العنوان محللون أمريكيون: انتهاء الحرب الباردة ووجود لوبي إسلامي أمريكي يضعفان دور تل أبيب
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1474
نشر في الصفحة 36
السبت 27-أكتوبر-2001
ما بعد التفجيرات هل سيتقلص دعم أمريكا للكيان الصهيوني نظير تقارب واشنطن مع العرب؟
على الرغم من رواج توقعات أن تسفر تفجيرات نيويورك وواشنطن عن تداعيات سلبية على الموقف الأمريكي حيال العرب والمسلمين، إلا أن مراكز تحليلية أمريكية تعتقد بعكس ذلك؛ إذ تشير مؤسسة ستانفورد المعنية بشؤون منطقة الشرق الأوسط العسكرية والاستراتيجية في تقرير خاص» صدر مؤخرًا إلى أن الأحداث الأخيرة قد تفرض على الولايات المتحدة تقليص دعمها الاستراتيجي عن الكيان الصهيوني مقابل تعزيز علاقاتها مع بقية دول المنطقة مثل سورية وإيران ومصر موضحة أن هذا التحول يأتي في ضوء مجموعة متغيرات جيوسياسية منها انتهاء الحرب الباردة وتنامي ثقل المسلمين السياسي داخل أمريكا نفسها.
فلدى تيار في الإدارة الأمريكية تصور بأن الظروف التي كانت تفرض على واشنطن دعم تل أبيب انتهت واستجدت تطورات سياسية واقتصادية لن تستطيع أمريكا التعامل معها بنجاح إلا إذا حظيت بدعم الدول العربية والإسلامية وتجلى ذلك خلال حرب الخليج قبل عشر سنوات ومؤخرًا ضمن مساعي أمريكا لتجميع تحالف دولي لقصف أفغانستان، حيث أدركت أن دولًا مثل مصر وإيران، مهما كانت خلافاتها مع طالبان أو أسامة بن لادن لن تتعاون مع أمريكا، في الوقت الذي تظل فيه القوة العظمى تدعم الكيان الصهيوني بطريقة فجة. وهذا الوضع في أقل أحواله. لا شك يحرج أنظمة هذه الدول مع شارعها الذي يزداد غليانًا تعبيرًا عن رفضه للازدواجية الدولية في التعامل مع القضايا الحساسة وعلى رأسها قضية فلسطين.
ولذلك يضغط هذا التيار باتجاه إقناع إدارته الأمريكية لممارسة مزيد من الضغوط على الصهاينة للجلوس إلى الفلسطينيين وحسم موضوع الدولة الفلسطينية، وإنهاء العنف في المنطقة ولن تفعل الإدارة الأمريكية ذلك لأن إيجاد حل عادل المشكلة الشرق الأوسط يؤرقها، وإلا لفعلت ذلك منذ زمن طويل، ولكن لأنها بدأت تدرك أنها تدفع ثمن دعمها اللامحدود للكيان الصهيوني باهظًا من مصالحها في بقية أنحاء المنطقة العربية.
لكن هل تحمل قناعة هذا التيار أنباء سعيدة القادة الحركات الإسلامية هنا ينبغي وضع إجابات تتسم بالحذر. فمؤسسة ستانفورد» تبني توقعاتها بشأن تقارب أمريكي عربي إسلامي على أساس تأمين المصالح الأمريكية في هذه المناطق. إلى جانب تسهيل حصول أمريكا على معلومات استخباراتية خاصة عن الحركات الإسلامية المختلفة، وعلى الرغم من أن الحلقة الحالية تلتف حول المجموعات الإسلامية المتشددة، إلا أنه في أعقاب الدخول المرحلة السلام الشكلية بين الدول العربية والصهاينة ستلتف حلقة ثانية حول بقية الحركات الإسلامية المعتدلة.
وإذا كانت واشنطن أدركت وزن إيران وباكستان ودول الخليج الإمكانية توفير قواعد عسكرية ودعم لوجستي يمكن من خلالهما قصف كابول، فليس هناك من مانع أن تدرك أمريكا مستقبلًا وزن قوى أخرى لإمكانية شن حملة تصفية واستنصال مماثلة لحركات تشمل حماس، و الجهاد الإسلامي، و«حزب الله».
