادي" العراقيين إلى دعم حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي. 

أما الكتل السياسية العراقية، وقد أدركت صعوبة الوقوف أمام التيار المحتج الجارف، فقد كانت منكسرة مجبرة على تلك الإصلاحات وباعتراضات ضمنية، فكان من مواقفها الآتي: 

1- الكتلة الكردية: تأييد خجول كالعادة، فالكرد لهم دولتهم شبه المستقلة ومصالحهم المستقلة البعيدة عن العراق الواحد، وقد أعلنوا مراراً وتكراراً أنهم لن يكونوا طرفاً في نزاعات العراق، فبينما رحبوا بالحق الشرعي للعراقيين بالتظاهر، فقد أكدوا من جانب آخر ضرورة دستورية الإصلاحات التي يطالب بها أولئك المتظاهرون، وبقي دور رئيس الجمهورية (الكردي) فؤاد معصوم مختفياً.

2- الكتلة السُّنية: وينطبق عليها المثل القائل: "المُفلس بالقافلة أمين"، فالساسة السُّنة فشلوا في الحفاظ على ماء وجوههم عوضاً عن الدفاع عن حقوق أهلهم، فجماهيرهم صارت بلا أرض وهي نازحة ترجو الكرامة وأسباب الحياة. 

وجل أعضاء تلك الكتل السُّنية فاسدون، وقد صاروا من أتباع المالكي أو الدولة الفاسدة، وهم يركضون وراء مصالحهم الشخصية، بينما كانوا المتضررين الأكبر من خلال قرارات العبادي الإصلاحية (غير الدستورية)، حيث شملت هذه الإصلاحات إقالات رؤساء الكتل السُّنية؛ أسامة النجيفي، وصالح المطلك، وإياد علاوي (الشيعي الذي يقود القائمة الوطنية السُّنية!) من مناصبهم السيادية؛ بدعوى التقشف والإصلاح، وقد استغرب بعضهم على استحياء هذه الإقالة لهم، بينما الفاسدون الحقيقيون من حيتان النهب والفساد يسرحون ويمرحون! 

3- الكتل الشيعية: وأقول هنا: الكتل؛ لأن حرب المصالح قد بدأت بين أحزابهم، فبينما رفض الحكيم هذه التظاهرات التي نالت منه ومن فساد كتلته، ووصف تلك التظاهرات الداعية للإصلاح بأنها "داعشية"! نرى مقتدى الصدر الذي يشعر بأنه الخاسر الأكبر في الدور الحالي والمستقبلي في العراق، وقد أيد هذه الانتفاضة الجماهيرية بكل ما فيها، وسارع إلى الطلب من نائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي، صاحب أكبر منصب للتيار الصدري في الدولة، إلى تقديم استقالته، وهذا ما حصل فوراً، وهدد الصدر بمظاهرات مليونية ضد البرلمان في حالة رفض الإصلاحات. 

من وراء التظاهرات؟

لا يختلف اثنان على أن التظاهرات بدأت عفوية، حيث خرج المظلومون إلى الشارع وقد ضاقت عليهم بيوتهم وقد قتلتهم الفاقة وجانبتهم الخدمات، والحديث يطول عن جرائم الفساد التي سرقت أكثر من تريليون دولار من خيرات العراقيين خلال السنوات العجاف الماضية لحكومات الفساد من بعد الاحتلال الأمريكي - الإيراني للعراق. 

ولكن هذه التطورات السريعة والمفاجئة، سواء كانت بقوة التنامي السريع للمتظاهرين، أو بالاستجابة السريعة للإصلاحات من قبل الحكومة العراقية، أو بالقرارات القاصمة للأحزاب والحيتان الفاسدة في الدولة، كانت قد أثارت سؤالاً كبيراً مفاده: من وراء هذه الدعوات للتغيير؟ في إشارة إلى أن الأمر أكبر من قدرات العبادي الضعيفة المحدودة من جهة، وأقل من إمكانيات المتظاهرين المتفرقين هنا وهناك من جهة أخرى، ولعل من أبرز السيناريوهات التي تحدث عنها مقال لمدير معهد تواصل للعلاقات العامة والإعلام في تفسير ما يحدث هو ما يلي: 

1- صراع الإرادات في المنطقة، فالأمريكيون بالتأكيد ليسوا راضين عن تبعية الواقع العراقي لإيران بهذا الشكل الأعمى، خاصة مع مشهد بناء مليشيات الحشد الشعبي وسيطرتها تدريجياً على كل مفاصل الحياة (النسخة العراقية من الحرس الثوري الإيراني)، مقابل تأييد ودعم الائتلاف الشيعي لهذا التوجه للحشد الشعبي، حيث إن بعض التسريبات تشير إلى لقاءات سرية بين المخابرات الأمريكية والعبادي مؤخراً نتج عنها تسليم العبادي مشروع التغيير والإصلاحات كاملاً لتنفيذه لا لمناقشته، ليتم به خلط الأوراق وإعادة تشكيل المشهد العراقي بعد الإطاحة بالرؤوس القوية بحجة الفساد، ومسك الخيوط من جديد بيد العبادي، من أجل تقليم أظافر بعض العملاء لإيران. 