انتهاء الحرب الباردة انخفاض قيمة تل أبيب
لا شك أن أولويات الولايات المتحدة بشأن المنطقة شهدت تغيرات جذرية بعد انتهاء الحرب الباردة قبل عشرة أعوام، وبالتالي لم تعد أهم تحديات أمريكا هي الحفاظ على أمن إسرائيل باعتبار تل أبيب حليفًا استراتيجيًا يناهض الامتداد الشيوعي في المنطقة.
ولأول مرة تشعر تل أبيب أنها أصبحت مهمشة ومعزولة من أكبر تحالف عسكري دولي خلال حرب تحرير الكويت والذي أضفى على المنطقة تغييرات ما زالت آثارها ممتدة حتى الآن وهو ما أقلق الكيان الصهيوني على مستقبل علاقته بالغرب وإمكانية اضمحلالها بانهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء تهديدات الخطر الأحمر، فبدأت تل أبيب في ترويج خطر وهمي أطلقت عليه الخطر الأخضر كي توهم أمريكا بأن دورها في الحفاظ على مصالحها لم ينته بل تعزز بمواجهة المد الأصولي. وعزز من تخوف الولايات المتحدة ظهور نظريات محرضة مثل: "صراع الحضارات" لصموئيل هانتجتون، ونهاية التاريخ "لفرانسيس فوكاياما. وعلى الرغم من أن تل أبيب سجلت مكتسبات من ترويجها لهذا الوهم أبقى على دعم أمريكا لها، إضافة إلى جانب دور اللوبي الصهيوني في الكونجرس الأمريكي وفي لعبة الانتخابات الرئاسية إلا أن العلاقة لم تكن كسابق عهدها. فقد شعرت أمريكا بعد تحرير الكويت وبقاء قواتها في المنطقة واحتمال تعرض مصالحها للتهديد مستقبلًا من قوى غير العراق بأن عليها أن تنزع فتيل التوتر من الأجواء العربية والإسلامية إزاء سياستها من تل أبيب.
سياسة أمريكا:
لوبي إسلامي مقابل لوبي صهيوني
وضمن المتغيرات الدولية والإقليمية شهدت الساحة الأمريكية المحلية تغيرات مهمة، فلم تعد الساحة السياسية الأمريكية حكرًا على نفوذ اللوبي الصهيوني، وإنما تدريجيًا بدأ المسلمون الأمريكيون يلملمون شتاتهم ويوحدون صفوفهم ويحسمون مسألة المشاركة السياسية التي تجادلوا حولها سنين طويلة حتى تشكل مجلس إسلامي أمريكي سنة ۱۹۹۷م معني بتنسيق الجهود بين المنظمات الإسلامية الرئيسة في أمريكا لتشكيل لوبي إسلامي عربي وتمكن هذا المجلس من تسجيل قفزات ملحوظة خلال الأعوام الأربعة الماضية، صحيح أنها لا تضاهي اللوبي الصهيوني من ناحية النفوذ المالي أو التنظيمي، لكن تضاهيه من جهة وزن صوتها الانتخابي.
ولا تكمن قوة المسلمين السياسية في أمريكا باعتبارهم مجرد صوت انتخابي تقدر بعض الإحصائيات عددهم بنحو 7 ملايين وإنما باعتبار قدرتهم على توجيه وحشد أصواتهم ككتلة باتجاه تأييد حزب أو مرشح معين، كما حدث في حالة الرئيس بوش، حيث قرر المجلس الإسلامي نهاية أكتوبر الماضي اعتماده مرشحاً، وبالتالي توجيه ملايين المسلمين للتصويت له. واتضحت معالم ذلك مثلاً في الولايات الساخنة سياسياً، والتي يتركز فيها وجود إسلامي واضح مثل ميتشجان و«أوهايو» و«بنسلفينيا» و«نيويورك» و«نيوجيرسي. كما اتضحت أيضاً في ولاية فلوريدا، حيث صوت لبوش ۲۸ ألفًا، مقارنة بحوالي ٦ آلاف تقريبًا صوتوا لصالح منافسه آل جور.
المحصلة
بقاء التزام أمريكا نحو تل أبيب
غير أن الحديث عن التغيرات التي فرضتها أجواء ما بعد الحرب الباردة وتزايد وزن لوبي إسلامي سياسي لا يعني أن الولايات المتحدة ستتجاهل التزاماتها تجاه الكيان الصهيوني تماماً، وما يعنيه ذلك من الاستمرار في تقديم دعم سياسي واقتصادي وعسكري فأمريكا في نهاية المطاف، كما تعترف مصادر أمريكية بنفسها ستظل تعتمد على الكيان الصهيوني كمصدر للاستخبارات البشرية عن المنطقة -على حد تعبير ستانفورد. ولن يستثني هذا تقديم تبادل معلومات بين إسرائيل، وأمريكا حول كافة الشؤون الحساسة العربية والإسلامية التي تشمل طبعا معلومات حول تحركات الإسلاميين وطبيعة أنشطتهم.
كما أن أمريكا لن يمكنها حسب هذا الرأي الاستغناء. في حالات الطوارئ والحاجة لوجود امتداد عسكري وعمق استراتيجي. عن الآلة العسكرية الصهيونية التي تظل متطورة مقارنة بالآلة العسكرية لكثير من الدول العربية. فمعامل ديمونة تعمل بنشاط وبدعم خاص من أمريكا التطوير قدرات تل أبيب النووية والكيماوية والبيولوجية. هذا إلى جانب القوات البرية والجوية للكيان الصهيوني، التي تعتبر أقوى قوة واقعة بين ألمانيا والهند يمكن الاستعانة بها في حالة اندلاع حرب كبيرة.
لكن مقابل ذلك ستظل هناك هذه المساحة الجديدة من ممارسة واشنطن ضغوطًا سياسية واقتصادية على تل أبيب، والتي سيعتمد حجمها. اتساعًا أو انكماشًا، على مجموعة عوامل من بينها دور المسلمين السياسي في أمريكا وفي عدد من الدول العربية ذات التأثير الاستراتيجي في أحداث المنطقة وهذه المساحة هي التي مكنت الرئيس بوش من ممارسة ضغوط معروفة على شارون كي يوافق على اجتماع وزير خارجيته بيريز مع ياسر عرفات إذ كشفت مصادر عبرية وأمريكية بأنه في أعقاب تفجيرات أمريكا أصبح عقد هذا الاجتماع، تمهيدًا لمباحثات تسوية أولوية لدى الرئيس الأمريكي لتمكينه من ممارسة ضغط على الدول العربية كمصر للانضمام للتحالف ضد أفغانستان.
وأضافت المصادر، نقلًا عن دبلوماسيين أمريكيين أن بوش اتصل هاتفيًا بشارون وطلب منه الموافقة على لقاء عرفات -بيريز، إلا أن شارون رفض طلبه واقترح عوضًا عنه المشاركة في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. ونقلت صحيفة ها ارتس الصهيونية أن بوش قال الشارون عندما أطلب منك «س» فتقترح علي «ص» فإنني اعتبر هذا رفضًا منك، مشيرًا إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بأنه أول مسؤول يرفض رجاء من أمريكا بعد حوادث التفجيرات مباشرة. وفي أعقاب هذه المكالمة تم لقاء عرفات مع بيريز فورًا.
ويبدو أن حملة الضغوط الأمريكية ضد شارون ستظل مستمرة حتى هدوء الأجواء العربية الملبدة بالغيوم الأمنية. فالمسؤولون الأمريكيون - حسب مصدر غربي رفيع المستوى عاكفون حاليًا على مناقشة مقترح بإنهاء فوري لكافة المساعدات المدنية التي تقدمها أمريكا للصهاينة والتي تقدر بحوالي ۹۰۰ مليون دولار وذلك في إطار مراجعة الولايات المتحدة لأولويات إعاناتها الخارجية وتشكل الـ ۹۰۰ مليون دولار هذه حوالي 1% من ناتج الدخل القومي الصهيوني، لكن أيًا كانت نتائج القرار الأمريكي بخصوص مستقبل هذه الإعانات، فإن الدعم العسكري الذي تحظى به تل أبيب من أمريكا ويقدر بأكثر من بليوني دولار، سيستمر متدفقًا دون أي تغيير مما يعني أن التغيرات السياسية والاستراتيجية التي ذكرها معهد ستانفورد» برغم وجاهتها لن تنهي علاقة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب والتي يبدو أنها علاقة متجذرة في طبيعة النظامين بصورة تتجاوز فحوى التغيرات الخارجية.