2- صراع المرجعيات، حيث أعلن مكتب قائد الثورة الإسلامية الإيرانية في النجف قبل مدة قليلة عن استلام مجتبى الحسيني الشيرازي مهامه ممثلاً جديداً للمرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" في العراق، وقد أعاد هذا التعيين – المريب - قصة صراع المرجعيات بين قُم والنجف، حيث أصبحت الكثير من مراكز القوى في العراق الدينية منها مثل المجلس الأعلى بقيادة عمار الحكيم، والسياسية مثل دولة القانون بقيادة نوري المالكي، والعسكرية منها كالحشد الشعبي بقيادة أبو مهدي المهندس، وهادي العامري، كلها تدين لإيران قبل العراق وحكومته الضعيفة، حيث أثير مؤخراً موضوع اتصالات سرية بين المرجعية العليا في النجف وبين العبادي لإيقاف تغول المرجعية الإيرانية ليس في قُم فحسب، وإنما الحد من سيطرتها على مرجعية النجف من خلال مجتبى الشيرازي المثير للجدل، ونُقل عن العبادي في تسريب آخر في لقاء رفيع المستوى مع وزرائه؛ أنه قلق من تنامي الجزء الموالي لإيران في الحشد الشعبي، وهو الجزء الأكبر عدداً والأحدث تجهيزاً بالأسلحة والمعدات، وصرح العبادي أمام الحضور بأنه لن يسمح بهذا التغول على حساب المرجعية الدينية للسيستاني في النجف. 

3- سعي مليشيات الحشد الشعبي وعلى رأسها عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وفيلق بدر بقيادة هادي العامري إلى استغلال تبرم الجماهير من الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراقيون في ظل حكومة فاسدة فاشلة إلى إحداث انقلاب يُسقط الحكومة ورئيسها بدعوى الانفلات الأمني وغياب القدرة على السيطرة على الأمور أو إحداث الإصلاحات المطلوبة. 

قرارات الحكومة

من أهم مظاهر المشهد العراقي بعد زلزال التظاهرات: 

أولاً: إقالة رؤساء الكتل السياسية الحاكمة من مناصبهم في الدولة، وأبرزهم:

1- أسامة النجيفي، رئيس قائمة "متحدون".

2- صالح المطلك، رئيس قائمة "الحوار الوطني".

3- إياد علاوي، رئيس "القائمة الوطنية".

4- نوري المالكي، رئيس قائمة "دولة القانون".

5- بهاء الأعرجي، رئيس قائمة "التيار الصدري".

ثانياً: البدء بالتحقيق في ملفات الفساد الخاصة بالوزراء والمسؤولين السابقين جميعاً، وقد أعلن في الإعلام عن فتح ملفات الفساد لنوري المالكي، وبهاء الأعرجي كبداية لحملة الإصلاح!

ثالثاً: إعادة ترتيب الوزارات العراقية سواء كان من خلال دمج بعضها ببعض لتخفض إلى 15 وزارة، أو من حيث استبدال الوزراء بآخرين من الأكفاء.

رابعاً: إعلان نهاية عهد المحاصصة الطائفية، وأن رئيس الوزراء العبادي هو من سيختار وزراءه.

خامساً: التهديد بإعادة بناء مرافق الدولة كافة، ومنها الدعاوى القائمة بحل البرلمان الفاسد. 

سادساً: استمرار الضغط الجماهيري، والمطالبة بالتغييرات الفعلية على الأرض لا مجرد تقديم ملفات الحزم الإصلاحية للإعلام!

سابعاً: بروز نجم العبادي كقائد أوحد في العراق بعد أن سحب البساط من تحت أقدام المنافسين له من الكتل السياسية والأحزاب.

ثامناً: زيادة فرصة الاتجاه نحو النظام الرئاسي في الحكم بدل النظام البرلماني الحاكم اليوم.

الرابط المختصر :